لم يتشكل النظام الدولي الحديث في فضاء سياسي محايد، وإنما داخل سياق تاريخي ارتبط بصعود الإمبراطوريات الأوروبية واتساع المشروع الاستعماري منذ القرن التاسع عشر. وقد فرض هذا السياق على المعرفة السياسية، وعلى القانون الدولي، وعلى حقل العلاقات الدولية الناشئ، أن تتبنى تصورات محددة حول العالم وشعوبه، بحيث أصبحت مفاهيم السيادة والحضارة والتقدم مرتبطة بتقسيم البشرية إلى مراتب متفاوتة من التطور. وضمن هذا الإطار، احتل العِرق (Race) موقعا مركزيا في بناء النظام الدولي، إذ أسهم في تحديد من يمتلك حق ممارسة السيادة، ومن يشارك في صناعة قواعد النظام العالمي، ومن ينظر إليه باعتباره موضوعا للإدارة أو الوصاية أو التدخل. ولهذا السبب، أخذت الدراسات النقدية خلال العقدين الأخيرين تعيد قراءة تاريخ العلاقات الدولية من خلال سؤال العِرق، معتبرة أن فهم الحقل يقتضي العودة إلى أصوله الإمبراطورية، والكشف عن الأسس الفكرية التي رافقت نشأته.
وتقود هذه العودة إلى ما عرف في القرن التاسع عشر بـ العنصرية العلمية (Scientific Racism)، وهي منظومة فكرية ادعت تفسير الفوارق بين الشعوب اعتمادا على أسس بيولوجية وتشريحية، وسعت إلى منح المشروع الإمبراطوري شرعية علمية. وقد تشكلت هذه المنظومة من مجموعة من النظريات التي التقت جميعها عند فكرة تفوق الإنسان الأوروبي الأبيض. فقد قدمت الداروينية الاجتماعية الهيمنة الأوروبية بوصفها نتيجة طبيعية لقانون “البقاء للأصلح”، بعد نقل هذا المبدأ من علم الأحياء إلى المجتمعات البشرية. وادعت الفِرينولوجيا (Phrenology) إمكانية التعرف إلى القدرات العقلية والسمات الأخلاقية للإنسان من خلال دراسة شكل الجمجمة وتضاريسها الخارجية، في حين اعتمدت الكريانيومتريا (Craniometry) على قياس حجم الجمجمة وأبعادها وربطها بدرجات الذكاء والتفوق العقلي. وانتهت هذه الدراسات إلى تصنيف هرمي للأعراق، ووضعت الأوروبيين في قمة السلم الحضاري، بينما نسبت إلى الشعوب الأفريقية والآسيوية صفات العجز العقلي وعدم النضج السياسي. وقد فقدت هذه النظريات قيمتها العلمية مع تطور علوم الوراثة والأنثروبولوجيا، غير أن أثرها السياسي ظل عميقا، لأنها وفرت للإمبراطوريات الأوروبية خطابا يبرر الاحتلال والتوسع بوصفهما مهمة حضارية تستهدف نقل التقدم إلى الشعوب “الأقل تطوراً”.
انعكس هذا التصور بصورة مباشرة على نشأة العلاقات الدولية بوصفها حقلا معرفيا. ففي كتاب “الانضباط الإمبراطوري: العِرق وتأسيس حقل العلاقات الدولية” (2020)، يذهب ألكسندر ديفس وفينيت ثاكور وبيتر فايل إلى أن العلاقات الدولية لم تتطور بعيدا عن المشروع الإمبراطوري، وإنما نشأت في أحضانه، واكتسبت مفاهيمها الأساسية من الخبرة الاستعمارية الأوروبية. فقد احتاجت الإمبراطوريات إلى معرفة تساعدها على تصنيف الشعوب، وإدارة المستعمرات، وتنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، الأمر الذي جعل الحقل يؤدي وظيفة سياسية بقدر ما أدى وظيفة أكاديمية. ومن ثم اكتسبت مفاهيم مثل “الحضارة” و”التقدم” و”النظام الدولي” مضامين عرقية واضحة، حيث اقتصر الاعتراف الكامل بالسيادة على الدول الأوروبية، بينما صنفت المجتمعات الواقعة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ضمن كيانات غير مكتملة التطور، تحتاج إلى الإشراف الأوروبي حتى تبلغ مستوى الدولة الحديثة.
وتقدم تجربة جنوب أفريقيا نموذجا يكشف العلاقة الوثيقة بين العنصرية وبناء المؤسسات الدولية. فقد كان رجل الدولة الجنوب أفريقي يان سمَتس أحد أبرز المشاركين في صياغة نظام الانتداب الذي اعتمدته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. واستند هذا النظام إلى فكرة التدرج الحضاري للشعوب، حيث منحت القوى الأوروبية حق إدارة أقاليم واسعة في أفريقيا والشرق الأوسط بدعوى إعدادها للاستقلال. وقد حافظ الانتداب على جوهر العلاقة الاستعمارية، مع استبدال الاحتلال المباشر بخطاب قانوني وأخلاقي يقوم على الوصاية والتوجيه. وتبرز هذه الحالة كيف انتقلت العنصرية العلمية من الجامعات والمختبرات إلى مؤسسات النظام الدولي، فتحولت إلى جزء من القواعد التي نظمت العلاقات بين الشعوب والدول.
وتنسجم هذه القراءة مع ما يطرحه أميتاف أشاريا وباري بوزان في كتاب “تشكيل العلاقات الدولية العالمية” (2019)، حيث ينتقدان السردية التقليدية التي تجعل سنة 1919 نقطة البداية الحقيقية للعلاقات الدولية، ويؤكدان أن معظم مفاهيم الحقل تشكلت خلال القرن التاسع عشر في ظل التوسع الإمبراطوري الأوروبي. ويشير المؤلفان إلى أن العنصرية العلمية كانت إحدى الأيديولوجيات التي أعادت تشكيل النظام الدولي الحديث إلى جانب الليبرالية والقومية والاشتراكية، وأسهمت في ترسيخ التمييز بين عالم “متحضر” يحتكر إنتاج المعرفة والقانون، وعالم آخر ينظر إليه باعتباره موضوعا للتحديث والإصلاح. وقد أدى هذا التصور إلى تحويل التجربة الأوروبية إلى معيار عالمي تقاس عليه بقية المجتمعات، فأصبحت الدولة الأوروبية الحديثة النموذج الذي تقاس به شرعية جميع الكيانات السياسية الأخرى، في حين همشت التجارب السياسية والحضارية خارج أوروبا، واستبعدت مساهماتها من تاريخ العلاقات الدولية.



