في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “How not to talk about capitalism” (كيف لا نتحدث عن الرأسمالية) يقول الكاتب دومينيك ليوسدر إنه يسود شعور عامّ اليوم بأننا نعيش فترة اضطراب عميق، عنوانها العريض: أزمة “الرأسمالية الديمقراطية” أو معضلة “الرأسمالية النيوليبرالية” أو “العولمة”، وهي أزمة تتكشف أبعادها بينما تتداعى البيئة الطبيعية لعالمنا بشكل متسارع. [[1]]
هذه المصطلحات لتوصيف الأزمة هي محاولات لتلخيص اتجاهات التدهور المختلفة التي نشأت في عصر صعود النيوليبرالية بين عامي 1989 و2008، وبعد الأزمة المالية العالمية الكبرى وما أحدثته من ركود اقتصادي، وتفاقم لعدم المساواة، وردود فعل شعبوية، وعودة للتنافس الجيواقتصادي، والنزعة الميركنتالية، وتصدع النظام الاقتصادي العالمي.
كل هذا يطرح بقوة مجموعة جديدة من التساؤلات حول ما نسميه الرأسمالية: أصولها، وشكلها الجديد، ومدى تورطها في أزماتنا العامة.
وفي سياق محاولة الإجابة على هذه التساؤلات، يشير ليوسدر إلى كتابين جديدين، أحدهما عمل تاريخي سردي بالغ العمق، يمتد على مدى ألف عام؛ والآخر، دراسة اقتصادية سياسية معاصرة للنظام الاقتصادي العالمي، مدعومة بالبحث التجريبي والنظرية السياسية. ويعد الأول سردا متداخلا لتاريخ الرأسمالية، بينما يعدّ الثاني صورةٌ لحاضرها المضطرب. وبقراءة الكتابين معاً، نخلص إلى بعض الأفكار حول كيفية فهم النظام الذي يدير العالم اليوم.
ويتبوأ مؤلف الكتاب الأول، المؤرخ سفين بيكرت، من جامعة هارفارد، مكانةً مرموقةً بفضل تعريفه الواضح لموضوعه في مقدمة كتابه الضخم “الرأسمالية: تاريخ عالمي”. كما يحظى باحترام واسع النطاق لدراسته دور صناعة القطن في تشكيل التصنيع والاقتصاد العالمي، وهو ليس مؤرخًا اقتصاديًا، بل باحثٌ في مجال التاريخ العالمي المتميز، وتحديدًا في تاريخ الرأسمالية.
ويرى بيكرت أن الرأسمالية ليست “شيئًا” جامدًا، بل هي “حقيقة” عالمية، يفهمها العالم على أفضل وجه كعملية جارية ومفتوحة ومستمرة لتراكم رأس المال الخاص وتحويله إلى سلعة، بينما يُعاد في كنفها رسم حدود مختلف مجالات الحياة باستمرار. وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعوامل وفاعلين غير اقتصاديين، وعلى رأسهم الدولة، ولا تنفصل عن العنف والإكراه. وهو تعريف يبدو غير مثير للجدل، ولا يتعارض مع مفهوم الرأسمالية كما يٌقدم في معظم الدراسات التاريخية. لكن في تأريخ بيكرت، لا ينصب التركيز على العلاقات الاجتماعية بين رأس المال والعمل، بل على الطبيعة العالمية الجوهرية لهذه العملية. بمعنى آخر، تُعدّ الرأسمالية مرادفةً للأواصر التي تُشكِّل الاقتصاد العالمي، والتي يُعدُّ ظهورها في التاريخ “شرطًا عالميًا مُمكنًا” لظهورها.
مع هذه العملية العابرة للحدود، بدأت ثورة في الشؤون الإنسانية لا تُضاهيها إلا ثورة العصر الحجري الحديث، حين توقفنا عن كوننا صيادين وجامعين للثمار. وللوهلة الأولى، قد يُتَّهم بيكرت بتبسيط مهمته إلى حدٍّ كبير باختياره تعريفًا واسعًا جدًا لدرجة أنه يُمكنه استيعاب معظم التطورات الرئيسية لألفية كاملة. لكن ربط قصة الرأسمالية بظهور الاقتصاد العالمي هو ما يُؤدي إلى هذا الانطباع الخاطئ بالتحديد. فما يقدمه في النهاية ليس تاريخًا للرأسمالية، بقدر ما هو تاريخ للحياة الاقتصادية منذ ما قبل الرأسمالية.
ومع ذلك، فإن جوانب عديدة من السرد جذابة وغنية بالمعلومات. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الكم الهائل من المواد الأرشيفية التي تغطي قرونًا من الحياة الاقتصادية، من الصين إلى غرب أفريقيا إلى الأرجنتين. والتي تقدم لمحة عامة عن مرحلة ما قبل الرأسمالية، حيث لم تكن الظروف الاجتماعية والمؤسسية لظهور الرأسمالية الحقيقية قد تبلورت بعد، ولكن العلاقات الاقتصادية المتنامية والمتعمقة كانت تُنشئ اقتصادًا عالميًا. ونتيجة لذلك، يبتعد بيكرت بنا عن التسلسل الزمني التاريخي التقليدي، الذي يُصوّر الرأسمالية وهي تبلغ ذروتها في أوائل العصر الحديث، وتُحرك الثورتين: الزراعية والصناعية، وتغزو العالم على أكتاف الإمبراطوريات الاستعمارية. وعوضًا عن ذلك، يبدأ بيكرت سرده في منتصف القرن الثاني عشر في اليمن. ويحكي قصة الجزر البحرية حول مدينة عدن الساحلية، والتي كانت عبارة عن جزر محصنة شكلت قاعدة لمجتمع تجاري ديناميكي ومتنوع عرقيًا، وكيف توسّعت علاقات هذا المجتمع التجارية والثقافية تدريجيًا مع مجتمعات مماثلة في المحيط الهندي، وغرب إفريقيا، والبحر الأبيض المتوسط، وشرق إفريقيا، والصين.
لا شيء في هذه الحكاية جديد بالضرورة. لكن بيكرت يُقدّم كمّاً هائلاً من الأدلة من مصادر مُتعددة لدعم سرديته، ما يُبدّد أيّ شكوك حول الأصول غير الأوروبية للتجارة والرأسمالية المبكرة.
وقد دفع الترابط الكبير بين المجتمعات إلى تحوّل نوعي من أسواق تعتمد على التجارة فيما بينها إلى الرأسمالية كبنية ونظام. كما أدى تكثيف التجارة لمسافات طويلة إلى ظهور استخدامات جديدة للثروة ولرأس المال خلال العصور الوسطى، وهكذا، وُلدت الرأسمالية، عالمية منذ نشأتها.
ويُعدّ التأكيد على الطابع العالمي للتكامل التجاري جديرًا بالثناء. فمعظم الروايات حول نشأة الاقتصاد العالمي والحداثة الرأسمالية يتسم بمركزية أوروبية طاغية.
عند التطرق إلى الأحداث والتطورات المحورية التي تناولها بيكرت في روايته للألفية الماضية، يجد المرء نفسه في حيرة من أمره عند محاولة ربط بعضها البعض بشكل سببي. هل هي مرتبطة بشكل أحادي السبب بالمسيرة الطويلة والحتمية للرأسمالية؟ أم ربما، ثمة عوامل عديدة، لكنها كانت إما ثانوية بالنسبة لتلك العملية التاريخية الكبرى، أو مجرد أشكال مختلفة من “المقاومة” للرأسمالية. ومن غير الإنصاف اتهام بيكرت بإنكار تعدد العوامل السببية المؤثرة، لكن السرد يُشير بقوة إلى أن التغيرات الجوهرية عبر الزمن نتجت عن اندماج هذه العوامل في العملية الرأسمالية العالمية كما عرّفها في البداية.
الكتاب الثاني الذي بين أيدينا اليوم هو “التحول العالمي الكبير” للمؤلف برانكو ميلانوفيتش، وهو خبير اقتصادي بالأساس، ويُعد أحد رواد مجال دراسة عدم المساواة العالمية، الذي يتناول بيانات الثروة والدخل الوطنيين من منظور مقارن. ويتميز أسلوبه الكتابي بعقلية الباحث الاجتماعي التجريبي، إلى جانب براعته النظرية، حيث يجمع بمهارة بين النظرية السياسية والاقتصاد السياسي والتاريخ الاقتصادي.
ومن أجل فهم هذا التحول الاقتصادي يُقدّم ميلانوفيتش في كتابه هذا إطارًا تحليليًا بسيطًا، لكنه فعال، يتألف من ثلاثة أجزاء: التداعيات الجيوسياسية على مستوى الدول، وإعادة توزيع الدخل على مستوى الأفراد أو الأسر، وتفاقم عدم المساواة محليًا، وما يصاحب ذلك من صراعات سياسية. ويعتقد ميلانوفيتش أن هذه التحولات الكبرى الثلاثة المترابطة ترابطًا وثيقًا هي ما يشكل الوضع الراهن، وهي ما يقدم مفتاحًا منطقيًا لفهم واستشراف مستقبل الرأسمالية القريب. وفي إطار طرحه، تُعدّ أهم حقيقة اقتصادية اليوم على الإطلاق هي صعود شرق آسيا، ولا سيما الصين، وتراجع الغرب في الوقت نفسه، وخاصة أوروبا؛ وذلك بعد انتقال “مركز الإنتاج والتجارة العالميين” إلى المحيط الهادئ، ما جعل “الجزء الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم يلعب دورًا يُعادل تقريبًا أهميته في عدد سكان العالم” من حيث حصتهم من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهو ما يُعيد التوازن في العالم إلى ما كان عليه الحال قبل القرن التاسع عشر.
ويتسق هذا مع سرد بيكرت التاريخي السابق الذي يُقلل من مركزية دور أوروبا في ظهور التجارة العالمية والرأسمالية، ويُؤكد على أن أكثر المراكز التجارية حيوية كانت في جنوب وشرق آسيا حتى القرن السابع عشر.
ولكن عملية العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل الذي أحدث كل هذه التحولات، قد زرعت أيضاً بذور الصراع التي امتدت من الفرد والأسرة، مروراً بالمستوى السياسي المحلي وصولاً إلى المستوى الجيوسياسي العالمي. وقد أدى هذا إلى تشكيل “نخب مالية” جديدة، بالتزامن مع تراجع فرص الطبقة الوسطى في معظم أنحاء العالم المتقدم، وأدى كذلك إلى التسبب في اندلاع صراع سياسي داخلي، تحول بدوره إلى رد فعل عنيف ضد النظام الاقتصادي العالمي. ولا تتضح هذه الصورة في أي مكان أكثر من الولايات المتحدة، حيث أساءت نخبها الجشعة إدارة تداعيات الصدمات المتعددة للتكامل التجاري العالمي، بينما يلقي الاتجاه الشعبوي الصاعد اليوم باللوم على كل من “النخب الليبرالية” المحلية والصين.
قبل أن يختم مقاله، ينتقد ليوسدر نقطة جوهرية في أطروحتي الكتابين، ويقول إن من الخطأ الفادح مساواة الرأسمالية- بأي شكل من أشكالها الأيديولوجية- بـ”الاقتصاد العالمي” ككل. ويؤكد على أن الرأسمالية هي مجرد جزء من الحياة الاقتصادية، التي بدورها تخضع لخيارات سياسية واجتماعية تُتخذ في ظل قيود مادية ضمن سياق تاريخي محدد. ويقول في النهاية إنه إذا تعلق الأمر بمن يقدم فهمًا أفضل للرأسمالية ووضعها الراهن، فهو بحسبه ميلانوفيتش؛ فرغم أن بيكرت يمتلك موهبةً في إلقاء الضوء على العالم في سياقه الشامل وتفاصيله التجريبية؛ إلا أن كتاباته متشعبة المواضيع، ولا تقدم سوى القليل من التوجيه. ورغم جمالها وتنوعها، إلا أنها لا تُجدي نفعًا كدليلٍ لفهم إمبراطوريتها المُثقلة بالأزمات.
[[1]]https://www.newstatesman.com/ideas/2025/12/how-not-to-talk-about-capitalism



