في كتابه الصادر أواخر العام الماضي 2025 عن منشورات جامعة إدنبرة تحت عنوان Traces of the Prophets: Relics and Sacred Spaces in Early Islam («آثار الأنبياء: الذخائر والبقاع المقدسة في صدر الإسلام»)، يقدّم المؤلف آدم بورسي صورة جديدة لمرحلة صدر الإسلام من خلال دراسة دور المتعلقات المادية، والطقوس، والأماكن المقدسة في تكوين المجتمعات والهويات الإسلامية.[[1]]
ويحلل بورسي مجموعة واسعة من المصادر العربية لإثبات أهمية الآثار والأماكن المقدسة في صدر الإسلام، ويخلص من هذا البحث والاستقصاء الموسّع إلى قراءة جديدة لتاريخ الإسلام المبكر، تُشدّد على دور الآثار الدينية والأماكن المقدسة في تشكيل الوعي الإسلامي الأول. وتنطلق هذه الرؤية التي يطرحها المؤلف من فكرة أساسية مفادها أن الإسلام في قرونه الأولى لم يتكوّن فقط عبر النصوص والعقائد والجدالات الفقهية، بل أيضًا عبر علاقة المسلمين بالأماكن المرتبطة بالأنبياء، مثل آثار أقدام النبي إبراهيم (عليه السلام) في مكة، وقبر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة، وغيرها.
ويرى بورسي أن الصورة الشائعة التي تفترض وجود رفض إسلامي مبكر وحاسم لتبجيل الآثار والقبور هي صورة مبسّطة وغير دقيقة تاريخيًا. فمن خلال تتبع الروايات، والطقوس، والممارسات المرتبطة بقبور الأنبياء، ومواضع الصلاة، وآثار الأقدام، والأضرحة، يبيّن الكتاب أن المسلمين الأوائل انخرطوا في نقاش واسع حول معنى القداسة وحدود التبرك، وأن هذه القضايا كانت جزءًا من عملية بناء الهوية الإسلامية نفسها.
ويتناول الكتاب عددًا من الأمثلة المركزية، من بينها «مقام إبراهيم» في مكة بوصفه أثرًا ماديًا ارتبط بإبراهيم، عليه السلام، وتحول إلى عنصر أساسي في الشعائر الإسلامية، إضافة إلى قبر النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – في المدينة، وما أُثير حوله مبكرًا من أسئلة تتعلق بالزيارة، والتبرك، وحضور النبي الروحي بعد وفاته. كما يناقش المؤلف تحوّل الأماكن التي صلى فيها النبي إلى مواقع يقصدها الناس طلبًا للبركة، بما يعكس أهمية مفهوم «الأثر» في الثقافة الإسلامية المبكرة.
ويضع الكتاب هذه الظواهر في سياق أوسع يعود إلى عالم «العصور القديمة المتأخرة»، حيث كان تقديس الآثار والأماكن المقدسة جزءًا شائعًا من التدين اليهودي والمسيحي في الشرق الأدنى. ومن ثم يرى المؤلف أن المسلمين الأوائل لم ينشؤوا في فراغ ديني، بل ورثوا كثيرًا من التصورات السائدة حول القداسة والبركة، ثم أعادوا صياغتها ضمن إطار إسلامي خاص.
ولا يُدخل المؤلف نفسه حقيقةً، في قضية الدفاع الفقهي أو العقائدي عن التبرك أو زيارة القبور، بقدر ما يسعى إلى تقديم قراءة تاريخية تُظهر تعقيد الممارسات الدينية في الإسلام المبكر، وتكشف أن الجدل حول الآثار والأضرحة كان حاضرًا منذ البدايات الأولى، وليس مجرد ظاهرة متأخرة. ومن هنا تبرز أهمية الكتاب باعتباره محاولة لفهم الإسلام المبكر بوصفه دينًا تشكّل أيضًا عبر حضور ملموس للأماكن، والرموز، والآثار المادية، وليس عبر النصوص والأفكار المجردة وحدها.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف آدم بورسي باحث وأكاديمي حاصل على درجة الدكتوراه في دراسات الشرق الأدنى من جامعة كورنيل في نيويورك، وقد شغل مناصب بحثية وتدريسية في جامعة تينيسي، ومتحف ومكتبة هيل للمخطوطات في ولاية مينيسوتا الأمريكية، وجامعة أوترخت في هولندا. كما شارك في تحرير كتاب دراسات أندلسية ويهودية عربية ودراسات أخرى في الشرق الأدنى (دار بريل للنشر، 2020)، ونُشرت مقالاته في مجلاّت لقاءات العصور الوسطى، وأرابيكا، ودراسات في العصور القديمة المتأخرة، وغيرها.
[[1]]https://edinburghuniversitypress.com/book-traces-of-the-prophets.html



