لَمْ يَعلَم أبِي أنَّه غادَرَنا
ولم أَعْلَم أنّه رحَلْ
ظلّ يحرُس بسْماتنا ويضَعُ نجْمات على جبين النَّائمين
يَضَعُ يده الكبيرة على قلوبنا الواجفة
يَضَعُ شمعةً لرحيلِنا الدّائمِ.. إلى موتِنا القائمِ
يَرْوِي وردةً تكبر على تخوم أحزاننا
يرْوي اكليلَ ايامنا.
.
نسِيَ أَبي أنّه غادرنا
ونَسِيَ حول خاصِرتي يديه الكبيرتين وأنا طفلةٌ أتعلّم الوقوف العنيد
ونسِيَ..
كتابَه المفتوحَ على الصفحةِ الرَّابِعَة والثمانين
وساعتَه التي توقَّفت يوم السَّبت عند الثَّانية مساء
وصوتَه المخبّأَ تحْتَ أجنِحة العصافير
في القفصِ المعلَّقِ عند البَاب
ونَسِيَ أيضا هنا
حكاياته مع طبيبه الذي قال له ضاحكا حين شكا إليه أوجاع الرّوح : أأنت مسؤول عن تغيير العالم؟
منذ ذلك الحين، قرّر أبي أن ينشغل بتغيير نفسه
فزرعَ شجرًا للقمر
وعنبرًا للَّيل
وياسمينةً للأغاني
وصار يكنُس الرّصيف والذِّكريات
ويُصَاحِبُ الغَيْمَات
ويُلَوّن بَتَلات الورد العرَبيِّ
ويرتِّبَ أوقاتَ الرِّيحِ والمطر
ورفع سلّما لنصعد فوق فوق.. إلى القمر
وربّى كائنات مرحة:
دجاجات رشيقات بريش زُمُرُّديّ يهرولن خلفه ويقُقْن
وديكا أنيقا بعُرفٍ قِرْمِزيٍّ وجناحين يشبكُهما إلى خلف كذِراعَين ويسِير على خطاه
مادّا ساقيه المستقيمتين كمسطرة
وكلّ فجر يُزعجه بالصّياح فيقرّر أبي ذبحه في الصّباح
ثمّ يحنّ
وسلحفاةً بدرقة بثماني دوائر تمدّ رأسها الماكر كلّما جاعت وتنقر أصابعه ليمدّ إليها الخسّ
وقطّةً مدلّلَة..
نَسَيَ أبي موته
ونَسِيتُ أنّه رَحَلْ
وكلَّ يوم، أَرقُب ظلّه الطّويلَ عند الغروب يمتدُّ حَتَّى التِّلال
ويَميلُ حيث الأَمَلْ
فأتبعُه
راكِضة
مع الرّيح والأغنيات
رافِعة صوتي بالقهقهَات
فأَنْسَى
أنّه هناك
وأنّني هنَا
هنا
في رَحِيلي الدّائم
إلى موتِيَ القائم.



