المقالات السابقة في سلسلة “مجاهدات في التجديد الديني“
ما الإسلام؟
نزول الإسلام في القرن 21م
مفهوم الشريعة بين الفقه والأخلاق: كلّكم فقيه، وكلكم مسؤول عن فقهه
تعتبر الأخلاق أحد الأبعاد المركزية في الإسلام، وهذا القول على العموم لا يحتاج إلى دليل، وواضح وضوح الشمس في كبد السماء كما يقال، غير أن الذي يحتاج إلى تدقيق وبيان في هذا السياق هو كيف يتصور المسلمون اليوم مفهوم الأخلاق؟ وهل فعلا تجسد حياة المسلمين مركزية الأخلاق في الإسلام. وسنحاول في الأسطر التالية مناقشة هذه المسألة بشكل مختصر.
إن مفهوم الأخلاق في الثقافة العربية مفهوم متشعب ومتحول من جهة، وتتقاطع عنده تأثيرات ثقافية خارجية متعددة من جهة ثانية، فهو ليس مفهوما أصيلا ونتاجا خالصا للثقافة العربية والإسلامية، بل كان لفظا ومفهوما متداولا قبل الإسلام. وباعتبار هذه الخاصية فإننا بحاجة – اليوم – إلى الوعي بهذا الغنى والامتداد في مفهوم الأخلاق الإسلامية، وتوظيفه بما يخدم غايات عصرنا. ومن مقتضيات هذا الوعي تتبع مفهوم الأخلاق في الثقافة العربية، وبيان أهميتها المركزية وسلطتها في المجال الديني.
يُعرِّف اللغويون العرب، وخاصة المتقدمون منهم: الخُلق بما طُبع عليه الإنسان، ويزيد بعضهم على هذا: «الخُلُق، والخليقة: الطبيعة»، وهو – عموما – تعريف قصير، وبسيط يعكس بساطة الحياة العربية قبل الإسلام والسنين الأولى من الإسلام. ويستمد هذا التعريف مادته من المصادر العربية الغميسة، وفي مقدمتها مدونات ونصوص الشعر الجاهلي، فالحديث عن الخلق والأخلاق باعتبارهما سجايا وطباع للإنسان حديث دارج ومألوف في النصوص العربية القديمة، حيث تدل معظم استعمالات مادة خَلَق في هذه النصوص على معاني الخير والفضل والمروءة.. التي تُظهر سجية الإنسان وطبعه، فعلى سبيل المثال يقول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد (ت. 550م أو 552م) في إحدى قصائده:
خالط الناس بخلق واسعٍ لا تكن كلبا على الناس تهرُّ
ويقول أبو العتاهية (ت. 210هـ) في قصيدة أخرى:
الرفقُ يبلغُ ما لا يبلــغ الخـــرقُ وقَلَّ في الناس من يصفو له خُلُقُ
لم يَفلـِقِ المرءُ عن رشدٍ فيتركه إلا دعـــاه إلى ما يَكْـــــرَه الفَلَـــــقُ
ويقول في قصيدة أخرى:
وَسِعِ الناس بخلقٍ حسنٍ لم يَضِق شئٌ على حسن الخُلُقِ
كل من لم تتســع أخلاقُــهُ بعدَ إحســــان إليـــه ينْسحــــِقِ
إن هذه الدلالة البسيطة التي تعكسها أقوال المتقدمين لن تبق على بساطتها مع اللغويين المتأخرين وذلك في اتساق مع خصوصية الرؤية العربية والتطورات الثقافية والفكرية التي عرفتها الحضارة الإسلامية في طور ازدهارها، حيث أمسى تعريف الخُلُق على النحو التالي: «الخُلُق.. هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولها أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بالصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة».
وكما هو واضح من هذا التعريف وبعد هذا التطور أمست الأخلاق بالإضافة إلى كونها مجموعة من السجايا والطباع، أمست آخذة بالاعتبار المعيارية الإسلامية التي تتعلق بها أحكام التقبيح والتحسين والثواب والعقاب، وهي دلالات جديدة أدخلها الإسلام على الوعي العربي. فالأخلاق الإسلامية بحسب هذا التعريف هي السجايا والطباع التي امتدحها الشرع وحسنها، والأخلاق السيئة هي التي ذمها واستقبحها..
وقد نشأت إلى جانب الدلالة اللغوية التي تحدثنا عنها آنفا دلالات أخرى لا تقل أهمية عنها، بل تَممتها وأضافت إليها معان لم تكن معروفة من قبل، وذلك في اتساق مع التطور الثقافي والحضاري الذي عرفه المسلمون، ولعل أقوى هذه الدلالات وأشدها بروزا الدلالة الفلسفية التي بلورها مجموعة من الحكماء والأخلاقيين المسلمين أمثال ابن مسكويه (ت. 421هـ) والماوردي (ت. 450هـ) والجرجاني (ت. 816هـ)..، حيث أمست الأخلاق ليست مُجردَ سجايا وحسب، وصورة للنَّفس تتسم بالسلبية، بل حزمة «غرائز كامنة، تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار»، أو «حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية»، أو «هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية…»، وهو ما جعل التهانوي (ت. 1158هـ) يرقى بها إلى مستوى الملكة في النفس.
والإضافة التي يضيفها هذا التعريف الفلسفي للأخلاق، هو أنها شكل من أشكال الجبرية، تصدر عن معطى ثابت أو هيئة في النفس تصدر عنها الأفعال أي الأخلاق بيسر وسهولة..
ومن ثم، واستنادا إلى هذا المنظور، لم تعد الأخلاق – كما يوحي بذلك التعريف اللغوي – ملكة طبيعية (جامدة وسلبية)، لا دخل للإرادة والعقل في تحصيلها وإنشائها، بل على العكس من ذلك أمست الأخلاق ملكة نشيطة وإيجابية، تنقسم بحسبها (أي الإرادة والعقل) إلى غريزية طُبع عليها الإنسان، ومكتسبة تطبَّع بها، فالإنسان – كما قال ابن مسكويه – مطبوع على قبول الخلق، بل ينتقل بالتأديب والمواعظ من خلق لآخر إما سريعا أو بطيئا.
إن أهم إضافة دلالية جاء بها المنظور الفلسفي للأخلاق هي أنها لم تعد مجرد أوصاف أو صورة في النفس، وقَدرا يمتنع عن التغيير، بل ارتقى بها إلى مستوى الملكة أو الهيئة التي تصدر بها وعنها الأوصاف والمعاني المسماة أخلاقية، والتي لها وجه صناعي، بحيث ترجع كثير من صفاتها ومعانيها إلى التدريب والتعود، وهو ما فسح المجال لظهور علم الأخلاق الذي يبحث في كيفيات وأصول التخلق، ومن أبرز من عبروا عن هذا المعنى في تعلقه بالسياسة الفقيه والحكيم الماوردي في «تسهيل النظر» حيث قال: «فحَقٌ على ذي الإمرة والسلطان أن يهتم بمراعاة أخلاقه، وإصلاح شيمه، لأنها آلة سلطانه، وأس إمرته، وليس يمكن صلاح جميعها بالتسليم إلى الطبيعة…، إلا أن يرتاض لها بالتقويم والتهذيب، رياضة تهذيب، وتدريج، وتأديب، فيستقيم له الجميع [بعضها] خلقٌ مطبوع، وبعضها خلقٌ مصنوع، لأن الخلق طبع وغريزة، والتخلق تطبع وتكلف».
وصفوة القول؛ إن مفهوم الأخلاق في المنظور الثقافي العربي كما حاولنا إجماله في الحديث السابق يطلق على معنيين رئيسين:
– على مجموع الأخلاق ومفرداتها: كالعدل والصدق والعفة والكرم والشجاعة..، ونواقضها كالظلم والكذب والجبن..، وتتجلى هذه الأوصاف في صورة أفعال مادية ملموسة كالإنفاق والمنع، والإقدام والفرار أمام العدو في الحرب.. وما لا يحصى من السلوك. وتلحق بهذه الأفعال أحكام قيمة من قبيل القبح والحسن؛
– وعلى الملكة أو الهيئة التي تصدر عنها الأخلاق والأوصاف، حيث تبدو هذه الأخيرة هي نتائج صناعية، ومكتسبة، تفسح المجال واسعا أمام الراغبين في التخلق، وتؤسس – أيضا – لعلم الأخلاق. بمعنى التخلق هو تطبع وتكلف ورياضة للنفس.
انطلاقا من هذا التعريف ما هي مكانة الأخلاق في الإسلام؟، وهل الصلة التي يقيمها المسلمون اليوم مع دينهم تعكس المكانة المركزية للأخلاق في الإسلام أم لا؟
تحدث القرآن الكريم عن الأخلاق والخلق باللفظ في موضعين فقط: الأول في سورة الشعراء قال تعالى: «إِنْ هذا إلا خلق الأولين» (الشعراء، 137)؛ والثاني في سورة القلم قال تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» (القلم، 4). وتحدث في أعيانها وأمثلتها من عفو وكرم وحلم ورحمة وعدل وصدق.. إلخ في الكثير من الآيات الأخرى.
ويرجع معنى الأخلاق في الآية الأولى إلى دلالتين مختلفتين، فبعض المفسرين ومنهم مجاهد (ت. 104هـ) فسرها بالكذب، بينما البعض الآخر فسرها بالدين. ومهما اختلفت التفاسير في معنى الخلق في هذا السياق القرآني فإنها تشترك في الإشارة إلى أنه مرجعية كاذبة، وتنفي عنه أي وصف إيجابي، ولا يحتفي بفضيلة.
ولم يختلف معنى الخلق في الآية الثانية، آية سورة القلم عن المعنى السالف إلا من جهة إيجابيته فقط، فالخلق في قوله تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم»، تم تفسيره بكونه هو الدين منظورا إليه من جهة السلوك أو الظاهر، ومما جاء في تفسيرها:
«على خُلُقٍ، على دينٍ عظيم من الأديان، ليس دين أحبّ إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه [أي الإسلام]. وفي صحيح مسلم عن عائشة: أن خُلُقه كان القرآن. وقال عليّ رضي الله عنه وعَطِيّة: هو أدب القرآن. وقيل: هو رِفْقه بأمّته وإكرامُه إيّاهم. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهى عنه مما نهى الله عنه. وقيل: أي إنك على طبع كريم. وحقيقة الخُلُق في هذا السياق: هو ما يَأخُذ به الإنسانُ نفسَه من الأدب يُسَمَّى خُلُقاً؛ «(تفسير القرطبي).
أما في السنّة فقد كان حظ وحجم الأخلاق أكبر، ومن جملة ما جاء فيها:
– ما رواه الترمذي والإمام أحمد في سننهما عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا؛
– وروى الإمام مَالِك في هذا الباب – أيضا – أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ؛
– روى الإمام أحمد عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ، وهذا الحديث رواه كثير من المحدثين بصيغ مختلفة بعضهم رواه بلفظ صالح الأخلاق والبعض الآخر بمكارم الأخلاق؛
– وروى البيهقي في سننه: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَمَعَالِيَ الأَخْلاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا؛
– وجاء في الأثر عن النبي (ص) أن من أفضل أخلاق أهل الدنيا: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك..
واستحضارا لكل هذه المعاني التي جاء بها القرآن أو السنّة في مجال الأخلاق يمكن القول، أن الدين والأخلاق في المنظور الإسلامي توءمان لا ينفصلان، ولا وجود لأحدهما بدون الآخر، فلا إيمان لمن لا أخلاق له، ولا أخلاق لمن لا إيمان له.
ونظرا لهذه المكانة فقد اجتهد العقل الإسلامي في بناء علم الأخلاق، وبيان الرياضات النفسية أو الروحية التي يحصل بها التخلق، وتكتسب بها المحامد. وقد اعتنى الفلاسفة والمتصوفة وغيرهما كل من جهته ببناء الصرح الأخلاقي الإسلامي وأفادوا في هذا الباب من المعارف والحضارات التي انفتحوا عليها شرقا وغربا.
وتجدر الإشارة في هذا السياق أن المكارم والمحامد والصالح من الأخلاق في الإطار الإسلامي ليس توقيفيا، محدودا، ومعلوما، بل هو مفتوح على الاجتهاد، وقابل للتكيف مع الأحوال والظروف بحسب الحاجات فأصلها الذي لا يتغير والمرجع الذي عنه تصدر هو الخير والصلاح، الذي يتلون بحسب الأحوال، ويمكن أن نولد عنه عشرات التصرفات والسلوكات الأخلاقية بما يناسب الوقت.
فالمتقدمون وهم يؤلفون في الأخلاق ويكتبون في بابها لم يكونوا مجرد نقلة ورواة لجملة أخلاق الدين، بل كانوا في كثير من الحالات مبدعين يمتدحون أخلاق الخير والصلاح ولو لم يرد فيها نص أو أثر، ويدعون إلى أخلاق لم يرد فيها نص أو أثر، استنادا إلى الأصل وهو الخير.
ومن أبرز وأهم كتب المتقدمين في هذا المجال والتي يظهر فيها هذا الإبداع الأخلاقي وبحسب متطلبات وحاجات البيئة كتاب “مكارم الأخلاق” لابن أبي الدنيا (ت. 281هـ) وكتاب “مكارم الأخلاق” للطبراني (ت. 360هـ)، فهذين الرجلين أحاطا بسائر الأخلاق التي كان يحتاجها زمانهم وبينوها وحثوا الناس على التخلق بها ومن هذه الأخلاق: الحياء، والصدق، والشجاعة، والصبر، وبر الوالدين، والأمانة، والإحسان إلى الجار، والتكفل بالأيتام، والرفق، والحلم.. إلخ.
إننا اليوم، وبالنظر إلى وضعنا الأخلاقي وبالنظر إلى مكانة الأخلاق في الإسلام إلى درجة اعتبرها كثيرون أنها الدين كله، نحن بحاجة ماسة إلى أخلاقيين يعيدون الاعتبار لأخلاق الإسلام أخلاق الدين في حياتنا نظرا وممارسة، نحن بحاجة إلى أخلاقيين مبدعين يولدون أخلاقا جديدة تناسب حاجات عصرنا وواقعنا.
ومن هذه الأخلاق الحديثة التي بحاجة إلى استدلال ومزيد بيان: التضامن والتكافل، والتعاون، والإغاثة، والمساعدة، والاعتدال، والعفة، والنفقة على العلم والتعليم، والتكفل بالأطفال المتخلى عنهم، وأطفال الأمهات العازبات، والأمهات العازبات، والعناية بالمشردين والمختلين…
نحن بحاجة ماسة إلى تجديد علم الأخلاق، ورياضة النفس وتهذيبها، حتى تأتي الخير والفضيلة عن طواعية ودون إكراه…
ومن جميل القول في هذا الباب الدال على مكانة الأخلاق وسلطتها المرجعية في الإسلام، ما خطه العالم الكبير محمد عبد الله درَاز في “دستور الأخلاق في القرآن”، حيث قال: أن المرحلة المكية كلها كانت مرحلة تثبيت الإيمان ووضع القواعد العامة للسلوك والتي هي بالأساس قواعد ومبادئ أخلاقية، وأن ما سوى تعاليم الصلاة والمعاش جاء تطبيقا لهذه المبادئ والقواعد المكية على مشكلات الحياة، والتي كلها نزلت وجاءت بالمدينة.
فالمرحلة المكية بحسب قوله رحمه الله كانت في مجموعها نوعا من الإعداد، ولكن التطبيقات المقدرة والمحددة لهذه المبادئ قد توزعت بصورة متفاوتة على عشر سنوات بالمدينة.. وكأننا به رحمه الله يقول إن الأصل والمبدأ هو الكليات الأخلاقية التي نزلت وتعرف عليها الناس بمكة، وأن فقهياتها وتشريعاتها تأخرت إلى مرحلة المدينة.
وصفوة القول؛ إن الإسلام على عظمته، وعِظم مكانة الأخلاق في مفهومه، فإنه بحاجة إلى اجتهاد أخلاقي يملأ الفراغات التي أحدثها تبدل الزمان وتحول العمران من جهة، وعجز الأخلاقيات التقليدية عن الوفاء بالحاجات الجديدة من جهة ثانية، وهو ما يحتاج إلى اجتهاد وقدرة مبدعة على التوليد شبيهة بالقدرة التي امتاز بها ابن أبي الدنيا والطبري.. وغيرهما.



