الجزء الأول: جسد المرأة وعين الرجل وصناعة العري والبورنوغرافيا – قراءة في كتاب “انعكاسات في عين الرجل” لـنانسي هيوستون
تثير نانسي هيوستون في كتابها انتباه القارئ إلى أنه في الغرب الحديث حصل شرخ بين الأنوثة والإغراء من جهة، والأمومة من جهة أخرى. وقد كان للصورة والسينما دور في هذا المسار إذ غابت صورة الأم لتحل محلها صورة الأنثى. إن الغرب نجح في طمس الخصوصية الأساسية والوحيدة التي تميز المرأة من المخيلة الأوربية، وهي الأمومة! وتستدرك هيوتسون قائلة “أعلم أنني سأتهم بمحاولة العودة للطبيعة وحصر مهمة المرأة في الأمومة. إننا نحب التفكير بشكل ثنائي غير مركب فإما أن تكون حاملا لفكرة وإما أن تكون ضدها ولا خيار ثالث بينهما! أنا لا أقول إن الأمومة رائعة ولا أقول إنها ضاغطة لأن الأمومة مركبة وفيها تناقضات.”
وعلى أي لا يجب أن ننسى أن غالبية النساء هن أمهات غير أن المجتمع لا يعطيهن صورة كاملة حقيقية وواقعية عن ذواتهن، ويقدم الحمل على أنه أمر هين وليس أمرا كبيرا، ولهذا يفاجأن حين يصبحن أمهات بتبعات الأمومة فيكثر عند المرأة الحديثة العهد بالولادة الإحساس بالذنب والاكتئاب، رغم تطور الطب وإمكانية الولادة بدون ألم ووجود الحليب الصناعي. ثم إن النساء يسارعن بعد الوضع لاستعادة الرشاقة والنشاط بنفس الشكل الذي كن عليه قبل الحمل والولادة، ولكونهن عاملات فالكثيرات منهن منهكات ومتعبات وخائفات. “فعندما تكون إحدانا أما عاملة بدوام كامل ثم تكون هناك أشغال البيت التي تنتظرها والتسوق والطبخ وبالتالي لا تنام جيدا وتتعب، وتتكون لدينا هالات سوداء تحت العين ونستعمل العديد من الكريمات لمحو أثرها. ورغم ذلك نصر على أننا متساويات مع الرجال!”
ورغم من أن الأب يشارك في عملية الأبوة على المستوى النفسي والاجتماعي والمادي والقانوني، ولكن من ناحية الجوانب الجنسية والنفسية فالأمر مختلف تماما، إذ أن نتائج العلاقة الجنسية تظل أثقل وأصعب على المرأة مقارنة بالرجل لارتباطها بإمكانية الحمل. وللمرأة استعداد فطري لاختيار شريكها والرجل الذي سيضع حيوانه المنوي في ذلك الموضع المعد للإخصاب (الرحم)، إن النساء يخترن ويبحثن عن الرجل الذي يعطيهن إحساسا في مظهره ومخبره بالأمان وإمكانية الاستمرار بجانبهن لمساندتهن في تربية أبنائهن. وحتى عندما تقرر المرأة ألا تنجب فالأمر يبقى مختلفا اختلافا جذريا لديها، فهي تعيش العلاقة الجنسية بروحها وجسدها وتفكيرها من خلال الحرص على استعمال موانع الحمل والأصعب منه الإجهاض! وهذه أمور لا يختبرها ولن يختبرها الرجل في جسده ولا يمكنه أن يحس بها وبوطأتها.!
وقد ظل الحمل والإنجاب كما تقول الكاتبة قدر المرأة الوحيد منذ فجر التاريخ، لكن منذ ستينيات القرن الماضي عممت حبوب الحمل وأبيح الإجهاض فكان هذا حدثا تاريخيا غير مسبوق وحاسم غير قدر النساء الغربيات فلم يعد الخوف والقلق من الحمل يسكنهن ويؤرقهن كما أرق أمهاتهن وجداتهن من قبل، وكذلك هدأ قلق الآباء والأمهات المرهق، وذاب كما تذيب الشمس الثلج الهلع والخوف من حدوث الحمل. فانطلق الإغراء الأنثوي من عقاله وانفجر على مرأى من الجميع وبالموازاة وبسرعة مذهلة مسحت الأمومة ونسيت.!
وهكذا أصبحت النساء والفتيات الغربيات يتصرفن بطريقة لم يسبق للنساء عبر التاريخ البشري أن تصرفن بمثلها. وكلنا يتذكر خريف 2011م حيث خرجت الآلاف من النساء والفتيات في العديد من دول العالم الغربي بلباس فاضح مطالبات بحقهن في أن يلبسن ما يردن وما يشتهين بحجة المساواة ورفض الحيف والتمييز الممارس ضدهن مقارنة بالذكور والرجال! وتعلق الكاتبة قائلة: ” كيف إذن نستغرب إذا توجه الرجال وبعدد متزايد إلى عوالم الجنس الافتراضية والبرنوغرافيا وعالم البغاء.”
بجانب حبوب الحمل واختراع الصورة فإن الشرخ بين الأنوثة والأمومة في الغرب له جذور فكرية أيضا، فإنسان الفكر الغربي هو كائن فرداني مستقل ومكتف بذاته، غير أن المرأة عندما تحمل فهي لم تعد فردا واحدا بل أصبحت تحمل جنينا مرتبطا ارتباطا حيويا بها ولا يمكنه العيش بدونها، وهذا الارتباط مستمر وطويل في الزمن، وهذا ما يكسر نموذج الإنسان الفرداني ويكشف نوعا من الضعف والحاجة للآخر تتناقض وذلك النموذج المتحرر من كل القيود والمتعالي عن حاجته للغير! وهذا الارتباط الحيوي، لا يوجد فقط بين الأم وجنينها بل يوجد بشكل أشمل وأعم بين البشر جميعهم. والغرب لم يعرف كيف يتعامل معه بفعل النزعة الفردانية وبالتالي تغاضى عنه وكأنه غير موجود.
إن الأمومة، تقول هيوتسون, تخرجنا من الصور الجامدة المتصلبة للحياة بشكل عام، وللمرأة بشكل خاص، فأن تحمل المرأة وأن تنجب ليس دورا تقوم به وتؤديه النساء كما تدعي نظرية النوع، بل هي مسألة متجذرة في البيولوجيا والجينات، بل هي اختلاف أساسي وجذري بين النساء والرجال نسي وسقط من أذهان عدد من المفكرين لأسباب من بينها أسباب سياسية واجتماعية وفكرية.
الطبيعة والثقافة والمساواة بين الجنسين:
أن تتحدث في أوروبا عن وجود اختلافات بين الجنسين تجعلك تقابل بردود فعل حادة وقد تواجه بالاحتقار والتنقيص ومحاولة القمع والتسلط، فلماذا يا ترى أصبح الحديث عن هذه الاختلافات “تابوها” وموضوعا مسكوتا عنه، وصعب الخوض فيه، بينما كان هذا الأمر بديهيا في العالم كله وذلك إلى حدود عصرنا هذا؟ إن لهذا الأمر، في أوروبا خاصة، علاقة بتجارب سياسية واجتماعية مؤلمة.
لقد شهدت أوروبا، ابتداء من 1930م، تطبيقا اجتماعيا وسياسيا من النازية لنظريات وتجارب وصفت بالعلمية، فكان من نتائج ذلك سن قوانين وسياسات استهدفت أفرادا ومجموعات مورس عليها التمييز والتطهير العرقي. وبعد الحرب العالمية الثانية حدث فصام بين الفلاسفة من جهة، والعلماء المنشغلين بالعلم الطبيعي من جهة، سببه الخوف من أن تستغل الاكتشافات العلمية لخلق رابط عشوائي وتعسفي بين العرق أو الجنس أو لون البشرة، وبعض الخصوصيات لتبرير سياسات القمع والتمييز والتطهير العرقي وتثبيت الحتمية الاجتماعية! فباسم “الطبيعة” قهرت النساء بحكم أمومتهن، وقهر السود لأنهم أغبياء وأقل ذكاء من البيض، وقهر اليهود لأنهم بحكم طبيعتهم مَكّارُون ومحتالون…
فأصبح الاعتراف بوجود الاختلافات الطبيعية، ونخص بالذكر هنا الاختلافات بين الجنسين، يفهم بمعنى هرمي، أي تفوق الرجال على النساء، كما يفهم كل وصف لهذا الاختلاف بمعنى الإجبار. فالمرأة مثلا تلزم بالمكوث في البيت والاكتفاء بالحمل والولادة وخدمة الرجل وطاعته..
إن النازية بنت إديولوجيتها العنصرية وسياساتها المؤلمة والسيئة السمعة على أساس ما أسمته بالفوارق الطبيعية بين البشر وتميز عرق عن باقي الأعراق، فكأنها قررت أن الطبيعة قد حددت كل شيء مسبقا، ولهذه الأسباب أصبح العديد من المفكرين الغربيين المعاصرين يرفضون فكرة الطبيعة ويتبنون النظرية التي تقول إن الإنسان منتوج ثقافي.
اليوم، نحن الغربيون -تعلق هيوتسون- نسينا أننا جزء من الطبيعة شئنا ذلك أم أبينا. لقد اخترنا ماركس بدل هتلر فكان أن قررنا أن كل شيء هو بناء ثقافي وبالتالي كل بناء يبنى ويهدم ويعاد تركيبه. فيصبح الطفل إذن صفحة بيضاء نكتب فيها ما نشاء. وهذا يقودنا للحديث عن نظرية النوع، وهو ما سنخصص له الجزء الثالث من هذه القراءة.



