في مقاله المنشور مؤخرًا بمجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان «Why Afghanistan’s Tribes Beat the United States»: (لماذا تغلبت القبائل الأفغانية على الولايات المتحدة) يقول جيريمي سوري أستاذ قسم التاريخ بالجامعة وكلية ليندون بي. جونسون للشؤون العامة بالوليات المتحدة: إن «الانهيار السريع للدولة التي بنتها الولايات المتحدة في أفغانستان هو تذكير مؤثر بأن الدول ليست الشكل الوحيد للتنظيم السياسي»، لاسيما مع توافر الأدلة على انهيار “الدولة” في الجنوب العالمي خلال العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين. [[1]]
يشير سوري إلى أن كتاب البروفسور سوميت غوها (مؤرخ من جنوب آسيا ذو توجه اشتراكي) المعنون: «Tribe and State in Asia Through Twenty-Five Centuries» (القبيلة والدولة في آسيا خلال خمسة وعشرين قرناً) يقدم سياقًا حاسمًا لفهم أحد أقوى أشكال التنظيم السياسي الذي يضغط على الدول ألا وهو القبيلة.
ينقل سوري عن غوها حديثه عما يُطلق عليه الأخير “البيئة السياسية للحياة القبلية”. ويقول: إن المناخ والتضاريس يوفِّران الأسباب لقيام أشكال رعوية لامركزية من التنظيم الاجتماعي على حواف الإمبراطوريات والدول، حيث تعيش تلك المجموعات في هذه المناطق معتمدة على شبكات القرابة وعلى التكيف مع الأرض. ولذلك باستطاعتهم مقاومة الغزاة الأقوياء، والتأقلم على نحو خلاق مع التغييرات الأوسع من حولهم في السياسة والاقتصاد. ويقول سوري إن إظهار أن القبائل ليست مجرد بقايا أثرية لماض ضائع بل هي تكيُّفات ديناميكية وحديثة للتهديدات في عالمنا المعاصر هي واحدة من أهم أفكار سوميت غوها.
يقدم غوها بحسب سوري مسحًا رائعًا لأمثلة عدة عبر القارة الآسيوية منها: قبائل وادي سوات في باكستان، الأقليات العرقية في الصين، القبائل في الهند. التي استجابت كل منها للدول القوية من حولها بطرق أعادت تشكيل هوية قبائلها لغرض البقاء. ففي الهند، على سبيل المثال، استخدمت قبائل مختلفة النظام الديمقراطي الهندي للمطالبة بحصص في الوظائف الحكومية والتوظيف الجامعي. من جهة أخرى قاومت القبائل في باكستان المجاورة للهند الدولة ودعمت الجماعات شبه العسكرية العابرة للحدود مثل طالبان التي تعد ثمرة حديثة للقبلية في تلك المنطقة من العالم.
يشير سوري إلى أن غوها ينتقد الطريقة التي يتحدث بها الأكاديميون والصحفيون وصناع السياسات عن القبائل، عبر وصفها بعبارات ثابتة، مشحونة بافتراضات شبه حتميه تسمها بالدونية الثقافية والتقيد بالتقاليد. ويقول إنه بينما تحاول الدول القوية فرض أهدافها، تقاوم القبائل، وتتكيف مع التحولات ببراعة ملحوظة، ويشير إلى أن هذه الديناميكية القبلية تطورت طوال عقدين من الزمن في أفغانستان، وختمت بنهاية عنيفة للغاية.
ينقل سوري عن غوها كلامه كذلك عن تأثير تقنيات الاتصال المشجع لمثل تلك البيئة السياسية، ومساعدة الشبكات المحلية في تنظيم مقاومة طويلة ضد القوى الأجنبية، ويقول إن السؤال الذي نخرج به من دراسة غوها الممتازة من بين عدة أسئلة يطرحها الأخير هو: «هل تتفكك الدول إلى ما يسميه غوها “القبائل ذات الأعلام”؟»
يشير سوري إلى العودة الراهنة للادعاءات القومية المتعلقة بالتفوق والحق في السيادة على الآخرين. والتي غالبًا ما يتم فيها دمج العرق، الذي من خلاله يحدد من ينتمي ومن لا ينتمي. ويقول إنه على الرغم من أن العرق يمكن أن يرتبط بالقبيلة، إلا أنه قد يتم التعبير عنه بشكل عام على مساحة وطنية أكبر. ويشير إلى أن الدول في الزمن المعاصر استخدمت مزاعم التفوق العنصري لتبرير عمليات الطرد وحتى الإبادة الجماعية – في رواندا ويوغوسلافيا السابقة إلى شبه جزيرة القرم وشينجيانغ ومناطق حدودية أخرى.
يختتم سوري حديثه بالقول إن النتيجة من قراءة كتاب غوها، هو فهم أن الدول ليست اللاعب الوحيد على الساحة… وأن القبائل مازالت حديثة وعقلانية على حد سواء، وأنها تتنافس داخل وخارج الدول. وأنها تستحق الاهتمام ليس كجهات فاعلة قديمة يجب القضاء عليها ولكن كعناصر مكونة مشتركة للسياسة العالمية المعاصرة.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2021/08/16/afghanistan-taliban-tribes-state-withdrawal/



