مُصادرة
خلال تغطيتها لبداية الغزو الروسي لأوكرانيا والذي عجل بتدفق اللاجئين نحو الحدود المجاورة، علّقت مراسلة قناة NBC الأمريكية قائلة “هؤلاء ليسوا لاجئين من سوريا؛ هؤلاء من أوكرانيا، إنهم مسيحيون، إنهم بيض”، والقصد أنهم أفراد يتوفرون على خصائص مميزة يستحقون معها معاملة مختلفة عن باقي اللاجئين، كما يستحق المعتَدِي عليهم ردّة فعل خاصة جدا من دول ما يُعرف بالعالم الحر، وهو تصريح تكرر كثيرا في شاشات الإعلام الغربي وداخل استوديوهات التحليل، بل إن هناك من السياسيين من صرح بذلك ببالغ الوضوح، كما هو حال نائب حزب فوكس الإسباني بالبرلمان الأوربي هرمان تيرتش الذي كتب على صفحته بتويتر: ” في أوكرانيا هناك لاجؤون حقيقيون؛ لاجؤون مسيحيون وبيض”.
هذا الإقحام المتعمد للمسيحية في أحداث تدور بمجال يُعتقد أنه علماني حيث يعتزل فيه الدين الحياة السياسية، يذكّرنا بهجوم أنصار ترامب على مبنى الكابيتول، والذي أبان عن أزمة سياسية لا سابق لها في عهد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أثارت صور العنف والسطو التي انتشرت عبر القنوات التلفزية ومواقع التواصل الاجتماعي تأويلات متعددة للواقع السياسي والاجتماعي الجديد داخل أقوى بلد في العالم. وفيما ركزت أغلب تلك التحليلات على شخصية الرئيس ترامب كمسؤول محوري عما جرى من إضراب، فقد أثارني حينها تصريح سريع لمراسل القناة السادسة الإسبانية في واشنطن غييرمو فيسير جاء فيه : “يتزعم الخطوط الأولى لهذا الهجوم متعصبون دينيون وجنود سابقون […] هؤلاء يريدون القيام بثورة شبيهة بتلك التي حدثت في ايران حيث يجلس رجل دين على كرسي الحكم […] طبعا ليس كل من يؤيد ترامب بالولايات المتحدة هو أصولي – لسبب أو لآخر – لكن كل أصولي فيها هو مؤيد لترامب حتماً“[1]. وقد تزامن هذا التصريح الذي ظهر لي حينها مختلفا عن باقي التحليلات السياسية التي تتكرر وإن بصيغ متنوعة مع اشتغالي على ترجمة كتاب يتعلق بالأصولية في نسخها المتعددة ولاهوت التحرير في العالم، وبدا لي أن إصرار هذا المراسل على جعل الأصولية المسيحية محور الأزمة – إلى جانب عناصر أخرى- في الولايات المتحدة أمرا جديرا بالمقاربة والتحليل في وقت لا زال العالم ينظر للأصولية الإسلامية باعتبارها الخطر الوحيد، وأن طبيعة الدين المسيحي وتجربة الانتقال إلى العلمانية يُعتبران صمّام أمان الغرب ضد أي أصولية دينية محتملة ؟! فهل حان الوقت لينتبه الغرب جيدا لخطر الأصولية الخارجة من نسقه الثقافي أم لا زال مُصِرًّا على اختزال الأصولية في نسختها الإسلامية؟!
الأصولية ووهم الحصانة
كتب ماركس وأنجلز في “البيان الشيوعي” أنه “ثمة شبح جديد ينتاب أوربا، وقد اتّحدت ضده باطراد رهيب كل قوى أوربا القديمة: البابا والقيصر، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألمان“.
طبعا كان الاثنان يقصدان بالشبح الجديد “الشيوعية”التي تجندت ضدها كل القوى السياسية والأمنية الكلاسيكية، وقد آثرتُ استدعاء ذات التعبير لتوصيف ما حدث في أوربا والغرب بصفة عامة خلال العقدين الأخيرين وبالخصوص بعد هجمات الحادي عشر من أيلول-سبتمبر 2001 من حالة الاستنفارات القصوى ضد الشبح الجديد الذي يسمى هذه المرة بــ “الأصولية الإسلامية”، حيث لوحظ اهتمام منقطع النظير بدراسة ظاهرة الأصولية الإسلامية أو الإسلام السياسي، سواء داخل مراكز بحوث خاصة أو من خلال أقسام جامعية تعنى بالعلوم الإنسانية، وبدا أن البحث في تاريخ الإسلام بصفة عامة وظهور وتمدد الحركات الأصولية بصفة خاصة يتزايد باطراد مع تزايد وتيرة الهجمات الإرهابية في الغرب تحديدا، باعتبار أن دراسة هذه الظاهرة هو أمر حتمي للتعرف على العدو الحقيقي الذي يستبيح استقرار ورفاهية الغرب ويهدد قيَمه الحضارية التي كانت حصيلة نضال طويل ضد الرجعية الكنسية والإقطاعية.
هذا الاهتمام ( الخوف ) بظاهرة الأصولية الإسلامية في الأوساط الأكاديمية والإعلامية كان يحدث بالموازاة مع تركيز الدول الغربية جهودها الأمنية والاستخباراتية – فيما يُعرف بالحرب على الإرهاب – لمواجهة تصاعد موجة التهديد الأمني الأصولي داخل المركز الغربي أو في الهامش حيث تتموقع مصالحه الحيوية، وهي مواجهة عرفت في أحيان كثيرة تهويلا كبيرا لهذا الخطر وتطرفا في التحليل وتم توظيف الموضوع لتصفية خلافات سياسية داخلية أو لتشريع قوانين صارمة لها تداعيات خطيرة على حرية وحقوق فئات معينة هي الأكثر هشاشة وعلى رأسها فئة المهاجرين أو أبناءهم من الجيل الثاني والثالث، وهكذا تفاقمت ظاهرة الإسلاموفوبيا، سيما بعد تزايد عدد اللاجئين المنحدرين من الدول الإسلامية مما نجم عنه حدوث انزلاقات خطيرة على مستوى العلاقات الاجتماعية وتدبير التعايش؛ وكأنّ الغرب الرأسمالي يُصرّ على تكرار تجربة سابقة له مع الخطر الأحمر، والتي لخّصها أمين معلوف في مقولته : “ثمة مصيبتان رئيسيتان في القرن العشرين هما: الشيوعية ومناهضة الشيوعية، وفي القرن الحادي والعشرين ثمة أيضا مصيبتان رئيسيتان هما: الأصولية ومناهضة الأصولية”، وهو ما لاحظناه في عدة إجراءات وقوانين وتفاصيل إلى حد اقترن فيه مصطلح الأصولية مباشرة بالإسلام، إذ نجد مثلا أن قاموس الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية في نسخته الثانية والعشرين يُعرِّف الأصولية بأنها “حركة دينية وسياسية جماهيرية تسعى إلى استعادة الطهرانية الإسلامية من خلال التطبيق الصارم للشريعة القرآنية داخل الحياة الاجتماعية”. بيد أنه في الحقيقة فإن مصطلح “الأصولية” له مدلول مختلف في التراث الفقهي والكلامي الإسلامي، وأما مدلوله السياسي المعاصر فترجع صياغته إلى الغرب تحديدا، للإشارة إلى طائفة مسيحية محددة وهي الإنجيلية الخمسينية بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم وقع إسقاطه لاحقا على مجالات تداولية أخرى، مثلما حدث مع مصطلح العولمة الذي نشأ في سياق اقتصادي ليُعمّم على سياقات أخرى.
الأصولية المسيحية: وجه حداثي وروح رجعية
هكذا إذن، وفي غمرة الاهتمام بالحرب الإعلامية والأمنية على الإرهاب الأصولي الإسلاموي كانت تتصاعد في الظل الغربي أصولية مسيحية جد متطرفة ولا يقل خطرها عن الأولى، بل هناك من يرى أنها أكثر خطرا اعتبارا لكونها أصولية يعتنقها أشخاص نافذون في الدولة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية الكبرى، والذين وإن كانوا يُظهرون إيمانا بالديموقراطية والحداثة إلا أنهم بالمقابل يتحالفون مع تيارات مسيحية محافظة ورِجعية ويتبنون أفكارها؛ إنهم على عكس الأصوليين الإسلاميين – الذين يتعمّدون في كثير من المناسبات أن يظهروا بمظهر متمرد على الحداثة في هندامهم – يُجارون الحداثة في المظهر ويرفضونها في الجوهر.
بدأ هذا التحالف يخرج إلى الظل ويظهر جليا في شخص بعض الوجوه السياسية المعروفة مثل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ونظراءه في البرازيل والمجر وبولونيا، وبعض المسؤولين البارزين في دول كبرى من قبيل وزير داخلية إيطاليا السابق ماتيو سالفيني، وكذلك في منظمات كبيرة مثل جمعية “المحامون المسيحيون” بـإسبانيا أو منظمة “التحالف المسيحي من أجل القيم التقليدية” ومؤسسة “الاقتصاد المسيحي” بالولايات المتحدة الأمريكية علاوة على أحزاب يمينية صاعدة بقوة مثل حزب باتريوتا في البرازيل أو حزب فوكس في إسبانيا.
وإذا كان الإعلام في الغرب لا يسلط الضوء على هذه الظاهرة المقلقة فإننا نجد نقدا صارما لها لدى بعض السوسيولوجيين واللاهوتيين البارزين من قبيل الإسباني خوان خوصيه طامايو سيما في كتابه الأخير ” تدويل الكراهية: التأسيس والتفكيك” والذي تعود فكرة تأليفه إلى لحظةٍ كان يقدّم خلالها محاضرات لطلاب ماجستير في جامعة لاهوتية بالبرازيل فسأله أحد الطلبة مستغربا: لماذا حين نكون في الكنيسة يطلبون منا عدم الحديث في السياسة في حين أن الرئيس بولسونارو دائم الحديث عن الإنجيل؟! فأجابه طامايو بحزم: ” بما أن بولسونارو ليس لاهوتيا بل رجل سلطة ويتحدث عن الإنجيل فإنه ينتمي لا محالة إلى المسيحية النيوفاشية”. وهذا المصطلح الأخير – يؤكد طامايو – قد استعاره من اللاهوتية دوروثي سول التي سبق وأن وظفته للإشارة إلى تحالف الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية مع الفوهرر (هتلر)، ثم قام طامايو بتعميمه على جميع المؤسسات الأصولية في الولايات الأمريكية وأمريكا اللاتينية التي تدعم قادة سياسيين يتبنون مواقف فاشية واضحة، ويضيف أن استخدام اللاحق “نيو/ جديد” هو أمر مقصود، لأننا وصلنا إلى مرحلة بات كل ما هو “نيو / جديد” أو “post / بعدي” يكون في المحصلة أسوأ من الأصل.
إنّ خطورة تحالف الأصولية المسيحية وزواجها بالقادة النيوليبراليين له تداعيات خطيرة، لأنه يدفع نحو رفض كل المقترحات الداعية للمساواة في العلاقات الأسرية وتجاوز الحالة الكارثية للتغير المناخي وكل ما من شأنه إقرار مشاريع تؤدي إلى تكافئ الفرص، ناهيك أنه تحالف عنصري يحاول ترسيخ تفوق العنصر الأبيض على باقي الأجناس، وهو ما حدا على سبيل المثال باللاهوتي الأمريكي من أصول أفريقية جيمس كُون إلى التنبيه على أن “مسيح الأوربيين البيض ليس لديه الكثير ليقوله لملايين الأمريكيين السود المحرومين من الحقوق الأساسية”[2]، ولعله نفس تعليق باقي لاهوتيي التحرير من السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية؛ هذه القارة التي تابعنا فيها سلسلة من الانقلابات أو محاولات الانقلاب على حكومات تقدمية كتلك التي عرفتها البرازيل مع ديلما أو بوليفيا مع موراليس بغية تعويضها بحكومات رجعية متطرفة ومتحالفة مع النيوليبرالية والكنيسة المحافظة التي باتت من خلال مؤسساتها وأحزابها غير المباشرين تزرع الكراهية باسم المحبة.
هكذا بتنا نشاهد باضطراد العدِيدَ من القادة الغربيين الذين يُصِرُّون على استدعاء رموزٍ دينية خلال خطاباتهم المُروّجة للكراهية والعنصرية والاستبداد، فخرج ترامب رافعا الإنجيل كي يندد بنتائج الانتخابات الديموقراطية مثلما خرج حلفاؤه الانقلابيون في فنزويلا وبوليفيا، وهو أمر كان ماتيو سالفيني بدوره معتادا أن يفعله أثناء خطاباته، حيث أنه وإن لم يسبق له أن خضع للتعميد إلا أنه كان يصر دائما على أن يظهر أمام أنصاره حاملا السبحة والصليب؛ لا ليدعو إلى المحبة كما المسيح بل ليُعلن إجراءات التضييق على المسلمين وطرد المهاجرين، وكل ذلك من خلال خطاب غارق في الذكورية والعنصرية، الشيء الذي كان يدفع في كثير من الأحيان بعض رجال الدين المسيحيين الشرفاء بإيطاليا إلى التبرؤ من تطرفه، وهو ما لا يحدث في كثير من الدول الأخرى مثل إسبانيا، حيث لا يخرج رجال الدين للتنديد بالتصريحات المحرضة على الكراهية لبعض القادة السياسيين النيوفاشيين في أحزاب يمينية من قبيل فوكس Vox أو ضد تصريحات بعض أعضاء الجمعيات المتعصبة من قبيل “المحامون المسيحيون” أو جماعة Yunque. ويذهب طامايو إلى أن هذا الصمت والتواطؤ من قبل الكنيسة في إسبانيا مع هؤلاء السياسيين والفاعلين الجمعويين المتطرفين نابع من كون رجال الدين الإسبان لا يشعرون براحة كافية في ظل الديموقراطية ومبدأ فصل الدين عن السياسة، فبالرغم من أن المجتمع الإسباني يعتبر من أشد المجتمعات علمنة في أوربا (إسبانيا خامس دولة من حيث عدد اللادينيين) حيث لا تحكمه أخلاق الكنيسة الكاثوليكية، لكن توجد هناك بالمقابل هيراركية كاثوليكية صلبة تدعي تمثيل المسيحية وتتمتع باعتراف من قِبل كل الأحزاب التي حكمت إسبانيا خلال الانتقال الديموقراطي بما فيها الحزب اليساري.
هل فشل مشروع العَلمنة؟!
في ظل هذا المشهد المقلق يحق لنا السؤال عن الأسباب التي تقف وراء هذا الصعود المتنامي للأصولية في الغرب واختراقها للمؤسسات والمجال العام. ويرى طامايو أن تنبؤات مفكري ومنظري القرن العشرين بخصوص مسار العلمنة لم تكن صائبة بما فيه الكفاية، ذلك أنهم ذهبوا جازمين إلى أن الدين حين يتم عزله في المجال الخاص أي في حقل الإيمانيات ضمن فضاء المعابد أو داخل ما يعرف في المجال التداولي المسيحي بالضمير سيكون من شأنه تجنيب المجتمع الكثير من المشاكل التي جاء التنوير لمحاربتها والتأسيس لبدائلها اعتباراً لكون الدين متى تدخّل في المجال العام كان شرعنة للديكتاتورية والأنظمة الشمولية. لكن يبدو أن هذا التشخيص ظل ناقصا، ما جعل كل من ستارك وَ بينبردج لاحقا ينبهان بصرامة إلى أن ” الدين سيستمر بالصورة التي وُجد بها على مدار التاريخ، وربما بقوة غير متوقعة، وما سيحدث هو أنه سيُعبِّر عن نفسه بطرق متعددة، من بينها الأصولية و الطقوسية الجديدة”[3].
هكذا وحين اعتقد منظرو العلمانية أنه مع التقدم في الزمن سيفقد الدين كل معنى سياسي ليتم التعبير عن القضايا الكبرى من خلال مجال عام مستقل، تفاجؤوا في أواسط السبعينيات من القرن المنصرم بصعود ما يسميه جيل كيبل بظاهرة “انتقام الإله”، حيث سيقوم الدين باحتلال المجال العام باعتباره عنصرا قوميا أكثر منه قِيَميا أي كمُكون أساسي للهوية الثقافية للشعوب، وهكذا ظهر الإسلام السياسي ليواجه الإمبريالية والتدخل الغربي، وظهرت الصهيونية لتحقيق حلم وطن خاص باليهود، وظهرت الأصولية المسيحية في نُسختَيها الكاثوليكية ( مع انتخاب البابا يوحنا بولس الثاني لرئاسة الفاتيكان وتراجعه عن قرارات مجمع الفاتيكان الثاني الذي كان يشرعن العلمانية)، وكذا البروتستانتية مع صعود ريغان للحكم في الولايات الأمريكية حيث سيصبح تداول عبارة ( بارك الله في أمريكا) قويا في الخطابات الرئاسية ليرثها باقي الرؤساء من بعده، ويكبر الحنين إلى عهد كانت الولايات المتحدة تسمى فيه ( الأمة البروتستانتية) وقد سبق لروجيه غارودي أن نبّه إلى أنه منذ عهد واشنطن والقادة الأمريكيون يعتبرون أنفسهم الذراع المسلح للعناية الربانية.
لكن ما بدأ كدفاع عن الهوية سيأخذ منحى جديدا ويتمدد إلى مجالات اجتماعية واقتصادية وسياسية أكثر حساسية وأشد تطرفا سيما في النسخة البروتستانتية والتي وإن اشتركت مع باقي الأصوليات معالمها العامة: غياب أي قراءة هيرمينوطيقة للنص المقدس، نظرة متشائمة للواقع مقابل الحنين لواقع متخيل ومزعوم، جعل النسبي مطلقا، عولمة المحلي، تعميم الخاص، رفع الرأي القابل للشك إلى مستوى الدوغما، تبسيط المعقد، تخليد ما هو زمني وتاريخي، اختزال المتعدد في الواحد …، إلا أنها تبقى أصولية أكثر خطرا ونفوذا.
الأصولية البروتستانتية وزواجها بالنيوليبرالية:
في مؤلفه الشيق “ماذا لو كان الإله ناشطا حقوقيا” يرى السوسيولوجي البارز بوافنتورا دي سوسا سانتوس أنه إذا كانت الأصولية الإسلامية تثير قضايا متعلقة برفض بعض ملامح الحداثة الغربية وبالتأويل الصارم للشريعة – باعتبارها قانونا إلهيا- وعدم توافقها مع النظم الديموقراطية وحقوق النساء، فإن نفس الشيء يحدث وإن بصيغ مختلفة مع الأصولية المسيحية سيما البروتستانتية منها، والتي ظهرت بشكل أساسي في الولايات المتحدة ثم انتقلت إلى أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وتُعرف باسم “اليمين المسيحي الجديد“. ويعتبر القس المعمداني جيري فالويلأحد الموجّهين الرئيسيين لليمين المسيحي الجديد، وقد تحول تنظيمه Moral Majority inc. بالإضافة إلى تنظيمات أخرى مماثلة إلى جماعات ضغط قامت بتنظيم حملات حول عدد كبير من قضايا السياسة العامة كالإجهاض والمثلية وتدريس نظرية التطور الطبيعي في المدارس وخطر “الأنسنة العلمانية” والتشريع الخاص بحقوق الأقليات والصلاة بالمدارس العمومية[4].
ويرى ج. كازانوفا أن التيار المهيمن في البروتستانتية الأصولية قد يعيد تشكيل “الهيمنة الثقافية للبروتستانتية الإنجيلية لأجل إعادة مسحنة أو تمسيح الدستور والجمهورية والمجتمع المدني الأمريكي”[5] وتتمثل الحجة المركزية لدى هذه الحركات الأصولية في أن المجتمع الحديث قام بتحرير ولَبرلة الأسرة والتعليم والإجهاض، وهو ما يُعتبر خيانة لمجموعة من القيم المسيحية، لذلك يدافع أنصار هذا التيار عن أدنى تدخل للدولة في الحياة الخاصة، وهكذا يقول فالويل “ندعو إلى سن تشريع لحماية الأسرة يحفز على ترميم وحدة الأسرة وسلطة الأب ومناخ السلطة التقليدية […] ويقوي العلاقات التقليدية بين الزوج والزوجة”[6]. كما يدعو كذلك إلى إعادة دمج بعض الأمور في المجال الخاص كان قد سبق لحركات تحررية خاصة ذات نزوع نسوي أن قامت بإدخالها للمجال العام، وهكذا يرى فالويل أنه: “يجب أن نتمرد ضد التعديل المتعلق بالمساواة في الحقوق، وضد الثورة النسويةوالثورة المثلية” كما يكافحون في نفس الوقت من أجل مسحنة هياكل الدولة سيما التعليم وإقامة أسلوب عيش أمريكي طبقا ل(شريعة الرب) إذ يضيف: “إن السلوك القويم يجب أن يصبح هو أسلوب العيش الأمريكي […] ويجب الاعتراف من جديد بالسلطة الأخلاقية للكتاب المقدس باعتبارها المبدأ الشرعي الأساسي الذي يقود أمتنا” .[7]
وفي عام 1984 أكد ريشارد فيغيري وهو أحد أبرز وجوه اليمين المسيحي الجديد أنه “على المحافظين أن يعملوا جيدا لبلوغ ذلك اليوم الذي يدور فيه صراع الانتخابات الرئاسية بين ديموقراطي محافظ وجمهوري محافظ، وحينها يمكننا الذهاب لاصطياد السمك أو لعب الغولف؛ لأننا سنكون متيقِّنين أنه سواء فاز الديموقراطي أو الجمهوري فالأمران سيان…”[8]، وبعد أقل من أربعين عاما بدا وكأن هذه النبوءة قد تحققت، ويعتبر ترامب ثالث رئيس أمريكي بعد ريغان وجورج بوش الابن يحظى بدعم مباشر من قبل الأصولية البروتستانتية، لذلك لطالما أكد في العديد من المناسبات على رغبته في السماح للكنيسة بالحضور في المجال العام وضمان ما اعتبره حقها في التعبير عن آرائها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ففي خطابه في بارانكو عام 2016 صرح أنّ “أول ما سأفعله هو منح الصوت من جديد لكنائسنا […] سأدافع عن حرياتهم الدينية وحقهم في الممارسة الكاملة والحرة لها كأفراد وكأصحاب مشاريع ومؤسسات أكاديمية ” و أضاف ” لقد تأسّست جمهوريتنا على قاعدة أن الحرية ليست هدية من الحكومة بل من الرب […] و من بين هذه الحريات ثمة حرية التصرف حسب معتقداتنا الخاصة”. وفي رغبة منه لرد الجميل إلى الأصولية التي أوصلته إلى الحكم كان ترامب ينوي تعديل قانون جونسون الذي يُعفي المؤسسات الدينية من الضرائب شريطة عدم تدخلها في أي حملة سياسية لترشيح شخصية معينة في منصب عام، ليجعل الإعفاء غير مشروط.
هذا وإن عملية إعادة تمسيح المجتمع الأمريكي لا تقتصر على استرجاع سلطة الأب والتقاليد بل تمر كذلك من خلال ترسيخ ما يعتبرونه الأخلاق المسيحية المتعلقة بالمسؤولية واقتصاد السوق، ويقدم غاري نورث رئيس مؤسسة الاقتصاد المسيحي (ICE) في تايلر بولاية تكساس أهداف المؤسسة بهذه الطريقة: “إن ICE تسعى إلى الدفاع عن المقترح الذي يرى أن الأخلاق الإنجيلية تستدعي إحساسا مطلقا بالمسؤولية الفردية، وهذا الفعل الإنساني المسؤول يزهر بالطريقة الأكثر إنتاجية في نطاق حكومة محدودة وسياسة لا مركزية وتدخل متدن للحكومة المدنية في الاقتصاد”[9].
و يَعتبر نورث أن أكثر الأصوات التي علت خلال الخمسين عاما الأخيرة هي تلك التي كانت تدافع عن المسيحية الاجتماعية والتي برأيه ” تؤيد بقوة التدخل الحكومي” الذي يجب أن يأخذ طابعا ثيوقراطيا واضحا حسب رأيه، ويرى أن “وصفة الثراء” لأجل تحقيق نمو اقتصادي لمجتمع ما تكمن في اتباع شريعة موسى، داعيا إلى ما يُعرف ب “لاهوت الرخاء” Gospel prosperity الذي يعتبره بوافنتورا سانتوس شكلا آخرا لشرعنة الاقتصاد الرأسمالي وما ينتجه من تفاوت طبقي، وإذ ينطلق نورث من الافتراض المسبق بأن الرب يريد أن ينعَم الإنسان بالرخاء فإنه يعتبر أن هذا الأخير غير قادر أن ينعم بالرفاهية بذاته باعتبار أن الرب هو من يشرّع الغنى والاستغناء. وعلى سبيل المثال تجيب غينز على سؤال: “هل من الجشع اشتهاء الماديات؟!” قائلة: أن تكون غنيا لا يعني أنك إنسان جشع أو غير صالح […] فالجشع يكون عندما تقول: ( أريد هذا الشيء ولا أريده أن يكون عندك) أما قولك ( أريد أن أمتلك الكثير وأريدك أيضا أن تمتلك الكثير) فهذا لا يعتبر جشعا. إذا كنا نؤمن بأن نعم الله لا حد لها؛ فيجب حينها على كل شخص أن يسعى لامتلاك ما يريده وإلى أقصى حد، فالمال مثل الحب، كلما منحت أكثر إلا وامتلكت أكثر، وكما أن الحب هو مورد غير محدود فإن المال كذلك أيضا، وكلاهما خلقهما الرب لأجل إغناء حياتنا ولكي يتسنى لنا أن نعيش حياة طيبة وسعيدة ومكتملة[10].
إن الدولة الاجتماعية بحسب هذا المنظور هي بمثابة محاولة مُدنَّسة لتعويض الدور التنظيمي للرب ووسيلة لجعل الأفراد ” كسالى” وبحسب كينيث هاغن فإنه : “في زمن الكنيسة الأولى لم يكن للحكومات أي مشروع متعلق بالرخاء الاجتماعي، وكانت الكنيسة هي التي تتكفل باحتياجاتهم الخاصة، ومن ضمنهم الأرامل والأيتام [ …] ولقد ابتعدنا اليوم عن هذا، فالحكومة تقوم بكل شيء، وكأنها الرب، مع أن القديس بولس يقول إن أقارب الأرامل هم من يجب أن يتكفل بهن، ويقول أنه على المؤمنين أن يشتغلوا بأيديهم لكسب رزقهم […] فالرجل الذي يعيش عالة على غيره هو يسرقهم[11].
هكذا تحاول هذه الأصولية أن تجعل الفئات الهشة التي تعيش على إعانات الحكومة هي التي تسرق المال العام وتضع الشركات الكبرى المعفية من الضرائب في مرتبة المسيح المتصدّق.
هذا وإن تمدد الحركات الأصولية المسيحية عبر العالم، سواء من خلال حملات تبشيرية أو عن طريق الموارد الإلكترونية يترك خلفه أثرا سياسيا مهما يؤثر بشكل قوي على القضايا المحورية للشعوب، وهو ما نلاحظه مثلا في البرازيل حيث يتوفر الخمسينيون الجدد على حوالي تسعة وخمسين نائبا ليكونوا ثاني أكبر فريق برلماني في المجلس الوطني، وهو أمر جعل النقاش السياسي خلال الحملات الانتخابية الثلاث الأخيرة يتمحور حول مسألة الإجهاض عوض قضايا مثل الاقتصاد، والسكن والتعليم، حتى إنه عندما ترأس ماركو فيليسيانو راعي إحدى الطوائف الخمسينية Igreia Evangelica Assambleia de Deus لجنة حقوق الإنسان داخل البرلمان البرازيلي قام باقتراح قانون مثير للجدل عُرف ب “علاج الشواذ” والذي سيسمح في حالة الموافقة عليه بالتعامل مع المثلية الجنسية باعتبارها مرضا عوض أن يقترح قوانين لصالح الفئات الهشة اجتماعيا واقتصاديا[12].
إننا إذن لسنا أمام حركات رافضة للمشاركة في نظم اقتصادية وسياسية بداعي الحنين الثيوقراطي الطهراني البسيط، وإنما نحن أمام استراتيجيات للاندماج في هاته النظم التي تُوظِّف آليات خاصة بهدف التأثير على أجندتها، وهذا أمر واضح للعيان على مدى عقود، سيما في التأثير الذي يمارسه اليمين الجديد على السياسة والتشريع بالولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية.
ولذلك لا يتردد كل من دافيدسون وَ هاريس في اعتبار المسيحيين الثيوقراطيين بأمريكا نسخةً جديدة للفاشية، ذلك أنهم يدافعون على فرض عقوبة الإعدام بحق المدافعين عن الإجهاض والمثليين والنساء اللواتي تتمردن على الأدوار الجنسية التقليدية، وعن ضرورة ترك غير المسيحيين معتقلين خلال الحرب، والسماح بأن يغادر الأطفال المدرسة العمومية والعودة للمدرسة المنزلية، والاعتماد على الإنجيل كمرجع للحقيقة في العلوم مع اعتبار التنوير مشروعا مناهضا للمسيحية مثله مثل الديموقراطية الليبرالية المنبثقة عن الثورة الفرنسية[13].
إذا كان حدث الهجوم على مبنى الكونغرس من قبل متطرفين دينيين مسيحيين قد دفعنا إلى كشف الغطاء قليلا عن هذه الظاهرة المتغلغلة في عدة بلدان مسيحية تتغنى بالديموقراطية فإنه نبهنا كذلك إلى أنها أصولية تشتغل على مستويات عدة، سواء بشكل قانوني عبر اختراق مؤسسات سياسية واقتصادية مهمة أو خارج القانون من خلال ميلشيات منظمة تؤمن بالعنف. فهل الغرب منتبه بما يكفي لهذا الخطر الذي يتهدده من داخل نسقه الحضاري أم أنه لا زال يحصر الخطر الأصولي على المركز في نسخته القادمة من الهامش ؟! هل نعتبر تلميح جوزيف بايدن في خطاب تنصيبه إلى تهديد “الإرهاب الداخلي” بداية لمواجهة هذا الخطر؟! وهل يعني ذلك أن الديموقراطيين مستعدون لكل الاحتمالات التي قد تفرزها المواجهة سيما وأن دونالد ترامب قد توعد بالانتقام لمشروعه الذي يحظى بدعم أصولي من خلال مقولته ” سنعود بطريقة أو بأخرى”؟! هل الغرب الرأسمالي في بحثه عن ترياق مضاد لأصوليته الدينية مستعد للتحالف مع لاهوت التحرير أم أنه لا زال يرى الأخير خطرا على أيديولوجيته الرأسمالية، ولا يسعه إذ ذاك وهو الخائف من لاهوت الكراهية الذي يهدد قيمه الحضارية ومن لاهوت التحرير الذي يهدد نموذجه الاقتصادي إلا أن يُبقي الدولة على حيادها اللاهوتي حتى وهي تواجه مشاكل الدين في الواقع، وأن تكتفي بأدوارها القانونية والأمنية المتاحة وتنتظر، عسى أن تنتهي الأصولية الدينية على يد الدين ذاته إيمانا بصدقية نظرية إرنست بلوخ في أن ( أحسن ما في الدين هو أنه ينتج هراطقة).
[1] https://www.lasexta.com/programas/el-intermedio/guillermo-fesser/guillermo-fesser-sobre-los-asaltantes-del-capitolio-son-fanaticos-religiosos-armados-hasta-los-dientes_202101115ffcc47122c76700016f65d5.html
[2] Santos, Boaventura de sousa (2014) “ Si Dios fuese un activista de derechos humanos”.Trotta. p: 51.
[3] Rodney Stark & William Sims Bainbridge, The Future of ReligionSecularization, Revival and Cult Formation, January1986 , p: 97.
[4] Boaventura De sousa Santos.(2014) “Si Dios fuese un activista de derechos humanos”,Ttrotta, p:53.
[5] Casanova,J. (1994), Public Religions in thr Modern World, Chicago/Londres, The University of Chicago Press. P: 159
[6] Falwell, Jerry (1980), Listen America, Nueva York, Doubleday
[7] نفسه ص: 265
[8] Bruce, Steve ( 1990 ), “Modernity and Fundamentalism : the New Christian Right in America”: British Journal of Sociology 41:477-496
[9] انظر: http://www.garynorth.com/freebookswhatsice.hcm
[10] Gaines, Edwene (2005), The Four Spiritual Laws of Prosperity: A simple Guide to Unlimited Abundance, Emmaus, Rodale. P: 19
[11] Hagin, Kenneth (1985) ,The Coming Restoration, RHEMA Bible Church. P: 11
[12] أمام الاحتجاجات الواسعة وجد فيليسيانو نفسه مضطرا لتقديم استقالته وتم سحب مقترح القانون من الأجندة البرلمانية.
[13] Davidson, Carl y Harris, Jerry (2006), “Globalisation, Theocracy and the new fascism : the US Right’s rise to power” : Race – Class 47/3: 47-67.



