الدكتور وائل حلاق
ترجمة مختصرة
عام 1984، نشر الدكتور وائل حلاق بـ “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط” الصادرة عن جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية (عدد رقم1، مارس \ آذار من ذلك العام)، دراسة بعنوان: Was the Gate of Ijtihad Closed?” [[1]]” (هل أغلق باب الاجتهاد؟)، تتحرى دراسة حلاق بشكل تفصيلي متى نشأت فرضية غلق باب الاجتهاد. وتُقدم تحليلا دقيقا للتاريخ الفقهي الإسلامي، يسعى الأخير من خلاله إلى الإجابة عن سؤال: هل كانت تلك الفرضية صحيحة أم لا؟
في مقدمة دراسته يشير حلاق إلى أن العديد من العلماء المعاصرين يفترضون أن نشاط الاجتهاد قد توقف عند نهاية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. ويقول إن الدراسة المنهجية والترتيب الزمني للمصادر الفقهية الأصلية يكشفان أن تلك الآراء غير دقيقة ولا أساس لها من الصحة.
السؤال الذي قد يُطرح في هذا السياق هو: كيف انتشر الاعتقاد لاحقًا بأن باب الاجتهاد قد أغلق؟ يجيب حلاق أنه يفترض.. أن الاجتهاد قد توقف، كون المؤهلات المطلوبة لممارسته صارمة وعالٍية للغاية على نحو أصبح من المستحيل تحقيقه. ويقول إنه يمكن دحض هذا الافتراض من خلال فحص مؤلفات الفقهاء حول هذا الموضوع. وأن عرض الشروط الواجبة لممارسة الاجتهاد، يثبت أنه على عكس الرأي السائد في كثير من الأحيان، كان من السهل نسبيًا تلبية تلك الشروط، وقد سهّل هذا في الحقيقة من نشاط الاجتهاد بحسبه أكثر مما أعاقه. علاوة على ذلك، فإن تلك الشروط المنظمة تعزز من اختبار صحة فرضيته حول العلاقة بين “أصول الفقه” الذي ظل الاجتهاد فيه أمراً واجبًا وثابتاً وبين الممارسة الفعلية لفقهاء المسلمين. ويشير إلى أنه عبر التحليل الزمني للأدبيات ذات الصلة بالموضوع التي تبدأ منذ القرن الرابع هـ / العاشر مـ وما بعده، سيتضح أمامنا أن قدرة الفقهاء المسلمين على الاجتهاد كانت قائمة في جميع القرون تقريبًا؛ وأنه تمت الاستفادة من الاجتهاد في تطوير أحكام الفقه بعد تشكل المذاهب الرئيسية.
يشير حلاق إلى أن الاتجاهات التي عارضت الاجتهاد أو أدانت مبدأ القياس – الذي يشكل العمود الفقري لـ الاجتهاد، مثل المدرسة الظاهرية تمّ استبعادها بوجه عام طيلة القرون الثالث والرابع والخامس الهجرية. ويقول إنه حتى النصف الأول من القرن الرابع الهجري، ظلت مدرسة داود الظاهري مذهبا سنيا مثل المذاهب الأخرى المعروفة (الحنفية، والمالكية..الخ)، ولكن عندما تشكلت النظرية الفقهية (علم أصول الفقه) داخل المذهب السني، انزلقت المدرسة الظاهرية تدريجيا خارج الجسد الرئيسي لأهل السنة. وكان هذا واضحًا في حياة أحد أكثر المدافعين حماسةً عن الظاهرية، ألا وهو ابن حزم الأندلسي، الذي أجبر على الفرار من بلاده بسبب آرائه.
يشير حلاق إلى أن رأس حربة النظرية الفقهية (أصول الفقه) وممثليها هم الشافعية والحنفية بشكل رئيسي. ويقول إن المذهب الحنبلي وضع نفسه لاحقًا تحت قواعد هذه النظرية التي ثبت أنها النظرية الأكثر تفضيلاً لدى الجسد الرئيسي من المذهب السني. ويقول إنه بعد فترة طويلة من الصراعات، كان على المذهب الحنبلي أن يتبنى السمات الرئيسية للنظرية الفقهية (أصول الفقه) التي تضمنت قبول القياس كمصدر أساسي للتشريع.
بفحص كتابات الفقهاء بعد القرن الثالث هـ / التاسع مـ، كما يشير حلاق، سنجد أن الاجتهاد كان يمارس دون انقطاع. إلا أن استنفاد جميع الوسائل المنهجية واشتقاق كل المسائل الممكنة أدى إلى عدم وجود أي فسحة لنشوء مدرسة أو مذهب فقهي إضافي، لكن الفقهاء مثل ابن عبد البر المتوفى عام (463 هـ/1070 مـ) كانوا يدركون جيدا حقيقة أن المسائل الفقهية المستحدثة لا حصر لها، وأن الشريعة الإسلامية يجب أن تكون قادرة دومًا على أن تتعامل مع قضايا (نوازل) جديدة، وأن الطريقة الوحيدة أمام الفقيه للتعامل مع تلك المسائل وغيرها هو إتقان علم الأصول والقياس والاجتهاد.
يذهب حلاق إلى أن الاجتهاد كان أمرًا لا غنى عنه أيضًا للمؤسسة السياسية التي لعب فيها العلماء دورًا بارزًا كما يظهر من مناقشات القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي حول شروط الإمامة الكبرى (الخلافة)، التي ذهب عدد من العلماء مثل عبد القاهر البغدادي المتوفى (429/1037) والماوردي صاحب كتاب “الأحكام السلطانية”، إلى أن القدرة على الاجتهاد أحد الشروط التي يجب أن يتمتع بها الإمام (أو الخليفة). يشير حلاق إلى أن الإمام الجويني المتوفى عام (478 هـ/ 1085 مـ) ألف أيضًا أطروحة في السياسية الشرعية موجهة إلى الوزير نظام الملك، ذهب خلالها الجويني إلى أن الاجتهاد يجب أن يكون شرطا مسبقًا لتولي الإمامة، وأنه إذا كان الإمام مقلدًا، فإن ذلك يستوجب عليه أن يأخذ رأي الفقهاء.
يقول حلاق إن الإمام أبو حامد الغزالي تلميذ الجويني اتجه في خطوة ثانية نحو قبول العجز الفقهي لمؤسسة الخلافة بالتخلي عن شرط الاجتهاد لتولي الإمامة في مواجهة الحقيقة الراسخة التي تفيد أن الخلفاء في تلك المرحلة أصبحوا من غير المجتهدين.
رغم العجز الفقهي للخلفاء، استمر الفكر الفقهي في التطور في القرن الخامس ه / الحادي عشر مـ كما يشير حلاق من خلال أئمة وفقهاء بارزين مثل الجويني والغزالي وابن عقيل الذين لم يعارضوا هم وغيرهم التقليد لصالح الاجتهاد فحسب، بل قدموا أنفسهم أيضًا كمجتهدين مقبولين من عامة المسلمين. ويؤكد حلاق على أن الجويني كان فقيهًا مبدعًا بشكل ملحوظ ومجتهدًا من أعلى الكفاءات، وأنه من العدل أن نقول إن جزءًا من إبداع الغزالي الذي نال الكثير من الثناء بسببه يمكن أن يُنسب إلى هذا المعلم البارز، لكن هذا لا يعني بالضرورة -بحسب حلاق- التقليل من أهمية مساهمة الغزالي الفكرية بأي حال من الأحوال.
يشير حلاق إلى أن هناك مئات من الفتاوى الجديدة وغير التقليدية التي سجلت في المصنفات الفقهية، الغالبية العظمى منها تعود إلى القرن الرابع الهجري وما بعده، الشيء الذي يشير إلى مدى حرية الفقهاء في القرون اللاحقة في التعبير عن آرائهم التي اختلفت عن رأي السلف. ويؤكد حلاق على أن المذهب الحنبلي الذي تأسس قبل نهاية القرن الثالث ه / بداية القرن العاشر مـ، لم يصل إلى أقصى درجات الصقل، إلا في بداية القرن السابع هـ / الثالث عشر مـ، وأنه حتى المذاهب الأقدم مثل المذهب الحنفي، خضعت خلال القرنين الخامس هـ/ الحادي عشر مـ والسادس هـ / الثاني عشر مـ ، إلى مستويات غير مسبوقة من الصقل؛ ويشير إلى أنه في ضوء ما سبق لا نجد خلال الخمس قرون الهجرية الأولى ذكرا لعبارة “غلق باب الاجتهاد” أو أي تعبير قد يلمح إلى تلك الفكرة التي لم تخطر ببال أي من المسلمين، حيث ظل نشاط الاجتهاد دون انقطاع على الصعيدين العملي والنظري، ويقول إن تلك العبارة ظهرت لأول مرة في أواخر القرن الخامس هـ / الحادي عشر مـ (والأرجح في بداية السادس / الثاني عشر).
ويؤكد حلاق على أنه لم يطالب أحد في أي وقت، بتعليق ممارسة الاجتهاد، ويشير إلى أنه إذا ما انخفض معدل هذه الممارسة أو توقفت بشكل دائم، فإنه لا يجب إلقاء اللوم على مبدأ الاجتهاد نفسه لأن هذا الانخفاض يمكن أن ينجم فقط عن المجتهدين، وأن الاجتهاد يتوقف فقط عندما يتراجع الفقهاء عن ممارسته، وأن الاجتهاد ظل “فرض كفاية” وبالتالي بقيت فرضية غياب المجتهدين هي الفرضية الوحيدة، وأن تلك بالضبط هي الطريقة التي فكر بها المسلمون في هذا الأمر.
ويقول حلاق إنه خلال فترة حكم السلاجقة، وبشكل أكثر تحديدًا في نهاية القرن الخامس / الحادي عشر أو بداية السادس / الثاني عشر، ومن خلال فحص شامل للأدبيات الفقهية في القرن الخامس / الحادي عشر بما في ذلك الأعمال الأصلية للقاضي عبد الجبار وأبو حسين البصري والبغدادي والشيرازي والجويني والسرخسي والبزدوي والغزالي لا نجد أي معلومات تتصل بشكل مباشر أو غير مباشر بفكرة إغلاق باب الاجتهاد. ويشير حلاق إلى أن المُؤلف الذي تظهر هذه المناقشة لأول مرة في أعماله في التاريخ الإسلامي هو الفقيه ورجل الدين الحنبلي اللامع ابن عقيل صاحب كتاب “الفنون”، إلا أنه يشير أيضًا إلى أن فقهاء القرن الخامس هـ / الحادي عشر مـ، بما فيهم ابن عقيل، أكدوا أن مجتهدًا واحدًا على الأقل في كل عصر، يجب أن يقوم بمهمة الإفتاء ويكون دليلاً للمفتين الأقل تأهيلاً.
ويخلص حلاق إلى أن أحد أهم العناصر التي ساهمت بشكل كبير في تعميق الجدل الناشئ حول قضية التقليد والاجتهاد هو سوء استخدام أو سوء فهم المصطلحات الفقهية جراء عدم وجود قاموس فني/تقني مشترك يستخدمه الفقهاء. وأنه على الرغم من أن بعض الفقهاء حاولوا تحديد المصطلحات المستخدمة، فقذ ظل المجتهدون في حيرة من أمرهم، وأنه مع مرور الوقت، زادت درجة الارتباك بشكل مطرد في الأدبيات الفقهية حول مراتب الاجتهاد المتعددة.
وفي مطلع القرن السابع / الثالث عشر لاحظ الفقيه الشافعي “أبو القاسم الرافعي القزويني” (623/1226) أن المسلمين متفقون على أنه لا يوجد مجتهدون في الوقت الحاضر. ويشير حلاق إلى أنه لا يمكن معرفة ما كان يقصد الرافعي بالضبط بـ”المجتهدين” عبر المعلومات الشحيحة التي وصلتنا منه، ولكن من المرجح جدًا بحسبه أنه يقصد مرتبة “المجتهدين المستقلين” الذين يمكنهم تدشين مذاهب فقهية. ويقول إنه من الصعب أن نفترض أن الرافعي كان يعني المراتب الأدنى في الاجتهاد لأن هذا الافتراض يتعارض مع واقع عصره، فخلال حياة الرافعي وبعده، تم الاعتراف بالعديد من الفقهاء كمجتهدين داخل مذاهبهم، بما في ذلك الرافعي نفسه، بل وعلاوة على ذلك، نظر مجموعة من العلماء إلى الرافعي على أنه مجدد القرن السادس هـ / الثاني عشر مـ.
يشير حلاق إلى أنه حتى نهاية القرن الثامن / الرابع عشر، لم ترتفع أصوات لإدانة المجتهدين عند مباشرتهم الاجتهاد داخل حدود مذاهبهم، لكن مع مرور الوقت، اكتسبت عقيدة التقليد دعما حقيقيا ومطردا من جمهور الفقهاء. وأدى هذا الدعم إلى تشكل حركة قوية عبرت عن نفسها لاحقا على امتداد قرن ونصف.
ويؤكد حلاق على أن المجددين ظهروا مرة واحدة على الأقل كل قرن، وأنه في بعض الأحيان لوحظ أن هناك أكثر من مجدد في قرن واحد. ويشير إلى أنه يمكن اعتبار السيوطي آخر مجتهد سني رئيسي في سلسلة المجتهدين في القرن التاسع، وأن بعد وفاته كان هناك انخفاض كبير في عدد الفقهاء المرموقين الذين تمتعوا بأهلية الاجتهاد.
ويشير حلاق إلى أن فترة القرن العاشر هـ / السادس عشر مـ والقرن الحادي عشر / السابع عشر أنتجت عددًا من الأسئلة الفقهية الجديدة الضرورية للحياة الاقتصادية والاجتماعية في الإمبراطورية العثمانية، مثل قضية وقف المنقولات ولاسيما الأموال النقدية، ومسائل أخرى عن البن، والمخدرات، والتبغ، والموسيقى، وغير ذلك من الأمور التي تم تناولها من قبل العديد من الفقهاء الذين لم يكونوا معروفين بصفتهم مجتهدين، مضيفا أن هؤلاء الفقهاء لجؤوا إلى الاستدلال لا التقليد دون أدنى تردد. ويعقب قائلاً بأن المشاكل الناشئة حديثا كانت حتمية حتى في مجتمع يتطور ببطء، وكان الاجتهاد السبيل الوحيد الذي من خلاله تم حلّ مثل تلك المشاكل؛ لذلك استمر تطبيق منهجية الاجتهاد في الممارسة العملية دون أن وصفه باسمه الصريح في الغالب.
وخلال تلك الفترة تصاعدت شراسة مؤلفي الأعمال المناهضة للتقليد وفق حلاق، ليس فقط ضد أولئك الذين زعموا أن المجتهدين قد زالوا، وأنه تم إغلاق باب الاجتهاد، ولكن أيضًا ضد جوهر فكرة التقليد التي أصبحت ممارسة راسخة الجذور. ويشير إلى أن أبرز هؤلاء المؤلفين هم: شاه ولي الله دهلوي (توفى 1176/1762)، ابن عبد الوهاب (توفى 1202/1787)، ابن معمر (توفى 1225/1810)، الشوكاني (توفى 1255 / 1839)، والسنوسي (توفى 1313/1895). ويتوقف حلاق في هذا السياق عند الشوكاني، ويقول: إن كتاباته لا تمثل فقط الاتجاه السني الكلاسيكي المؤيد للاجتهاد، بل تمثل أيضا أعلى مرحلة بلغ إليها الجدل بين دعاة الاجتهاد والتقليد، فالشوكاني كان يمقت التقليد الأعمى للعلماء، وقد أسف لشيوع ممارسة التقليد، ولأن أي محاولة للاجتهاد كانت تقابل بالمقاومة والإدانة بل والتشهير العلني. وردًا على أولئك الذين زعموا زوال المجتهدين وغلق باب الاجتهاد بعد القرنين السادس هـ/ الثاني عشر مـ والسابع هـ / الثالث عشر مـ، ألف الشوكاني كتابا للسير الذاتية من مجلدين بعنوان ” البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع” استطاع من خلاله أن يبيّن استمرار وجود المجتهدين بعد القرن السابع الهجري، وكانت تلك حجة مضادة منه بحسب حلاق ضد المقلدين الذين برروا تقليدهم على أساس صعوبة وتعقيد الاجتهاد.
وفي ختام دراسته، يخلص حلاق إلى استنتاج مفاده: أن الاجتهاد في نظرية الفقه الإسلامي ظل أمرًا لا غني عنه، وأن فكرة إغلاق باب الاجتهاد أو فكرة زوال المجتهدين لم تظهر خلال القرون الإسلامية الخمسة الأولى، وأن النقاش حول الاجتهاد وزوال المجتهدين، بدأ فقط في شكله البدائي في بداية القرن السادس هـ/ الثاني عشر مـ، ولم يصل مستوى الإجماع في أي مرحلة من المراحل. وأن استمرارية الاجتهاد عبر التاريخ الإسلامي تشير إلى وجود تطورات في الفقه الإسلامي وعلم أصول الفقه وفي القضاء قد حدثت بالفعل رغم كل دعاوى الجمود ومزاعم غلق باب الاجتهاد، وهو الأمر الذي يمكن تتبعه فقط عبر دراسة كرونولوجية (متسلسلة زمنيًا) لكتابات الفقهاء، التي ستساعدنا في إعادة بناء صورة أكثر دقة للتاريخ الفقهي للإسلام.
[[1]] https://www.semanticscholar.org/paper/Was-the-Gate-of-Ijtihad-Closed-Hallaq/6bdc232704cd949c957327e23fa6676645481b29




عام 1984، نشر الدكتور وائل حلاق بـ “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط” الصادرة عن جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية (عدد رقم1، مارس \ آذار من ذلك العام)، دراسة بعنوان: Was the Gate of Ijtihad Closed?” [[1]]” (هل أغلق باب الاجتهاد؟)، تتحرى
Departement of Sharia
Departamento de Sharia
https://www.univ-msila.dz/site/shs-ar/
https://www.univ-msila.dz/site/shs/