حمارا سفيان الثوري ونيكوس وكازنتزاكي
لعلك تتفق معي أيهذا القارئ العزيز أن الجسد مطية الروح. ذلكم ما يقوله الدكتور محمد حامد الأحمري تحت عنوان طريف، “حمار الثوري وكازانتزاكي”، في هاتين الشخصيتين الناتجتين من عصرين مختلفين تماما، ينبهنا إلى كيف أنهما اتفقا على فكرة أن الجسد حمار يحمل الروح، فمن أكرمه بلغ به مبتغاه، ومن أرهقه أوقعه في العطب. فكازانتزاكي يخاطب جسدك في كتابه “المنشق” وكأنه يخاطب دابته: اعتن به، فليس لروحك دابة أخرى على هذه الأرض، لا ترهقه، أطعمه جيدا، لا تسقه خمرا، ولا تجعله يسرف في التدخين ولعلك رأيت الطرفة في الأمر الأخير! فمنذ متى صارت الحمير تدخن؟ إزاء ذلكم، يستحضر الأحمري سفيان الثوري، صبيحة أرسلته أمه لطلب العلم، شريطة أن يفحص أثر كل عشرة أحرف يكتبها في نفسه: فإن لم ير زيادة في الخير فلا داعي أن يتعب نفسه. ولك أن تعلم أن سفيان الثوري عاش يكرم جسده ليحمله على العبادة والصبر على طلب العلم، حتى قال يوما: إن الحمار إذا زيد في طعامه زيد في عمله، ردا على من يبالغون في تعذيب أجسادهم باسم الزهد.
وهذا التوازي بين كازانتزاكي والثوري هو المعيار نفسه الذي يطلبه الأحمري من مثقفه: ألا تكون المعرفة تراكما مرهقا وألا يكون العقل مستبدا على الجسد الذي يحمله، بل شريكا منصفا له.
ولكن لم لا نمضي قدما مع الدكتور الأحمري لنستكشف معا، بل لنستمتع برحلاته الذهنية المريحة والمرهقة في آن، المطمئنة والمرعبة كذلكم. تعال معي أيهذا القارئ النهم لنقرأ له كتابين لا كتابا واحدا. لعمري، انتبه الأحمري إلى ما لم ننتبه إليه. الكتابان صدرا بفارق أعوام فلكأنهما في الوهلة الأولى يلوح كل واحد منها وقد استقل عن صاحبه، ثم إذا فرغنا من مطالعتهما اكتشفنا أنهما في الحقيقة كتاب واحد، يفحص ذات الموضوع من زاويتين. الكتاب الأول هو “المثقف”، أما الثاني فهو “مذكرات قارئ”. وسأحاول أن أوضح لك، بأبسط ما يمكن، كيف يكمل كل كتاب منهما الآخر، وكيف أن السؤال الذي يشغل بال الأحمري في الكتابين معا هو سؤال واحد بسيط: كيف يظل القارئ المثقف حيا نشطا، فلا يموت موتا بطيئا وهو لا يزال يتنفس؟
وإنه لمخبري ومخبرك في “مذكرات قارئ” أن القراءة، “حراثة” للعقل، تقلبه وتجدده، تماما كما يقلب المحراث الأرض فيمنع عنها التصلب والموت. ذلكم عين ما سيقوله بصيغة أخرى في كتابه “المثقف”، حين يتحدث عما أسماه مالك بن نبي “كمال العقم”، الشعور الخطير الذي يصيب بعض المثقفين حين يظنون أنهم قد وصلوا، وأن ما تعلموه بالأمس يكفيهم لغدهم. ولك، أيهذا القارئ الكريم، أن تتخيل هذا الشعور وكأنه صدأ يتسلل إلى آلة كانت تعمل بكفاءة، فتتوقف شيئا فشيئا دون أن يشعر صاحبها.
قدَّاح الهمم
لتجدنَّ في “مذكرات قارئ” قداح الهمم، وهو اسم جميل يستحق أن نتوقف عنده قليلا: لأنه معني بالكتاب الذين توقظ كتاباتهم العقول النائمة، وتشعل فيها التفكير من جديد. والآن قارن هذا بما يقوله في “المثقف” عن نمط أسماه “المثقف منبها”، وهو ذلكم الذي ينبه مجتمعه إلى خطر قادم قبل أن يقع، فلا يصدّقه أحد في حينه، حتى إذا وقعت الكارثة، تذكر الناس كلامه. فكأن “قداح الهمة” الذي عرفناه في الكتاب الأول هو نفسه، بمقياس أصغر، ذلك “المثقف المنبه” الذي سيرسم صورته لاحقا على مستوى المجتمع كله.
وهذا يقودك إلى الحوار بوصفه بأنه أهم أداة يملكها المثقف، لأنه به يكتشف أخطاءه ويصقل أفكاره. وحين تقرأ هذا، تتذكر مباشرة ما رواه في “مذكرات قارئ” عن مجالسه ونقاشاته مع أهله وأصدقائه، وكيف كانت أحيانا أعمق فائدة من دروس المدرسة نفسها. والفكرة التي يريد الأحمري أن تصل إليك بسيطة وهي أن العقل الذي لا يحاور غيره يتصلب، والمثقف الذي يعيش وحده بعيدا عمن يخالفه الرأي، محكوم عليه بالجمود.
غربة القارئ وغربة المثقف
من أجمل فصول “المثقف” فصلٌ يتناول غربة الفكر والروح حين ترتقيان بالقراءة والتجربة حتى تصنعا مثقفًا بحق. في هذا الفصل يصف الأحمري معاناة العيش على التخوم: بين الثقافة المحلية وثقافات العالم، وبين قناعات المثقف والضغوط المحيطة به. ولعمري، إنها غربة مزدوجة: غربة يفرضها الآخرون بالإقصاء، وغربة داخلية تنشأ من شعوره بأنه لا ينتمي كاملًا إلى أي طرف. والطريف أنك تجد هذه الغربة نفسها في “مذكرات قارئ”، حين يعترف الأحمري بأنه كان يدرك، وهو يكتب، أن القارئ الموسوعي إنسان نادر في زمانه؛ وحيد في رحلته الطويلة مع الأدب والفلسفة والتاريخ والشريعة، لا يشاركه مشاق رحلته أحد! لربتما شاركته طائفة إذا كتب فنشر.
ولئن كان “المثقف” كتابا يرافق مشاق المثقفين بفحص موضوعي فإن “مذكرات قارئ” كتاب اعترافات واغتراب واقتراب. كلا الكتابين يوصلانك إلى نتيجة واحدة ألا وهي أن وحدة صاحب الفكرة ليست بعيب فيه…
القارئ الناقد
في سرد مدهش مهول لعدد الكتب التي قرأها الأحمري إشارة لعناوين بعض الكتب، لكن من المهم التأكيد على أنه لا يقول إنه ليوصي بها، وإن أي ملاحظة نقدية له على كاتب لا تعني إسقاطه كليا، لأن رأيه في النهاية اجتهاد بشري يخطئ ويصيب. ذلكم بالضبط هو المعيار الذي يستخدمه في “المثقف” حين يفرق بين “المثقف الناقد”، الذي يقترح البديل ولا يكتفي بالهدم، و”المثقف القاسي”، الذي تتحول انتقاداته إلى عداء صريح يفقده مصداقيته. فالقراءة عند الأحمري تمرين أخلاقي قبل أن تكون تمرينا معرفيا، والنقد الثقافي امتداد طبيعي لهذا التمرين، لا انفصال عنه.
من عطب القارئ إلى عطب المثقف
يخصص الأحمري في “المثقف” فصلين متتاليين لآفتين خطيرتين ألا وهما الجمود، الذي هو التمسك بأفكار قديمة تجاوزها الزمن، والخمول، وهو الانسحاب الكامل من أي فعل ثقافي رغم امتلاك المعرفة. وإني لأراك إن قرأت “مذكرات قارئ” جيدا، لوجدت أنه علاج وقائي من هاتين الآفتين معا؛ فهو نذير يحذرك من خطر هيمنة كاتب واحد أو فن واحد عليك، ولربتما مضى أكثر فنعت تلكم الهيمنة بالاستبداد الذي يبعد القارئ عن هدفه الحقيقي. لعمري لئن نظرت كرتين لجثم أمامك ذات الجمود الفكري إنما في تمثال مصغر رخامه فكرة واحدة.
القراءة والثقافة والأمانة
إن الأحمري لعلى علم واسع بما جاء به جوليان بندا في كتابه المشهور عن خيانة المثقفين، ويرصد أشكال هذه الخيانة: الانحياز لمصالح ضيقة، الصمت الجبان أمام الظلم، واستخدام المعرفة لخدمة القوة. وهذا الهاجس بالأمانة تجده أيضا في “مذكرات قارئ”، حين يصر الأحمري على أن ينسب كل فكرة إلى صاحبها متى استطاع، ويترك ما لا يستطيع نسبته دون أن ينسبه لنفسه. فالكاتب الذي رفض أن يخون أمانة النقل عن الآخرين في كتابه الأول عن القراءة، هو نفسه الذي طالب لاحقا بأن يكون المثقف أمينا على الحق العام. فالأمانتان، الصغيرة والكبيرة، وجهان لعملة واحدة.
كيف نقرأ
الصفحة بعد الصفحة، لا يكتفي الأحمري بمديح القراءة، بل يسعى لأن يساعدك، عمليا، كيف تقرأ. يستشهد الأحمري بألدوس هكسلي، الذي قال إن من يحسن القراءة يستطيع أن يوسع قدراته ويتعدد. لعمري هذه الفكرة تختصر ما سيبنيه لاحقا عن التكوين المعرفي المستمر؛ فالمثقف الذي يكتفي بكتاب واحد في العام يتحدث عنه طوال العام هو عكس قارئ هكسلي المتعدد الوجوه تماما. ثم إنه لمستحضر لك نصيحة ابن رشد بألا يتعلم المرء أكثر من علم واحد في وقت واحد، بغية ألا يتشتت ذهنه. لربتما ظننت أن هذه النصيحة تناقض دعوته إلى تنويع القراءة، لكنها في الحقيقة تكملها؛ فالتنويع ها هنا أفقي، عبر الزمن، لا في اللحظة الساكنة.
ثم إن القراءة عند الأحمري ليست حفظا لمعلومة، إنما هي حوار مع النص، أخذا فردا. ثم إنه ليبدي لك عدم رضاه عن ظاهرة الصحفي والسياسي اللذين يسكنهما شغف الحديث عن الإصدارات الجديدة حتى لكأن المعرفة فيما لم يصل بعد إلى جمهور القراء، وإنك لتعلم أيهذا القارئ العزيز أن الأصح هو أن يُقرأ كل نص جديد بما سبقه من نصوص. ثم إن الخطر عنده بل أعظم الخطر هو اجترار كثير من المثقفين لكتب قد مضت عليها أعوام، ربتما دهور. إنه لمحذرك من “المثقف حاكما ميتا”، ذلكم لعمري وعمرك الذي يُخضع الحاضر بالكامل لسلطة الماضي. فالاعتدال في الأخذ من القديم وتقبل الجديد المفيد هو ما يطلبه الأحمري.
متعة القراءة وخطر التيه الأعمى
في الفصل الأول من “مذكرات قارئ”، يشير الأحمري إلى نقطة مهمة؛ وهي التوسع في القراءة بعيدا عن أهل الخبرة قد يكون ضرره أكبر من نفعه. عليه، فهو ينصح بأن يستمع القارئ لأهل تخصصه، حتى إذا تاه في بحر المعرفة، وجد جزيرة يرسو عندها. وإنك لواجد ذلكم في “المثقف”، حين يتحدث عن التخصص بوصفه أساسا يبنى عليه العقل المنهجي بتؤدة تصحبها النصيحة، من قبل أن يتجاوز المثقف التجويد إلى الرحابة العامة.
وإن الأحمري لمباغتك بأن الأفكار، تكون طورا مصدرا للسعادة، وتكون تارة مصدرا للشقاء ففيها نوافذ تدخل إليك النور والضياء مثلما تدخل الظلمة والعتمة، ثم إن الأفكار لا تترك صاحبها مرتاح البال، بل تدفعه أطورا إلى أبعد مما يتصوره الخيال، فالأفكار إما أن تعيدك أرشد مما كنت، وإما أن تعتصرك بما لا تطيق من ضيق. ذلكم يفسر لك لماذا يتحدث الأحمري عن غربة المثقف بوصفها ثمنا لحمل الفكرة، فربتما كانت الفكرة تنويرا وربتما كانت إنهاكا.
وإنه ليحكي لك حكاية دارون، الذي ألح عليه والداه أن يترك القراءة خشية أن يغرق فيها مبكرا، ويتذكر إلحاح والديه هو نفسيهما عليه بالتخفيف من القراءة بحجة الخوف على عينيه، وهو في الحقيقة خوف على عقله. ويستحضر أيضا كاتبا آخر ذكر في كتابه “متعة القراءة” أن والده خاف عليه من كثرة القراءة دون مبرر حقيقي، فهو ما زال يقرأ بعد السبعين بلا نظارة. وهذه القصص المتشابهة، شرقا وغربا، تذكرنا بما يقوله الأحمري عن غربة المثقف بين قناعاته وضغوط من حوله، وإن كانت هنا غربة أسرية صغيرة قبل أن تصبح غربة اجتماعية كبيرة. ويختم هذه الفقرة بإشارة مهمة: أن ذلك الكاتب وضع في كتابه قوائم قراءة تمتد لعشر سنوات من الفكر الغربي، فرأى الأحمري أن مثل هذه القائمة تستحق نظيرا في عالمنا العربي، فكتب ملحقا قصيرا يقترح فيه بعض القراءات المهمة. وهذا مثال عملي لما يطلبه في “المثقف” من التكوين المعرفي المستمر؛ فهو لا يكتفي بالحديث عن أهمية القراءة، بل يضع لك خطة فعلية تسير عليها.
بين المعرفة والمهارة والرغبة
ما يأخذك مع الأحمري شرحه لك كيف تتحول القراءة إلى عادة، مستعيرا من ستيفن كوفي فكرته عن العادة، وهي أنها تجمع بين ثلاثة عناصر: المعرفة، والمهارة، والرغبة. غياب أي من هذه العناصر الثلاثة يجعل تحويل أي ممارسة إلى عادة راسخة أمرا صعبا. بيد أنه لمحذرك من خطر أن يصل انسجامك مع كتبك إلى حد الذوبان فيها، فتقرأ دون تفكير حقيقي فيما تقرأه. عليه، فهو لك من الناصحين بأن تتوقف بعض الأحايين عن القراءة المستمرة، لتراجع ما قد قرأته بعين ناقدة. لعمري ذلكم لتحذير من الذوبان في المقروء. ثم إنه ربتما مضى أبعد من ذلك متحدثا عن “المثقف مغفلا”، ذاك الذي يستخدمه غيره كأداة دون أن يدرك ذلك، لكن لا تغتم، أيهذا القارئ العزيز فالأحمري يتحدث بحماس الواعي عن المثقف الناضج الواعي بتحيزاته.
كيف يصنع العقل النابه
أمتعني الأحمري ولعله بممتعك ساعتما يروي فضل أستاذ أيقظ فيه الشوق للتفكير المستقل، حتى أصبح الظلم غريبا على عقله. ذلكم الوفاء لصاحب الفضل الأول يذكرك بما قاله عن الحوار الثقافي، بوصفه بمورد المثقف الذي به يكتشف نفسه ثم به ينقح أفكاره؛ ولي ولك أن نعلم أيهذا القارئ العزيز أن الأستاذ ها هنا ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل شريك حقيقي في حوار يصقل به تلميذه بما في التلميذ من استعداد فطري وملكات كامنة كمون الجمرة تحت الرماد، ما كان لها أن تشتعل إلا برفدها بالماء والزيت المضيء. ثم إن الأحمري ليضيف فكرة أخرى مهمة وهي أن الإنسان، إن لم يجد أستاذا، فلا غنى له عن قرين ينافسه ويدفعه للتقدم، تماما كأغصان الأشجار التي تتزاحم لتحوز أكبر قدر من الضوء. ومن لم ينافسه أحد، قل شأنه. وهذه الصورة تكاد تكون شرحا عمليا لما يطلبه في “المثقف” من ضرورة الحوار والمجادلة، سواء أكان الطرف الآخر قرينا أم خصما؛ مستشهدا بمذكرات جون ستيوارت مل، الذي حظي بأب علمه في البيت بنفسه بدل المدرسة، واصطحبه في نقاشاته وأسفاره، حتى شاركه لاحقا في تحرير كتبه الأولى. تلكم السيرة، بتلكم التربية الخارجة عن المألوف، مثال حي لما يصفه الأحمري في “المثقف” عن البيئة الصالحة، التي تخرج عقلا قادرا على المساءلة.
أمناء الكتب وقوائم القراءة
أمتعني كأحسن ما يكون الامتاع الملغز الغامز سرد الأحمري عن مجموعة ممن عملوا أمناء لمكتبات كبرى عبر التاريخ، من أمين مكتبة هانوفر الذي عرضت عليه لاحقا أمانة مكتبة الفاتيكان، إلى ليسنج الذي ألف كتابه “تاريخ القراءة” وهو يعمل أمينا لمكتبة. ولا ينسى نظراءهم من علماء المسلمين، مثل ابن حجر العسقلاني والمعلمي اليماني صاحب “التنكيل”. ويذكر أيضا المفكر تزفيتان تودوروف، الذي ورث عن أبيه، وكان أمين مكتبة، بيتا مليئا بالكتب. هذه السلسلة من أمناء الكتب، شرقا وغربا، هي تجسيد حي لما يصفه الأحمري في “المثقف” عن “بيئة المثقف”، تلك البيئة التي تحتضن جزر المعرفة قبل أن يرفع التربة فيخرج إلى العالم نباتا ذا غصون نضيدة باسقة.
القارئ الغارق والمثقف الغائب عن اللحظة
يستشهد الأحمري بقصة قصيرة ساخرة لكاتب ألماني، بطلها قارئ منعزل عن العالم، غارق في القراءة دائما، حتى إن قريته حين تغزوها عصابة، يظل منشغلا بكتابه، حتى يلكزه أحدهم ليخرجه من بين كتبه، فيحتج قائلا: كيف تزعجني وأنا أقرأ! وحين يقتنع أخيرا بالخروج للدفاع عن قريته، يجد نفسه، وهو في موقعه على الجبهة، يبحث بين الركام عن شيء يدفئ يديه، فيجد كتابا، فينسى كل شيء وينغمس فيه، حتى حين يقترب العدو وينادي عليه رفيقه محذرا، لا يجيبه إلا بأن يقول “بقي فصل قليل من الكتاب”. فيكتشفهما العدو ويرديهما قتيلين!
هذه القصة الطريفة تختصر بدقة ما يحذر منه الأحمري حين يتحدث عن فاعلية المثقف؛ فالفاعلية تعني الحضور في اللحظة المناسبة، لا انتظار اكتمال الصورة. والمثقف الفعال هو من يتحول من مجرد الشعور بالمسؤولية إلى الفعل الحقيقي. وقارئ هذه القصة هو الصورة القصوى لذلك المثقف المنعزل الذي ينتج عزلة بين الفكر والحياة؛ فحتى أنبل فكرة تصبح خيانة لصاحبها إن ألهته عن واجب اللحظة.
الأعراض الانسحابية لمدمني القراءة
أسعدتني من الأحمري، كذلكم، طرائف عن عشاق الكتب، منها قصة نيكوس كازانتزاكي، الذي سافر إلى روسيا فكتب إلى زوجته يشكو أن أكثر ما يزعجه هو خلو يده من أي كتاب، حتى إنه حاول أن يشتري كتابا في النحو الصيني لمجرد أن يطلع على سر تلك اللغة، لفرط حاجته إلى صحبة كتاب أيا كان. فيعلق الأحمري بظرافة: لو كان كازانتزاكي حيا لراهنه على أنه لن يخلو من كتاب في مكان ما من متاعه، فهؤلاء القراء الكبار لا يعيشون بلا كتب. وهذه الصورة، صورة القلق من خلو اليد من كتاب في أرض غريبة، هي أصدق تجسيد لما يصفه الأحمري في “المثقف” عن التكوين المعرفي المستمر، بوصفه زادا لا ينقطع؛ فحين ينقطع القارئ الكبير عن الكتاب، ينقطع عن جزء من كيانه، تماما كما ينقطع المثقف عن وظيفته حين يتوقف عن طلب المعرفة. ثم يتتبع الأحمري كازانتزاكي إلى إصراره على الكتابة رغم المرض، حتى تتورم يده من كثرة الكتابة. ويقارنه بدوستويفسكي، الذي ظل هو الآخر يكتب ويصحح رغم مرضه. أما نيتشه، وكان الأشد مرضا، فكان يخرج يده المرتعشة من البرد ليكتب كلمات قليلة، ثم يدسها في اللحاف ليدفئها، ثم يخرجها مرة أخرى ليكتب فكرة جديدة. ها هنا ويتساءل الأحمري: هل كان دافع هؤلاء مقاومة الفناء، وبقاء الذكر بعدهم، كما قال شوقي إن الذكر للإنسان عمر ثان. وهذا الإصرار هو بعينه ما يطلبه الأحمري من التزامات المثقف تجاه نفسه؛ فالعمل الجاد على تنمية القدرات المعرفية لا يتوقف عند حد المرض، والمثقف الذي يستسلم لعذر العجز الجسدي ليس أقل خيانة لرسالته ممن يخونها لمصلحة أو خوف. وتحضرني ها هنا وأنا أختم هذا المقال، ضحكة للطيب صالح إذ زارني بمجرد قطعه لرحلة له إلى قرية نائية من قرى الريف السويسري. قال قصدت السفر والبعد لأني كنت أنشد الخلوة والابتعاد عن الكتب والكتابة. فلما مر أسبوع واحد تغيرت حالتي ثم ساءت مع بداية الأسبوع الثاني فسألت أهل القرية هل ثمة مكتبة قريبة فأجابوا لا، لكن ثمة من يبيع الجرائد في كشك صغير في القرية المجاورة، ضحك ثم استأنف مشيت قرابة الساعة حتى بلغت كشك الجرائد في القرية المجاورة. ولما دفعت الفرنكات القليلة وأعطاني البائع صحيفة مكتوبة باللغة الإنجليزية شعرت بمثل شعور المدخن الذي وجد سيجارة من بعد أن بدأت الحالة الانسحابية للنيكوتين تملأ كفيه وشفتيه بالارتعاش. ثم إنه سكت ثم إنه أغرق في الضحك ثم أردف: شعرت شعور شخص يحب اللحم والدهن والشواء والزفر وحرم منه حتى أصابه الخَرَم!



