في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، تحت عنوان: “Iran Is Calling the Shots Now” (إيران تُسيطر على زمام الأمور الآن)، يقول الكاتب مايكل هيرش إن إيران لم تصبح بعدُ “فيتنام أخرى”. فلا توجد قوات برية أمريكية تتكبد خسائر فادحة، ولا عناوين رئيسية تُحصي عدد القتلى هذا الأسبوع، ولا احتجاجات ضخمة مناهضة للحرب في شوارع الولايات المتحدة. لكن الضغط الذي تمارسه طهران على دونالد ترامب يُشبه إلى حدٍّ كبير ما أربك الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون في فيتنام. وهذا يُشبه، إلى حدٍّ بعيد، استراتيجية النصر التي اتبعها الزعيم الفيتنامي هو تشي منه، بإصرار شديد. [[1]]
فبرفضها إجراء محادثات لإنهاء الحرب سريعًا، وإجبارها ترامب على تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى — وهو ما أصرّ الرئيس على عدم فعله قبل أيام فقط — يبدو أن القيادة الإيرانية الحالية تتبع نهج هو تشي منه.
وقد استطاع هو تشي منه وخليفته لي دوان، في ستينيات القرن الماضي، هزيمة قوتين إمبرياليتين غربيتين: فرنسا أولًا، ثم الولايات المتحدة، بفهمهما تلك الحقيقة التي يبدو أن طهران تفهمها اليوم، وهي أن المعتدين القادمين من بعيد، مهما بلغت قوتهم، سيملّون الحرب قبل أن يملّ أصحاب الأرض. وكما قال هو تشي منه للمستعمرين الفرنسيين عام 1946: “بإمكانكم قتل عشرة من رجالنا مقابل كل رجل نقتله منكم، ولكن حتى مع هذه الغلبة، ستخسرون وسننتصر”.
وقد رفض هو تشي منه ولي دوان، مرارًا وتكرارًا، مناشدات جونسون المتزايدة بالتفاوض، تمامًا كما تُذل طهران ترامب الآن. وفي رسالة كتبها إلى جونسون عام 1967، أوضح هو أنه لن ينظر في الدخول في مفاوضات حتى “الوقف غير المشروط للغارات الجوية الأمريكية وجميع أعمال الحرب الأخرى”، مضيفًا أن “الشعب الفيتنامي لن يخضع للقوة أبدًا، ولن يقبل بالمفاوضات تحت تهديد القنابل”.
وقد كان جونسون يُبدي استياءً شديدًا من تعنّت هانوي، متسائلًا عن سبب فشل تكثيف الغارات الجوية وحملات القصف المتواصلة، التي بدأت بعملية “الرعد المتدحرج”، في إجبار قادة فيتنام الشمالية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وقال لوزير دفاعه، روبرت ماكنمارا، في إحدى المرات: “لا أعتقد أنهم سيستسلمون أبدًا”.
وتفعل إيران الشيء نفسه اليوم. فرغم وجود أدلة على ما وصفه ترامب بـ”انقسام خطير” في القيادة، صرّح رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، بأن طهران “لن تقبل المفاوضات تحت وطأة التهديدات”. وقد ترك المفاوضون الإيرانيون ترامب ونائبه، جيه. دي. فانس، ينتظران بفارغ الصبر مكالمة هاتفية في البيت الأبيض لم تأتِ.
ولزيادة الطين بلة، قال قاليباف، الذي يُفترض أنه أكثر اعتدالًا من قادة الحرس الثوري الإسلامي، إن طهران تستغل وقف إطلاق النار للتحضير “لكشف أوراق جديدة في ساحة المعركة”.
وقد كان رد ترامب على ذلك إعلانه عبر منصة “تروث سوشيال”، أنه “سيمدد وقف إطلاق النار إلى حين تقديم مقترحهم”. أي، بمعنى آخر: يبدو أن إيران هي من تُملي القرار الآن.
وتُحكم إيران قبضتها على مضيق هرمز، ويبدو أنها تُعزز سيطرتها عليه. كما أقرّ مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، الفريق جيمس إتش. آدامز، خلال شهادته أمام الكونغرس، بأن إيران “لا تزال تحتفظ بآلاف” الصواريخ وطائرات الهجوم المسيّرة الأُحادية الاتجاه.
وقد أفادت شبكة “سي بي إس”، في 22 أبريل/نيسان، بأن نحو نصف مخزون إيران من الصواريخ الباليستية وأنظمة الإطلاق كان لا يزال سليمًا عند بدء وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان، إلى جانب نحو 60% من القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، والتي تُستخدم لعرقلة حركة الملاحة في المضيق.
وتُناقض هذه الأرقام تصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أعلن، في اليوم الذي بدأ فيه وقف إطلاق النار، أن “عملية الغضب الملحمي كانت نصرًا تاريخيًا ساحقًا في ساحة المعركة”.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/04/23/iran-united-states-vietnam-trump-oil-war/



