في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» تحت عنوان: “Is This the American Suez?” (هل هذه هي السويس الأمريكية؟)، يقول المؤرخ الأمريكي فان غوس إن الحرب العبثية التي تشنها الولايات المتحدة اليوم تمثل لحظةً تاريخيةً فارقةً في تاريخها، تضاهي لحظة السويس التي شكّلت علامةً على أفول الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية عام 1956. فالولايات المتحدة تعاني اليوم إذلالًا فريدًا يُشبه ما عانته هاتان الدولتان قبل سبعين عامًا خلال أزمة السويس. وهو حدث لا يُذكر كثيرًا في الولايات المتحدة، لكنه كان بالغ الأهمية للعالم بأسره، إذ مثّل نهاية الإمبريالية الأوروبية التقليدية.[[1]]
وبعد أن قيّدت طهران اليوم قدرة الولايات المتحدة على ممارسة سلطانها بصورة منهجية، لم يعد ينكر تراجعها كقوة عظمى إلا من يدفن رأسه في الرمال. وما لم يكن المرء من أمثال ترامب وأتباعه، الذين يعتقدون أن التاريخ يتوقف عند شواطئ بلادهم، فإن سقوط الإمبراطورية الأمريكية أصبح حتميًا، عاجلًا أم آجلًا. فحتى قبل خمسين عامًا، حين كانت الولايات المتحدة تستعيد توازنها الاستراتيجي بعد كارثة فيتنام، كان من البديهي أنها لن تتمكن من استعادة الهيمنة التي تمتعت بها عام 1945، حين كانت تمتلك أغلبية القدرة الصناعية العالمية، واحتكارًا للسلاح النووي، والقوات البحرية والجوية الوحيدة القادرة على تغطية العالم بأسره، فضلًا عن الشرعية التي اكتسبتها من دحر الفاشية وإنشاء الأمم المتحدة.
ومع ذلك، ظل رؤساء، من أمثال بوش وكلينتون وأوباما، يشيدون بتفوق الولايات المتحدة خلال الفترة من عام 1991 إلى عام 2016. غير أن ذلك قد ولّى إلى غير رجعة؛ إذ تهاوت أسطورة القوة العظمى الوحيدة بفعل الطائرات الإيرانية المسيّرة الرخيصة، ولم يعد أحد يصدقها؛ لا الدول الخليجية التي تكفّل الأمريكيون بضمان أمنها، ولا الاتحاد الأوروبي الذي كان يستعد بحذر لاحتمال اندلاع حرب على غرينلاند، ولا أي طرف آخر في أي مكان.
وقد ظل غوس لسنوات طويلة يدرس كيف تفوقت الولايات المتحدة، خلال جيل واحد فقط، في الفترة بين عامي 1870 و1900، على بريطانيا العظمى، «مصنع العالم» الأسطوري آنذاك، في المؤشرات الرئيسة للقدرة الصناعية، مثل الفحم والحديد والصلب. ووجد أنه قبل عشرين عامًا، كانت الصين تتقدم بخطى متسارعة، ثم جاء عام 2010، حين تجاوز حجم اقتصادها الاقتصاد الأمريكي. واليوم، تتفوق الصين على منافسيها الثلاثة مجتمعين، الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، في الإنتاج الصناعي. ومع ذلك، كان الكاتب يتوقع تراجعًا تدريجيًا وطويل الأمد للنفوذ الأمريكي في هذا العالم الناشئ المتعدد الأقطاب، لأن الولايات المتحدة كانت لا تزال تمتلك القدر الأكبر من القوة.
ولكن الآن تبرز بقوة استعارة «السويس»، ومجازها المكثف. فهذه الكلمة لا تحمل أي دلالة خاصة للأمريكيين، لكنها تُعد في أوروبا، ولا سيما في المملكة المتحدة، استعارةً بالغة القوة، على غرار كلمة «فيتنام» في الوعي الأمريكي؛ فهي تختزل الخسارة والغطرسة والإذلال والفشل.
فقد مثّلت أزمة السويس نهاية الإمبريالية الأوروبية. ومنذ ذلك الحين، التزم البريطانيون بالموقف الأمريكي في جميع القضايا الكبرى. أما الفرنسيون، فقد سلكوا مسارًا مختلفًا؛ إذ عاد شارل ديغول إلى السلطة عام 1958، منهياً الجمهورية الرابعة، ثم تخلّى عن الإمبراطورية الرسمية، ومنح الاستقلال الرسمي لثلاث عشرة مستعمرة أفريقية عام 1960.
وفي ختام مقاله، يدعو غوس إلى إجبار صناع القرار في بلاده على الاعتراف بهذا الواقع الجديد، مشيرًا إلى أن ذلك سيفتح المجال أمام تبني سياسات خارجية وعسكرية جديدة تحظى بدعم الحزبين الرئيسيين في البلاد. ويرى أن أساس هذه السياسات ينبغي أن يقوم على الإقرار بأن الدول الأخرى قادرة على الدفاع عن نفسها، وستفعل ذلك، بل ينبغي لها أن تفعله. وعندئذ فقط سيغدو شعار «أمريكا أولًا» ذا معنى حقيقي، ولكن ليس بالمعنى الذي يطرحه اليمين المؤيد لترامب، أي العدوان غير المقيد بالمعاهدات والتحالفات، وإنما بالتركيز على الصالح العام في الداخل. فلا يمكن فصل السياسة الداخلية عن السياسة الخارجية.
ويضيف غوس أخيرًا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى «خطة مارشال» داخلية، في إشارة إلى المبادرة التي أطلقتها أمريكا عام 1948 لتقديم مساعدات لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك للخروج من فوضى البؤس التي يعاني منها كثيرون داخل البلاد، رغم الأرباح الفاحشة التي تجنيها قلة قليلة. ويؤكد في نهاية المطاف أن عقودًا من «الحروب الأبدية» لم تجعل بلاده أكثر أمنًا، وأنه ينبغي للولايات المتحدة اليوم أن تدعم بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، يقوم على مستوى غير مسبوق من التعاون الدولي.
[[1]]https://www.thenation.com/article/world/iran-war-american-decline-suez-crisis-us-foreign-policy-multipolar-world/



