كنت أحتاجُ ثلاثين سنةً حتى أفهمَ أنّ تلك الحكاية التي رواها لي عن امرأةٍ أَحَبّها حتى الضّنى..
كانت عنّي أنا
وأنّ الوردةَ الحمراءَ التي أهداها لصديقتي آنذاك.. كانت لي أنا
والقصيدةَ التي خطَّها أيضا..
واحتجتُ ثلاثين سنة أخرى حتى أدرك أنّ الطّالبَ الذي كان يُلهب ساحةَ الجامعة بالخُطب الرنّانة..
كان عَينًا علينا
وأنّ الشّعارات التي رفَعنا
كانت عبئًا على الوطن..
واحتجتُ ثلاثين سنة أيضا لأفهمَ أنّني أضيّع دوما كلّ الفرص الجميلة التي تهبُها لي الحياة
كـأن أفوّت لقاءً كان لا بدّ أن يصير منذ زمن
أو أضيّعَ عنوانًا لا يعود
أو رقمَ هاتفٍ لم يعد له وجود..
وكان لا بدّ أن تفوتَ ثلاثين أخرى حتى أفهمَ أنّ الابتسامةَ التي تملأ وجه ابني لم تعُدْ لي أنا
بل لصديقته الجميلةِ التي يحبّها
وأنّ النساءَ اللائي سمعتهنّ يغتبن امرأة، لم يكنّ يغتبنَني أنا
وأنّ السّماءَ الرّحيمةَ دوما مازالت هنا..
وأنّ الطفلةَ التي تهرع إليّ، فأفتح ذراعيّ، لم تكن تهرع لي أنا..
بل لأمِّها التي تنتظرها بلهفة خلفي
وأنّ الرّجلَ الذي يمدّ يده مرحّبا
فأمدُّ له يدي..
كان يمدُّها للرجل الذي يمرُّ بجانبي
وأنّ المرأةَ التي تحفر ورائي، كانت تريد منصبا في الدّولة
وأنّي دوما أضيِّع البوصلة
..
والآن.. وقد مرّت ثلاثون ألف سنة قرّرت أن أعدّلَ البوصلة
..
وفي أوّل لقاء
تركتُ الوردَ.. على الطاولة
واتّجهتُ
مسرعةً..
إلى.. الطاولةِ الخاطِئة.



