في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، تحت عنوان “Israel’s Slow War on the West Bank” (الحرب الإسرائيلية البطيئة في الضفة الغربية)، يقول الكاتب روب جيست بينفولد إن شهر أبريل/نيسان الماضي من العام الجاري 2026 كان بمثابة لحظة انتصار لحركة الاستيطان الإسرائيلية. فعلى مدى سنوات، ضغطت الحركة على الحكومة الإسرائيلية للتراجع عن قرارها الصادر عام 2005 بإزالة العديد من المستوطنات من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. [[1]]
وقد أثمرت جهود الضغط في الشهر الماضي، إذ أعادت إسرائيل رسميًا تأسيس مستوطنة صانور، آخر المستوطنات الأربع التي تم إخلاؤها من الضفة الغربية عام 2005، بهدف إعادة تقنينها. وبذلك يكون المستوطنون قد أزالوا أخيرًا جميع آثار الانسحاب من الضفة الغربية.
وقد وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تقنين وضع مستوطنة صانور بأنه “تصحيح تاريخي”، بينما زعم زعيم المستوطنين يوسي داغان أن إسرائيل نجحت أخيرًا في “إعادة عقارب الساعة إلى الوراء”.
لكن إسرائيل تفعل أكثر من مجرد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في الضفة الغربية؛ إذ تخلق واقعًا جديدًا سيقضي – على حد تعبير سموتريتش – على قيام الدولة الفلسطينية نهائيًا. وتتلخص وسائلها لتحقيق ذلك في ثلاثة محاور: توسيع المستوطنات، وإجبار الفلسطينيين في الضفة الغربية على العيش في مساحات جغرافية أصغر، وفوق كل ذلك زيادة الضغط على السلطة الفلسطينية.
وتدفع هذه الحملة، التي بدأت قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتصاعدت وتيرتها على نحو ينذر بالخطر، الوضع الراهن المتأزم في الضفة الغربية إلى حافة الانهيار. وإذا لم يٌكبح جماحها، فإنها تهدد بتقويض الوضع القائم منذ اتفاقية أوسلو، مما يؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية.
وقد أصبح سموتريتش اليوم صاحب القرار الفعلي في الضفة الغربية بشكل متزايد. وقد بدأ ذلك في أواخر عام 2022، عندما عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى السلطة، ومعه سموتريتش وزيرًا للمالية، وقد أنشأ نتنياهو للأخير منصبًا جديدًا في وزارة الدفاع يُخوّله الإشراف على التخطيط العمراني والبناء والبنية التحتية في الضفة الغربية.
وبهذه الخطوات، نقل نتنياهو سلطة إدارة التطورات في الضفة الغربية من الجيش الإسرائيلي، الذي كان يفضّل تقليديًا الحفاظ على الهدوء، إلى سموتريتش. ومنذ ذلك الحين، أخذت سياسة الحكومة الإسرائيلية قي تأجيج العنف في أرجاء الضفة. فبعد هجمات فلسطينية أسفرت عن مقتل إسرائيليين اثنين في فبراير/شباط 2023، اجتاح المستوطنون بلدة حوارة. ثم ألغت الحكومة الحظر المفروض على دخول الإسرائيليين إلى المناطق التي تم إخلاؤها خلال عملية الانسحاب عام 2005.
وقد شهد عام 2023 تأسيس عدد من البؤر الاستيطانية يفوق أي عام سابق. ومع ازدياد عدد المستوطنين، تصاعد العنف.
وقد استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في التصاعد. ففي السابق، كان وجود القوات الإسرائيلية نادرًا في مدن الضفة الغربية، باستثناء الخليل والقدس، لكن هذا الوضع تغيّر. ففي يناير/كانون الثاني 2025، أطلقت إسرائيل “عملية الجدار الحديدي”، التي منحت جيشها تفويضًا واسعًا لدخول المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية.
وقد تضاعفت تقريبًا هجمات المستوطنين على الفلسطينيين بين عامي 2022 و2025. ونتيجة لذلك، قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية – معظمهم من المدنيين – على يد الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وقد رافق ذلك تحولات جذرية على المستوى السياسي. فمنذ بروتوكولات باريس لعام 1994، كانت إسرائيل تُحوّل الرسوم الجمركية على البضائع المتجهة إلى الضفة الغربية إلى السلطة الفلسطينية. لكن سموتريتش، بصفته وزيرًا للمالية، أنهى هذه السياسة، مما حرم السلطة الفلسطينية فورًا من أكثر من 50% من دخلها السنوي. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، حجبت إسرائيل أكثر من 5 مليارات دولار من عائدات الضرائب.
ونتيجة لذلك، قامت السلطة الفلسطينية – وهي أكبر جهة توظيف في الضفة الغربية – بحجب جزء من رواتب جميع موظفيها، إذ يتقاضى كثير منهم أقل من 40% من أجورهم.
وفي غضون ذلك، تضاعفت نسبة البطالة في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر، مع تشديد إسرائيل قبضتها على الفلسطينيين الذين يعبرون الحدود بحثًا عن العمل. ونتيجة لذلك، انخفض عدد العاملين، بينما عانى كثير ممن بقوا في وظائفهم من انخفاض كبير في رواتبهم.
كما تمارس إسرائيل عمليات تهجير جماعي ممنهجة، مما يزيد الضغط على السلطة الفلسطينية التي تعاني من ضائقة مالية. ووفقًا لمنظمة «بتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان، فقد تم إخلاء 59 تجمعًا فلسطينيًا بالكامل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، كما شهدت تجمعات أُخرى عمليات تهجير جزئية. ويعود ذلك في المقام الأول إلى عنف المستوطنين.
كما أن هذه العمليات ليست عشوائية؛ إذ تقع الغالبية العظمى منها في المنطقة (ج)، وهي الجزء الذي تسيطر عليه إسرائيل من الضفة الغربية سيطرة سياسية وعسكرية كاملة، حيث يقطن معظم المستوطنين. ويشير ذلك إلى أن الحكومة الإسرائيلية وحركة الاستيطان تعملان معًا على إخلاء المنطقة (ج) من سكانها، ودفع الفلسطينيين نحو المنطقتين (أ) و(ب)، حيث تمارس السلطة الفلسطينية سيطرة أكبر.
وفي غضون ذلك قام الجيش الإسرائيلي بطرد ما يصل إلى 40 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وفي الوقت الذي تعرقل فيه إسرائيل البناء الفلسطيني، فإنها في الوقت نفسه تمنح الضوء الأخضر لبناء المزيد من المستوطنات. فبين 7 أكتوبر ومنتصف مارس، أنشأ المستوطنون 152 بؤرة استيطانية جديدة في أنحاء الضفة الغربية. كما أضفت الحكومة الإسرائيلية الشرعية بأثر رجعي على العديد من هذه البؤر، مما يسمح بربطها بشبكات الطرق والكهرباء والمياه.
وتحتاج هذه المستوطنات، بمجرد إنشائها، إلى الحماية. ونتيجة لذلك، أنشأ الجيش الإسرائيلي 220 نقطة تفتيش جديدة منذ 7 أكتوبر. ويأتي كل ذلك على حساب الفلسطينيين، إذ يطيل تنقلاتهم، ويعوق التنمية الاقتصادية، ويصعّب حصولهم على السلع الأساسية.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/05/01/west-bank-israel-settlers-violence-palestinian-authority-smotrich/



