(لا يزيد العلم المقدس عن كونه معرفة مقدسة تكمن في قلب كل وحي، وهو مركز تلك الدائرة التي تشمل التراث وتحدده. والسؤال الذي يطرح ذاته: كيف بالإمكان تحصيل هذه المعرفة؟ والجواب: إن التراث هو المصدر التوأم لهذه المعرفة، وهما الوحي والبصيرة، او الحدس البصيري الذي ينطوي على استنارة القلب وعقل الإنسان، وحضور معرفة ذات طبيعة آنية مباشرة فيه يمكن تذوقها ومباشرتها، وهي تلك (الحكميّة) التي يشير اليها التراث الاسلامي {المعرفة الحاضرة} [الكلمة الحاضرة]..
{سيد حسين نصر في كتابه المعرفة والمقدس [ص١٦٩]}
في ظل التحولات العالمية المتسارعة وتحت وطأة موجات الحداثة العالمية، تغيرت أشياء كثيرة داخل العالم الإسلامي، وكان يعتقد للوهلة الأولى أن العرفان الإسلامي والتصوف الإسلامي سيكونان بمعزلٍ عن أو بمنأى عن هذهِ التغيرات بوصفهما يمتلكان نظاماً معرفياً متماسكاً يحول او يمنع هذهِ التأثيرات أو على أقل تقدير يعيد امتصاصها وغربلتها، ومن ثم تكييفها وبما يتلاءم ومنظومتهما المعرفيتان. ولكن الذي حصلَ أننا أمام تحديات كبيرة طالت أمور كثيرة بخصوص العرفان والتصوف لا سيما من جهة الأجيال الشبابية:
أولاً: أصبحت المجتمعات في العالم الإسلامي تعيش في ثقافة استهلاكية لاحد لها، فضلاً عن طغيان الفردانية لدى أجيالها الشبابية الجديدة، وهذا ما انعكس سلباً على العرفان والتصوف بأن أصبحا يعدان يمثلان صوتاً غريباً أو نشازاً أمام عالم الماديات المهيمن هذا، تحت مظلة الحداثة والعولمة.
ثانياً: بعد اليأس والتجريب في ظل هذهِ الثقافة الاستهلاكية، وفي ظل ضياع البوصلة المعرفية الروحية والأخلاقية للجيل الجديد، جيل الحداثة والعولمة، كان يبحث عن متنفس او ملجأ من القلق الوجودي وحالة الفراغ المعنوي والروحي الذي يعيشونه، مما دفعهم نحو البحث او السعي حثيثاً نحو عالم روحي، ولكنه هذهِ المرة ليس الارتماء في أحضان التصوف والعرفان الإسلامي، إنما في أحضان الموجات الروحية الوافدة من الغرب، والتي هي روحانية /مشرقية و التي أعيد تمثلها ومن ثم إعادة إنتاجها داخل المنظومة الروحية الغربية، وذلك من تقنيات روحية تأملية أو ممارسات للروحانية البوذية والتاوية، فضلاً عمّا يعرف بعالم الطاقة ونحو ذلك، وهذا الأمر أفضى في المآل النهائي بطبيعة الحال إلى التعالي على الميراث الروحي الإسلامي والابتعاد عنه بنحو أو بأخر.
ثالثاً: إن قوة وهيمنة الإسلام الفقهي الذي ارتمى الكثير من المتحمسين له في أحضان السلفية الإسلامية، كان بمثابة إحدى العلامات الفارقة على التوجهات الدينية الأخرى أو النقيضة للمسألة التي ذكرها (لأولئك الذين يبحثون عن الروحانية بمصادر غربية حصراً)، وهذا يعني أننا أمام جيل أعيد توجيهه لاحقاً نحو العنف والجهادية الإسلامية تحت عنوان أو ذريعة أنه إسلام السلف الصالح، والذي يمثل محور الإسلام الأصيل، الذي يمكن أن يواجه الحداثة الغربية!
رابعاً: أمام كل هذا التفاوت بين الأجيال، يقف جيل من العرفانيين والصوفيين الذين مازالوا يمثلون ورثة (الإسلام الطرقي)، الطرق الصوفية، المغاربية أو في شمال افريقيا وبعض مدارس العرفان في المشرق، والذين يعدون بمثابة الأمناء والأوصياء على هذا الإرث، ولكنهم ما زالوا يمارسون ذات الخطاب الفلسفي التقليدي الذي يتحول عبر صيرورته الاجتماعية إلى خطاب اجتماعي (نخبوي مغلق).
على وفق ما تقدم نحن إذن إزاء أزمة جيلية حقيقية ينبغي لفت الانتباه اليها؛ والتي تمثلت في أربعة اجيال هي:
- جيل متماهي مع الغرب وحداثته بنحو المماثلة والمطابقة الكلية.
- جيل يعيش الروحانية الوافدة ظناً منه أنها الملاذ والخلاص الديني للأزمات الذاتية والموضوعية التي يعانيها.
- جيل يعتقد أن الأصولية الفقهية هي الهوية والذاكرة التي يمكن من خلالها مواجهة سائر التحديات، بل ومواجهة الغرب بشتى السبل.
- جيل عرفاني وصوفي يعيش عزلته وغربته في ظل عالم ما عادَ يعبأ كثيراً بالمنطق الروحي الخالص.
أمام هذهِ الأزمة الجيلية الحقيقية، نحتاج إلى منظور فلسفي واجتماعي يستطيع أن يقدم الحلول والمعالجات، بين مجالين مهمين هما:
- الإزاحة وإعادة إنتاج الخطابين الفلسفي والاجتماعي.
- ملء الفراغ السريع لمواجهة الأزمة الجيلية بنحو متبصر وحاذق.
إننا ازاء خطاب فلسفي نخبوي / عرفاني خاص بدوائر ضيقة للغاية، تشتغل عليه كتابة وتحليلاً وتدريساً، فضلاً عن منشغلين به على المستوى العملي، والذي لا يرشح إلا كتابات خاصة للتدليل وللإحاطة بالتجربة العرفانية / الفردية، ولكنها تظل كذلك في دائرة التذوق النخبوي والاهتمام الفردي الخاص للذين يولون العرفان أهمية في حياتهم الخاصة، ولكنها تظل ضمن دائرة اصطلاحية ومفاهيمية خاصة وليس بمقدور الجميع الحصول على مكنوناتها.
وإزاء هذا كله نحن ندور في دائرة واحدة مكررة وضيقة تحتكم للتجربة الفردانية تارةً، وإلى الخطاب الفلسفي الخاص بها تارةً أخرى من دون أن تصل إلى مساحة أوسع، أو تدخل ضمن النسق الثقافي للجميع، بل لا تعدو أن تكون لونا ثقافيا وفلسفيا خاصا ومنعزلا بل ومتعاليا بعلو خطابه العرفاني الذي هو بالضرورة خطاب فلسفي (مغلق).
ولعل هذا الأمر حاول الغربيون تداركه من جهة الفلسفة ذاتها، عبر تقديمها إلى جمهور واسع عبر تبسيطها وهذا ما حاولهُ مفكرون وكتاب كثر، حاولوا أن ينزلوا الفلسفة من دائرتها النخبوية، الانعزالية بالضرورة لانعزال مصطلحاتها وقضاياها عن الشأن الاجتماعي، ومن ثمّ تطويعها للشأن الاجتماعي بالقدر الميسر كما فعل لويس التوسير، وآخرون من فلاسفة تحدثوا عما يشار له أحياناً بـ (الحكمة العملية) أو التداوي بالتفلسف التي أصبحت ضمن ثقافة عربية كذلك، وهذا ما لمسناهُ في أعمال عربية خاصة.
إننا ندرك أن الأمر شاق وصعب للغاية من جهة الفلسفة ذاتها، فكيف يمكن أن يكون الأمر من جهة (العرفان النظري) على أقل تقدير إن لم نذهب نحو العرفان العملي، ولكن ما يدعونا إلى ذلك ويلح بنحو جلي، هو إشكالية (النخبوية العرفانية) من جهة وخطابها الفلسفي (الصعب)، ومن جهة أخرى التحديات المجتمعية الهائلة التي تدفع بنا للبحث عن عرفان نظري وتصوف إسلامي يكون بمثابة الواجهة الجديدة للإسلام الذي نبحث عنه ونريدهُ ونسعى إلى تقديمه.
ولعل التساؤل الأبرز الذي نطرحهُ هنا: كيف نستطيع أن نعيد تقديم الإسلام من منظورين عرفاني وصوفي بعيداً عن النسقية الفلسفية التي سورتهما بعيداً عن الجمهور والذائقة الفردية العادية والوالهة نحو البحث عن طريق (توحيدي خالص)؟
يمكن أن تتمظهر الإشكالات حول الخطاب الفلسفي للعرفان النظري حصراً (إذ التصوف الطرقي له جمهوره العام بنحو ما خصوصاً في الكثير من بلدان العالم، الإسلامي، وهذا بخلاف خصوصية العرفان على وجه أدق)، بالإشكالات الاتية:
- ان العرفان يمتلك مناخاً ثقافياً أرحب للقبول من التصوف على المستوى الاصطلاحي، وهذا جراء الحمولات السلبية التي لحقت بالأخير، ولكن (مأساة العرفان) تكمن في تعالي خطابه الفلسفي وصعوبته على أفراد كثر منهم المتعلمون كذلك!؟
- خصوصية التجربة الفردانية للعارف، وكيف يمكن أن تكون متماهية مع الشأن الاجتماعي، أي كيف يمكن تحويل نتاجاتها إلى تجربة جماعية بعيداً عن الصياغة الايديولوجية، بل تقديمها كخطاب معرفي ذي لون ثقافي خاص يمكن الاشتغال عليه منِ دون انغلاقية.
- يجب مواجهة الطعون التي لحقت بالعرفان وإعادة تقديم منظومة معرفية مبينّة للمغالطات الموجودة التي قال بها، على سبيل المثال لا الحصر، علي شريعتي في ثالوث العرفان، والذي اتهم العارف بالعطالة وانشغاله بنفسه فحسب، مثلما فعلَ محمد عابد الجابري كذلك، وهذا الأمر يحتاج إلى تبيان الوظائف الاجتماعية للعارف التي ضجت بها كتابات الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع، والذين كانوا بمثابة (مؤسسة) بديلة عن غياب الدولة في العالم الإسلامي، في ظل الصراعات وحالات الاستعمار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن انسحابية العارف الوقتية، كما يرى محمد إقبال، إنما انسحابية وقتية لأجل العودة للزمن الاجتماعي والمعايشة الكاملة له بكل أعبائه ومشاكله.
- نحن بحاجة إلى تقديم النماذج العرفانية بطريقة جديدة. إذ أن الأمر المتعارف عليه هو: إما أن تقدم بطريقة فلسفية عالية وإما أن تقدم بطريقة شعبوية. وهاتان الطريقتان بهما أخطاء فادحة وكبيرة، فالطريقة الفلسفية ستظل تدور في مناخ المقالات الفلسفية البعيدة عن متناول الفكر اليومي/ المعاش، والطريقة الشعبوية ستظل تدور في فلك الأوراد والأذكار والرغبة بإظهار العارف كساحر يغير العالم ويحدث المعاجز والكرامات، وهذا الأمر رفضهُ العرفاء والمتصوفة أنفسهم. وهذا الأمر يعني أننا امام حالة مبتذلة من نسخة يطلق عليها بـ (الإسلام الشعبي) تناولها الكثير من المستشرقين والأنثرويولوجيين بنحوٍ سلبي، على الرغم من وظائفيتها الاجتماعية المتعددة في الريف والواحات والصحاري. ولكنه نموذج سلبي مشوه من جهة تقديم العرفاء بأدوار (الشامانات) الدينيين المعالجين روحياً فحسب، من دون وظائف معرفية عالية.
وهذا الأمر يرتبط بالأعياد والاحتفالات الشعبية التي دانها حسن حنفي عندما تحدث عن المآلات السلبية للتصوف، ليس في مصر (الموالد) وحسب، بل في العالم الإسلامي، أذ أصبح التصوف ضمن دائرة (روحانية السوق) أو ما اصطلح عليه بعضهم بـ (إسلام السوق)، وهذا يعني أن المتصوفة والعرفاء كمراقد دينية أو كشخصيات متوفاة أو حية أصبحوا ضمن دائرة (السياحة الدينية) ليس إلا، وهذا الأمر لطالما أضر بالعرفاء والمتصوفة وفي كل بلدان العالم الإسلامي كما أحسب.
- نحن لدينا معارف، بل منظومة عرفانية متكاملة كميراث وكإنتاج مرحلي هائل، وليس هو المشكلة. إنما المشكلة في وسائل أو تقنيات تقديمه إلى الناس أو المجتمع، وكيف يمكن أن يصبح جزءا من المنظومة الثقافية، هو الأمر الأهم كما أحسب، وهذا يعني أننا إزاء أزمة الخطاب الفلسفي ذاته وصعوبته من جهة، ومن جهة منطق الابتسارات (التقطيع او التشويه) لتجارب العرفاء والمتاجرة بها عبر نسخ غير أصلية لم يرغبوا بها مطلقا.
- نحن بحاجة إلى إعادة النظر بصلات العرفان والتصوف بالفقه الإسلامي، من زاوية ترتيب العلاقة وإعادة موضعتهما بنحو عقلاني، وذلك لأن الموجود الآن في العالم الإسلامي هو النسخة الخاصة بما نستطيع ان نصطلح عليه بـ (الإسلام الفقهي) التي ابتلعت الإسلام برمته وسائر ميراثه الحضاري وصادرته، مما شجع على بروز السلفيات بنحو جلي لأنها تعتقد بامتلاكها الشرعية والمشروعية والمشروع لقيادة العالم الإسلامي، والتقدم نحو العالم الغربي!؟ ولعل انشغال الخطاب الفلسفي العرفاني بتقديم منظومته وتطويرها جعلته يخفق إخفاقاً كبيراً في بيان حدود الصلات والتداخلات مع (الشريعة)، إزاء انشغال الطرق الصوفية بـ (الطريقة) وبين الحدين تمظهرت (الحقيقة) بخطاب فرداني خاص لم يضبط او يسيطر على العلاقات مع الفقه من جهة ولا مع الطرق الصوفية من جهة أخرى، لاسيما عند ادعياء العرفان بوجه خاص.


