الإسلام, التجديد, الإصلاح, الفقه, الشريعة, العقيدة, الحرية, الرئيسية, المسؤولية,
المقالات السابقة في سلسلة “مجاهدات في التجديد الديني“
ما الإسلام؟
نزول الإسلام في القرن 21م
مفهوم الشريعة بين الفقه والأخلاق: كلّكم فقيه، وكلكم مسؤول عن فقهه
الابتداع في الأخلاق
لا إسلام بدون حرية
إن الحرية التي تحدثنا عنها في المقالة السابقة يبقى قوامها ناقصا، وشكليا، إذا لم يدخل في تعريفها عنصر المسؤولية، إذ يصعب تصور الحرية من الناحية العملية وفي سياق اجتماعي ونظامي بعيدا عن المسؤولية، فكل حرٍّ هو بالضرورة مسؤول، أو على الأقل هكذا يجب أن يكون، وكل مسؤول هو بالأساس حر، ولا ينفصل أي منهما عن الآخر، فحيثما طُلبت الحرية طلبت معها وإلى جانبها المسؤولية، ومن ثم، ما يستوجب من الناحية الأخلاقية الحرية يستوجب ضرورة المسؤولية.
والمسؤولية – شأنها شأن الحرية – هي الأخرى خاصية ونزوع فطري، بحيث لا تكتمل إنسانية الإنسان ولا تستوي في غياب القدرة على تحمل المسؤولية، وتدل على ذلك شواهد وأدلة كثيرة من الطبيعة والعقل والشرع، أعلاها آيات القرآن وأوامره. ومن أوضح ذلك، وأدله قوله تعالى:
– ﴿ولا تكسبُ كلُّ نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾؛[1]
– وقوله عز وجل: ﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلَّ فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل﴾؛[2]
– وقوله: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا﴾؛[3]
– وقوله: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾؛[4]
– وقوله: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا﴾؛[5]
– وقوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدعُ مُثقلةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾؛[6]
– وقوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾؛[7]
– وقوله تعالى: ﴿ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون﴾؛[8]
– وقوله: ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأنَّ سعيه سوف يرى. ثم يُجزاهُ الجزاء الأوفى. وأن إلى ربك المنتهى﴾؛[9]
– وقوله: ﴿كلُّ نفس بما كسبت رهينة﴾؛[10]
والظاهر من خلال هذه الآيات أن المسؤولية في المفهوم القرآني لا تقتصر على ما هو ديني وعلاقة الإنسان الفرد بربه، سواء أحسن أو أساء بل تتعداه إلى ما هو دنيوي، فالله عز وجل وبصريح القرآن يحمل الإنسان مسؤولية الكون والحياة، ولا يفسح له المجال للتملّص من هذه المسؤولية، قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾، وقال أيضا: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾.
إن المسؤولية انطلاقا من الآيات السالفة – وهي بعض من كثير – هي قيمة أخلاقية حيوية، تحتل مكانة رفيعة ضمن منظومة قيم الإسلام، فَمَن عَدِمَها لنَقص في العمر، أو العقل، أو لسبب آخر، لا يصح إسلامه، ولا يكمل إيمانه، وتماشيا مع هذا، حَرِص القرآن الكريم على تذكير الإنسان بكينونته، وأنه مخلوق مسؤول يملك حرية التصرف في أفكاره ومواقفه وأفعاله..، وشجعه على ممارسة خصائص الجبلة هاته، وفي مقدمتها خاصية المسؤولية، وذَكَّره في الآن نفسه بتبعات تصرفاته، وأنه مسؤول عنها مسؤولية فردية.
وفي هذا السياق، واجه القرآن ثقافة اللامسؤولية أو أعراف المسؤولية الجماعية التي كانت متفشية في عصر ما قبل الإسلام، ورفع من طريق الإنسان كل العوائق المانعة من تحمله مسؤولية تصرفاته الفردية، ورفع بشكل خاص العوائق التاريخية التي ترجع للثقافة ونمط العيش، فقد كان الإنسان العربي في العصر الجاهلي لا يتحمل وحده مسؤولية تصرفاته خيرا كانت أو شرا، وعادة ما كانت تشاركه هذه المسؤولية القبيلة أو القرابة، والأمثلة على هذا الأمر من الفقه الجاهلي كثيرة، ولعل أبرزها ما ظهر في أحكام الدماء والديّات..، حيث أخذ التشريع الجاهلي بمبدأ انتقال المسؤولية من الفاعل إلى ذوي قرابته الأدْنِين، ثم الأبعدين، فالعشيرة أو القبيلة في حالة عدم التمكن من القِصاص، أي من أخذ الحق من الفاعل، وذلك بقانون العصبية، فالجماعة التي هي (القبيلة) تكون مسؤولة بعرف العصبية في النهاية عن كل عمل يقوم به أحد أفرادها، لارتباطها بـ (العصبية)، ويتحمل جميع أفرادها مسؤولية تصرفات المنتسبين إليها، ويُلزِمهم العُرف بأداء ما يقع على الفرد من حق في حالة امتناعه، أو عدم تمكنه هو أو ذوي قرابته من تنفيذ أداء الحق.[11]
ومما يفهم من بعض الآثار أن جذور ثقافة المسؤولية الجماعية (العصبية) أو اللامسؤولية قديمة في المجتمعات الشرقية، ولم تكن خاصة بالعرب، وقد حاولت الديانات السماوية إضعافها، ومنافستها باستعمال مبدأ المسؤولية الفردية، فقد ذكر الطبري في تفسيره أن نبي الله إبراهيم عليه السلام وجد الناس يأخذون الولِّي بالولِّي ولا ينظرون إلى الجاني، خاصة إذا كان من رتبة غير مكافئة للضحية، فعطل ذلك، وأقر مبدأ ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾، الذي يقتضي عدم مؤاخذة أحد بذَنْبِ غيره،[12] وبغض النظر عن صحة هذا الأثر فإن الظاهر من خلال تشديد القرآن على مبدأ «لا تزر وازرة وزر أخرى»، وإلحاحه عليه، كان بسبب رسوخ ثقافة اللامسؤولية (نعني المسؤولية غير الفردية). فالفرد مهما فعل في ظل ثقافة المسؤولية الجماعية يبقى غير مسؤول أو مسؤوليته مشتركة مع بني قومه.
وهكذا؛ إن المسؤولية الفردية التي أقرها القرآن، وألح عليها في آيات كثيرة – كما أوضحنا ذلك آنفا – تستمد روحها الأخلاقي من العدالة الإلهية التي أعلن مبادئها القرآن، فدعوة الإنسان إلى تَحَمُّل مسؤولية اختياراته وأفعاله، وصدور عدد من الأحكام التطبيقية لهذه الدعوة كانت فعلا ثوريا في السياق الثقافي والاجتماعي الذي أُعلنت فيه، حيث التعصب القبلي، ومظاهر اللامسؤولية أو المسؤولية الجماعية متفشية في كل مجالات الحياة، ومن ثم يعتبر تحمل المسؤولية الفردية من طرف المسلم فعلا أخلاقيا له أكثر من دليل من القرآن، وبالمقابل يعد التهرب من تحمل المسؤولية الفردية، والاختباء في الجماعة رذيلة أخلاقية مستقبحة.
وهكذا؛ فقد أيقظ القرآن وعي الإنسان، وذكره بخصائصه الفطرية والجبلية التي تناساها بفعل التحولات التاريخية والثقافية التي مر بها، وبفعل الانحرافات التي وقعت فيها البشرية، وفي مقدمة هذه الخصائص الفطرية التي ذَكَّر بها القرآن، وحثَّ على إحيائها خاصيتي الحرية والمسؤولية، فالناظر في تاريخ البشرية قبل الإسلام، وبصورة خاصة تاريخ العرب، يلحظ بسهولة علامات التشوه التي لحقت كيان الإنسان على هذا الصعيد، حيث تنازل الإنسان طوعا حينا، وكرها حينا آخر عن حريته، وفقد الشجاعة اللازمة لممارستها، وتبعا لهذا التنازل تهرب من تحمل مسؤولية أفعاله وتصرفاته.
لقد نهج الخطاب القرآني في علاقته بمخاطبيه – كما نبهنا إلى ذلك سابقا – نهجا تربويا مميزا، عمل من خلاله على استعادة الإنسان لهذه الخصائص الفطرية المفقودة في الكينونة الإنسانية كما تجلَّت في الزمن الجاهلي، وحفَّز المخاطبين بالرسالة على ممارسة الحرية وتحمل المسؤولية في الاختيار والتصرف، فإذا كان الله عز وجل من خلال رسوله أكد على ممارسة الإنسان للحرية والمسؤولية في أمر العقيدة، فإن ممارسة هذا الأمر في ما هو أقل درجة آكد، ولم يلجأ – بالمقابل – إلى أساليب الإكراه والاستبداد التي كانت متفشية زمن البعثة، وغير مُعابة. وكان من أثر هذا النهج التربوي – القائم على معرفة عميقة بطبيعة النفس الإنسانية – تَشَكُّل جيل من المسلمين مختلف في مقوماته الشخصية عن عرب الجاهلية، جيل حر ومسؤول.
إن كل الأبنية التي بناها الإسلام، وأظلها بظله الأخلاقي، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية.. راعت القيم الفطرية التي فطر الله عليها الإنسان، وعلى رأسها قيمتي الحرية والمسؤولية، فالقرآن الكريم كما يدركه جمهور المسلمين، لم يتحدث عن هيكل النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الصالح للمسلمين، ولم يخض في أحكامه وجزئياته، لكنه بالمقابل كشف عن المبادئ القيمية الكُلِّية التي يتوقف عليها صلاح أي شكل من أشكال نظام الجماعة سواء كان إسلاميا أو غير ذلك، وهي القيم التي تحترم فطرة الإنسان وكينونته، وأيَّمَا نظام اجتماعي أو سياسي ابتغى الصلاح والرضى بعيدا عن هذه القيم، وفي تعارض معها فلن يَصْلح، ولن يُفلح.
ولما كانت حياة النظام ونظام الحياة بصورة عامة يتمثل في شرعيات، وأشكال، ووسائل، وعلاقات.. تعبر عن نظام الجماعة الإنسانية، فإن هذه الشرعية والوسائل والأشكال..، إذا لم توافق الفطرة السليمة وترعاها، فإنها تفقد إنسانيتها من جهة، وتتجرد من كسائها الأخلاقي من جهة ثانية، وتعتبر قيمتي الحرية والمسؤولية من ثوابت هذه الفطرة وركائزها التي لا يصلح أي نظام حياة بدونهما.
لقد أدرك المسلمون الأوائل الذين نشأوا وترعرعوا على هدي القرآن هذه الصلة الوثيقة بين ممارسة الحرية والمسؤولية وبين الشرعية الأخلاقية لنظام الحياة في أبعاده كلها، الذي نشأ في المجال الاجتماعي الإسلامي، وظهر ذلك في عدد من السلوكات والمبادرات والأحداث التي شهدتها الجماعة الإسلامية بعد وفاة الرسول (ص)، فعلى سبيل المثال النقاش الحُرّ والمسؤول الذي احتضنته سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي (ص)، والذي انتهى بمبايعة أبي بكر الصديق خليفة، لم يعر موانع الحرية والمسؤولية وعوائقهما أدنى اهتمام، حيث هُمِشت عوامل القرابة والعصبية.. في هذه المفاوضة، وجَهر الناس بآرائهم دون خوف أو وجل، فوجدنا الأنساب متعارضة، والقرابة مختلفة… وإن المكانة الأخلاقية التي حظيت بها الشورى في الآداب الإسلامية، والهالة التي اكتسبتها في الخطاب التربوي الإسلامي، ترجع في العمق إلى قيمتي الحرية والمسؤولية، ففي غيابهما تستحيل الشورى والاستشارة.
ومن أشهر الآثار الدالة أيضا على الفهم التحرري للإسلام لدى الأوائل قصة ربعي بن عامر مع رستم في معركة القادسية في السنة 14هـ، فقد قال له بعدما استفسره عن رسالة الإسلام: «الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله»،[13] وهي قصة متواترة المعنى، وتوجد بألفاظ قريبة في سير رجال آخرين. ومما يذكر في هذا الباب قول عمر «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرار».
إن الشجاعة والإقدام التي تحلَّى بها أوائل المسلمين في علاقتهم ببعضهم البعض وفي علاقاتهم المختلفة من جهة، وعدم اكتراثهم بسوالب الحرية من عصبية وروابط القرابة.. من جهة ثانية، يرجع إلى التنشئة القرآنية الفريدة التي نشأ عليها أتباع الدين الجديد، والتي خولت لهم الخروج عن التقاليد المتوارثة في كثير من المجالات، وخاصة تلك المصادمة للفطرة.
وعموما حاول النظام الإسلامي الذي بناه المسلمون احترام قيم الحرية والمسؤولية..، واعترف للجماعة بحقها في ممارسة سيادتها إلى أبعد الحدود، وهو ما تجلى بصورة جلية في تجربة الراشدين، وبدرجة أقل في التجارب التي جاءت بعدهم، حيث ساهمت الأمة بشكل واسع في اختيار الخلفاء، وهو أمر استثنائي وغير مسبوق في هذه المرحلة من تاريخ الإنسانية، وتجلت أيضا في النظام القضائي الذي قطع مع كل أشكال التملص من المسؤولية، وأعفى الجماعة من كل الالتزامات التي كانت تلزمها بها الأعراف اتجاه المخطئين والمخالفين من أبنائها، وجعل المسؤولية فردية. وبالرغم من التفاوت في تطبيق هذه المبادئ بحسب الجهات وبحسب الفترات فإنها كحقائق نظرية مسنودة بالوحي لم تتأثر، ولا زالت إلى يومنا هذا.
إن قيمتي الحرية والمسؤولية – التي حث على ممارستهما القرآن باعتبارها معطيات الفطرة الإنسانية السليمة التي طالها النسيان وعلاها الغبار- هي قيم أخلاقية باعتبارها فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومراده في خلقه، فممارستها، والعيش بها، يحقق للإنسان كمال إنسانيته، التي فيها سعادته وطمأنينته. وتكتسب كل من الحرية والمسؤولية في ارتباطهما بالأفراد والجماعات أبعادهما الإصلاحية من ناحيتين: من خلال مساهمتها في إخراج خَلْقٍ جديد، وإطلاق دينامية إصلاحية تواقة للحرية ومتعطشة لممارستها، بل أكثر من ذلك مستعدة للتضحية وبذل النفس من أجلها؛ ومن خلال – أيضا – قوتها المعيارية، باعتبارهما (الحرية المسؤولية) معيارا لصلاح نظام الحياة وانسجامه مع الفطرة، فبحسبهما نظام الحياة الذي لا يحترم الحرية ولا يحث على تحمل المسؤولية هو نظام ناقص الشرعية الأخلاقية، ومناقض للفطرة.
[1] الأنعام، 166.
[2] يونس، 108.
[3] الإسراء، 36.
[4] الروم، 40.
[5] لقمان، 32.
[6] فاطر، 18.
[7] الشورى، 30.
[8] الجاثية، 21.
[9] النجم، 37- 41.
[10] المدثر، 38.
[11] جواد علي، المفصل في تاريخ العرب، ج. 5، م. س. ص. 488.
[12] الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ج. 22، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، منشورات هجر، القاهرة، ط. 1/ 2001، ص. 75.
[13] الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج. 3، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط. 2، ص. 520.



