في كتابه الصادر العام الماضي عن منشورات جامعة برنستون الأمريكية تحت عنوان: “Becoming Arab: The Formation of Arab Identity in the Medieval Middle East «التحوّل إلى العروبة: تشكّل الهوية العربية في الشرق الأوسط في العصور الوسطى» (2025)، يتتبّع المؤرخ يوسف رابوبورت رحلة تبنّي فلاحي المشرق العربي للهويات الثقافية العربية، وكيف أسهموا في تشكيل العشائر القروية في الريف. [[1]]
ويوضح رابوبورت، استنادًا إلى أدلة وثائقية وأدبية وإدارية ومادية، أن التشكّل الواسع للعشائر القروية العربية في مصر وبلاد الشام كان عملية تدريجية، نتجت عن اعتناق الإسلام في الريف، وعن تشكّل نظام جديد لحيازة الأراضي، تحوّل فيه الفلاحون من مُلّاكٍ للأراضي إلى مستأجرين. ويرى أنه منذ القرن الحادي عشر بدأ سكان القرى في المنطقة يتحوّلون إلى الثقافة العربية. وقد عبّروا عن هويتهم العربية الجديدة بارتداء أغطية الرأس العربية، واعتماد اللهجة العربية. ويجادل رابوبورت بأن انتشار هذه العشائر القروية العربية لم يكن نتيجة هجرة جماعية، أو نزوح جماعي، بل كان انعكاسًا لتحوّل داخلي في ثقافة وتقاليد تلك المجتمعات.
ولم تكن هذه الثقافة العشائرية الجديدة مجرد أنظمة إدارية مفروضة من أعلى، بل تبنّى القرويون هوياتهم الجديدة بحماس، وفقًا للمؤلف. كما اعتمد المتحوّلون الجدد إلى الإسلام أنسابًا عربية لتعزيز مكانتهم الاجتماعية. وقد استخدمت العشائر الهوية العربية لحشد الانتفاضات الريفية ضد الحكام، ولحلّ النزاعات بين القرويين. وفي تحدٍّ للتاريخ التقليدي للشرق الأوسط، الذي ينظر إلى أفراد العشائر العربية على أنهم رعاةٌ تفصلهم هويتهم عن عامة الفلاحين، يجادل رابوبورت بأن الانتشار الواسع للعشائر العربية في القرى كان أهم تطوّر في تاريخ الريف في الشرق الأوسط خلال العصر الإسلامي.
وبذلك يخلص رابوبورت إلى أن العروبة في المشرق لم تُفرض من الخارج فحسب، بل صُنعت من الداخل، حين أعادت المجتمعات الريفية تعريف نفسها عبر الدين والاقتصاد والسياسة.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف يوسف رابوبورت أستاذ للتاريخ الإسلامي في جامعة كوين ماري بلندن، وله عدة كتب منشورة، منها: «الزواج والمال والطلاق في المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى»، و«الاقتصاد الريفي والمجتمع القبلي في مصر الإسلامية»، و«الخرائط الإسلامية».
[[1]]https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691210636/becoming-arab



