يصف إيمانويل تود حالة اعترته وهو يكتب كتابه “أين هن من كل هذا؟ نبذة عن تاريخ النساء”، قائلا: “كنا في فترة الحجر الصحي وكنت مستلقيا على أريكتي فأصابتني حالة غريبة من الألم الحقيقي أحسسته في جسدي، كنت على وشك أن يغمى علي! فأنا لم أعد أفهم شيئا. لقد كان عليّ أن أعطي تعريفا للمرأة! ولقد “تجرأت “فعرفتها بأنها الكائن الإنساني القادر على الحمل إلا أن تكون هناك حالة عقم! هذا المعطى الطبيعي والبديهي كان عليَّ تحديده وإيضاحه!”
يحيلنا هذا إلى الصعوبات والتشنجات التي باتت تكتنف الحديث والبحث في موضوع المرأة في الغرب بسبب مفاهيم محورية أصبحت توجه النقاش المجتمعي وعلى رأس هذه المفاهيم النوع أو الجندر. وهذا الأخير يشوش على المُعطى البيولوجي الطبيعي الذي هو الجنس: الذكر والأنثى.
لا أظن أن قارئ الكتاب ستعتريه حالة مثل تلك التي اعترت الكاتب، ولكن لا شك أن قراءة هذا الكتاب ستكون مثيرة وستحمل عقلك أيها القارئ الكريم خارج ممرات التفكير المسطرة مسبقا. “أين هن من كل هذا؟ نبذة عن تاريخ النساء” هو عصارة أعمال تُود كما يذكر ذلك هو نفسه، والكتاب على حد تعبيره محاولة للفهم خارج إطار الإديولوجيا، كما أنه نقد علمي للنسوية الحديثة. إنه مسطر بقلم باحث متخصص، وهو مليء بالأرقام والإحصائيات والتحليلات الدقيقة لوضعية المرأة ولعلاقتها بالرجل ولمسار تحرير النساء في الغرب، وفيه كذلك جرد للتغيرات الاجتماعية الكبرى التي صاحبت هذا التحرر(انهيار المنظومة الجماعية للدول وانهيار التدين ورهاب المثلية homophobie وتراجع العنصرية وصعود ظاهرة التحول الجنسي وازدواجية التوجه الجنسي). يقول تود أنه عندما نعامل المرأة بجدية وننظر إليها كفاعلة في التاريخ وليس كضحية، فإننا سنفهم بشكل أفضل أن تحرر النساء هو محرر هائل لكل التحولات الإيديولوجية التي عرفها الغرب.
ولا بد من التذكير أن الغرب المقصود هنا هو العالم الأنكلوأمريكي والدول الإسكندنافية وفرنسا. وهذه البلدان يصنفها تود على رأس قائمة الدول التي قطعت فيها المرأة شوطا كبيرا في مسار التحرر. وتبقى السويد هي حاملة لواء النسوية العالمية، أما فرنسا فتأتي متأخرة عن أمريكا بجيل ونصف فيما يخص الثورة النسوية. وللإشارة فتود يصنف المجتمعات العربية في ذيل القائمة. إذن حديثنا كما أشرنا إليه في المقال السابق سيدور حول “الهيمنة الذكورية الأبوية” ثم “النوع أو الجندر”. وهما مفهومان اثنان ترتكز عليهما الثورة النسوية الثالثة أي نسوية التناقضات أو النسوية الجديدة (le néo féminisme).
الهيمنة الأبوية الذكورية أم التعاون والتكامل:
ما يميز هذه الموجة عن سابقتيها (المواطنة والحرية الجنسية) هو أنها تشتكي من العنف والهيمنة الذكورية اللذين طبعا تاريخ العلاقة بين الجنسين! فالمشكلة مع هذا التيار -في نظر تود- أنه يدخلنا في حلم بتاريخ للإنسان كان يجب أن يكون لكنه لم يكن، إنه تاريخ كان ينبغي أن تتساوى فيه المرأة بالرجل، وعليه فيجب إعادة كتابة هذا التاريخ بشكل جذري لكي تعطى المرأة حقوقها كاملة غير ناقصة ولكي تعاد الأمور إلى نصابها. ويعيب تود على النسوية الجديدة خلطها بين جميع مستويات الهيمنة الذكورية.
فالكاتب لا ينفي الظلم الذي لحق بالمرأة، فقد كانت هناك هيمنة ذكورية لا ينبغي إنكارها ولكنها لم تكن بشكل ساحق كالذي تدعيه النسوية الجديدة. بل على العكس من ذلك، يخلص تود من خلال بحثه التاريخي وبالرجوع إلى المجتمعات الإنسانية الأولى التي كانت تقوم على الصيد وجني الثمار إلى أن النموذج الأسري الأصلي الذي بدأت به حياة الإنسان هو نموذج فعال ومرن مكن النوع الإنساني من النجاح والاستمرار، حيث نجد أنه كان قائما على علاقة بين المرأة والرجل يطبعها الاستقرار الاقتصادي والعاطفي، وإن بعضا من عدم المساواة الظاهر في العلاقة لصالح الرجل لا يمكن أن يزعزع حقيقة أن الأصل في العلاقة بين الجنسين كان هو التعاون والتكامل للاستمرار والبقاء.
الهيمنة النسوية
هذا المعطى التاريخي يتزعزع الآن، حسب الكاتب، بسبب ثورة أنثروبلوجية تقودها نساء متعلمات ينتمين إلى الطبقة المتوسطة أو البرجوازية الصغيرة اللواتي أصبحن يهيمن على مجالات محورية في المجتمع: التعليم، العدل وقريبا الصحافة. فإذا كانت الرأسمالية، كما يقول الكاتب، وبشكل عام الاقتصاد والقطاع الخاص بلا منازع خاضعا للهيمنة الذكورية، فللمرأة نصيبها المعتبر في إدارة القطاع العام. إضافة إلى أن نسبة النساء ذوات الشواهد الجامعية العالية والعاملات في المراكز البحثية الجامعية وفي العلوم الإنسانية خاصة، تجاوزت نسبة الذكور.
يذكر تود من تجربته الشخصية التحول الذي عرفه “المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية”، فقد بدأ العمل سنة 1984م. في البداية كانت هذه المؤسسة العمومية عالما رجاليا يهيمن عليه خريجون من البوليتكنيك. وهؤلاء كانوا يعتمدون على الرياضيات كرابط بين العلوم الإنسانية والبيولوجيا في مقاربتهم للديموغرافيا. وفي سنة 2019م أصبحت نسبة الباحثين من النساء تشكل 61,4% من مجموع الموظفين، وتصل هذه النسبة في الفئة العمرية بين 20−29 سنة إلى 91,7%. ويشير الكاتب إلى أن التأنيث الذي عرفته المؤسسة رافقه تحول في توجه الأبحاث نحو ميدان نفسي اجتماعي مع اهتمام خاص بالنوع. وفي مثال آخر يشير الكاتب إلى حوار نشره “المركز الوطني للبحث العلمي” الفرنسي في يناير 2020م، الحوار عنوانه ” سن اليأس، هل هو بناء اجتماعي؟” والحوار كان مع صاحبة كتاب حول نفس الموضوع “صناعة سن الياس”.
هذا النوع من المواضيع هو نتاج منطق يقضي بأن الفوارق بين الرجال والنساء هي اجتماعية بالأساس وليست بيولوجية وللبرهنة على ذلك لا بد من بحوث من هذا النوع. ويعلق الكاتب بقوله: “إذا لا بد من البرهنة على أن تأخر الفتيان في البلوغ بعشرين شهرا مقارنة بالفتيات هو بناء اجتماعي وأن حمل النساء سببه اجتماعي أيضا!”. إن هذه الهيمنة الإيديولوجية تخلق وضعا يمكن أن تثبت فيه، بدون أن يكون ذلك مجازفة، أي اقتراح عبثي وغير معقول إذا وافق الإيديولوجيا وبمباركة من الهيئات الرسمية ولم لا بتمويل منها!
هذه البحوث هي نموذج للتطرف وللانفصال عن جزء من الواقع تعيشه النسوية الجديدة فلا يمكن أن نتصور أن غالبية النساء سيعشن سن اليأس على أنه هجوم واعتداء من المجتمع. وقل نفس الشيء عن النوع فهو يحيلنا على الفور إلى وضع تغيب فيه الفروقات البيولوجية الطبيعية بين الجنسين الشيء الذي يبدو غير معقول وغير منطقي، والإيديولوجيا النسوية الحديثة ترى في كل شيء بناء ثقافيا بما فيها تقاسم الأدوار والمناصفة الكاملة. ويتساءل الكاتب “كيف يمكن أن نتخيل أن تحمل المرأة جنينا في بطنها لمدة تسعة شهور ثم تنفصل عن مولودها الجديد مباشرة بعد الولادة لكي تكون علاقتها بابنها مماثلة لعلاقة الاب بابنه؟ لكي تتحقق هذه الحالة المثالية علينا أن نعيش في عالم الروبوتات الذي لا مكان فيه للأحاسيس والمشاعر”.
والمثير في موضوع النوع وتقاسم الأدوار بالتساوي بين المرأة والرجل هو الإحصائيات القادمة من السويد، البلد النموذج الذي يتربع على عرش حقوق المرأة، فالنساء السويديات اللواتي ولجن سوق العمل بكثافة توجهن نحو التمريض والتعليم والاعتناء بالأطفال وكبار السن تماما كمجتمعات الصيد الأولى حيث كان الرجل يخرج للصيد وتبقى المرأة في البيت للعناية بالصغار وبكبار السن. الفرق الوحيد بين الحالتين هو أنه عوض الاعتناء بالبيت فقط أصبحت النساء السويديات يسيرن إداريا البيت الكبير الذي هو الوطن.
ودائما في إطار ما أسماه بالهيمنة النسوية الأمومية، يأخذنا الكاتب إلى مساحتين خاصتين في حياة المرأة الغربية قد تعلو فيهما سلطة المرأة سلطة الرجل، الأولى هي التحكم في الإنجاب، فإذا كانت حبوب منع الحمل قد جعلت العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة ممتعة لانتفاء إمكانية الحمل فإن قرار الإنجاب أصبح بيد المرأة. وهنا أصبحت سلطة الرجل منعدمة. هذه الظاهرة حجبتها وأخفتها الحقيقة المركبة لعلاقات الحب بين الرجل والمرأة. يمكن أن نذكر هنا رجالا ليسوا مستعدين ولا يريدون الالتزام والمسؤولية ونساء لا يحببن رجالهن بدرجة كافية تجعلهن يقبلن أن ينجبن منهم أبناء. ففي المجتمع الأنكلو أمريكي يلجأ الرجال الذين ينتمون إلى الفئات المتعلمة إلى التعقيم (vasectomie) لكي لا تحمل نساءهم بغير رغبة منهم، ثم يفرون بأبنائهم وبجزء من ممتلكاتهم!
أما المساحة الثانية فهي السلطة الأبوية، فسلطة الأمومة -يقول الكاتب- هي سلطة طبيعية تأتي متقدمة في الزمن على سلطة الرجل لارتباطها بالعلاقة الخاصة التي تربط الأم بأبنائها، والتي تبدأ مبكرا من خلال الحمل وكذا خلال السنين الأولى للطفل. ويكون الطفل الذكر خاضعا لسلطة نسوية هي سلطة أمه. أما سلطة الأب فتأتي متأخرة ويصفها الكاتب بالمكتسبة لهذا تكون في بعض الأحيان مصحوبة بشيء من العنف بهدف إثباتها.
حرية صعبة ومعقدة
وختاما، نعرض محاولة الفهم -كما يبينها الكاتب- لما تتميز به النسوية الجديدة من مشاعر السخط اتجاه الرجل والمجتمع، فالسخط والتشاؤم ظاهرة اجتماعية عامة في المجتمع الفرنسي مرتبطة بالتراجع الذي تشهده جميع الفئات وبالخط الانحداري الذي دخلت فيه فرنسا.
ثم إن المرأة في مسارها التحرري أصبحت تعاني مما كان يعاني منه الرجل، فتصاب هي كذلك بالقلق من المستقبل وسؤال الحياة المهنية والترقي في سلمها من خلال الاختيار القائم على الدبلومات والشهادات. لقد أصبحت المرأة تخضع للهيكلة الطبقية في استقلال تام عن زوجها. كل هذا يحدث في مرحلة صعبة على المستوى الاقتصادي، كل هذا تتقاسمه مع الرجل، ويبقى أن هناك فارق وثقل كبير تتحمله المرأة عن الرجل ويزيد من إحساسها بالإرهاق والسخط وهو الحمل والإنجاب.
إن خطاب النسوية الحديثة أحدث للأجيال الجديدة من الشباب مشكلة كبيرة، فهذا الخطاب غير منتج لأن المرأة اليوم يجب أن تنظر للرجل بنوع من الثقة لكي يسهل على الإثنين مواجهة الصعاب الاقتصادية والاجتماعية التي تبدو في الأفق.



