في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان “The United States Has Become a Rogue State” (الولايات المتحدة أصبحت دولة مارقة)، يرى عالم السياسة الخارجية الأمريكي ستيفن والت أن إدارة ترامب الثانية أكثر اضطرابًا وتدميرًا وخطورةً مما توقعه معظم المراقبين، بمن فيهم هو نفسه، كما يرى أن الحرب الفاشلة مع إيران تؤكد ذلك بشكل قاطع. ونتيجة لذلك، يتعين على كل دولة في العالم اليوم أن تجد طريقة للتعامل مع الولايات المتحدة التي تزداد جنوحًا ومروقًا على نحو مستمر؛ إذ تتصرف الآن كقوة مهيمنة متسلطة، تستغل مواقع نفوذها المتراكمة على مدى عقود لاستغلال حلفائها وخصومها على حد سواء.[[1]]
ويعبّر هذا النهج الذي تتبناه الولايات المتحدة اليوم عن عداء عميق تجاه معظم المؤسسات والأعراف الدولية، وعن ميل إدارتها الحالية، ذات السلوك المتقلب، إلى معاملة القادة الأجانب بازدراء واضح، مع توقع خضوع وولاء مُذلَّين من معظمهم. ومع اتساع تداعيات الحرب في إيران إقليميًا وعالميًا، يتضح أن تلك الإدارة إمّا لم تُدرك كيف ستؤثر أفعالها في الدول الأخرى، أو أنها ببساطة لم تُبالِ بالموضوع.
لقد باتت السياسة الخارجية الأمريكية في أيدي مجموعة من المسؤولين غير الأكفاء- بحسب والت- وذلك بدءًا من الرئيس وصولًا إلى أدنى المستويات. ورغم أن نفوذ أمريكا الدولي يعتمد على عوامل عدة، فإنّ أبرزها يتمثل في اعتقاد الدول الأخرى بأن من تتعامل معهم أذكياء ومطلعون، وعلى دراية تامة بما يفعلون. لكن في الوقت الراهن، هل يستحق أيٌّ من شاغلي المناصب العليا في إدارة ترامب هذا الوصف؟
ومما يزيد الأمر تعقيدا أن بعض هذه المشكلات لن يكون من السهل تصحيحه بعد مغادرة ترامب منصبه، حتى لو حلّ محله شخص ذو آراء مختلفة تمامًا؛ إذ تتآكل القدرة المؤسسية لآلية السياسة الخارجية الأمريكية مع تقاعد أو فصل موظفين مدنيين ذوي خبرة — بمن فيهم بعض كبار الضباط العسكريين — من دون استبدالهم، أو باستبدالهم بموالين لترامب.
وخلاصة القول أن العالم سيتعامل مع الولايات المتحدة — بوصفها دولة قوية، وربما عدوانية، ومتقلبة للغاية — لثلاث سنوات أخرى على الأقل، وربما لفترة أطول. وإذا كان هذا هو الحال، فماذا ينبغي على الدول الأخرى أن تفعل؟
في إطار الإجابة عن هذا السؤال، يقدّم والت التصور الآتي:
الطريقة التقليدية للتعامل مع الدول القوية والخطيرة هي موازنتها، إما بجهود فردية أو بالتعاون مع دول أخرى، أو بكليهما معًا. ويتجلى هذا التوجه حاليًا في «الشراكة غير المحدودة» بين روسيا والصين، والدعم الذي قدمته كوريا الشمالية لروسيا في أوكرانيا، وشبكة الوكلاء التي دعمتها إيران في أنحاء الشرق الأوسط، والدعم الاستخباراتي الذي يُقال إن روسيا تقدمه لإيران.
ومن بين الأساليب التي يُرجّح أن تتبناها بعض الدول «التوازن الناعم»، وهو التنسيق الواعي للعمل الدبلوماسي لإحباط أهداف دولة قوية. ويُعدّ رد الفعل الأوروبي على تهديدات ترامب بضم غرينلاند من الدنمارك مثالًا واضحًا آخر، إذ جاء في صورة رد دبلوماسي منسق يهدف إلى منع دولة قوية من القيام بعمل غير مرغوب فيه، رغم احتوائه على عنصر عسكري أيضًا. ويبدو أن مفهوم «التوازن الناعم» هو ما كان يقصده رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في يناير/كانون الثاني، عندما دعا القوى المتوسطة في العالم إلى التكاتف وبناء علاقات ذات منفعة متبادلة لا تعتمد على تعاون الولايات المتحدة غير الموثوقة والمتعطشة لمزيد من الهيمنة.
لكن إدارة ترامب تراهن على أن الجهود — سواء كانت صارمة أم ناعمة — لموازنة النفوذ الأمريكي ستكون ضعيفة ومتقلبة وغير مؤثرة. وقد تكون على حق، لأن العديد من الدول لا تزال مترددة، لأسباب مفهومة، في اتخاذ إجراءات مكلفة لمواجهة هذا النفوذ، وحتى جهود «التوازن الناعم» تواجه مشكلات كبيرة تتعلق بالعمل الجماعي. ومع ذلك، فإن هذه العقبات ليست مستعصية، خاصة إذا أدى التجاوب مع الولايات المتحدة إلى مطالب جديدة، أو إذا بدأت دول أخرى تنظر إلى الشراكات الوثيقة معها بوصفها عبئًا أكثر منها ميزة.
ولا ننسى شكلًا آخر من أشكال التوازن؛ فبعض الدول التي تخشى هجومًا أمريكيًا محتملًا، أو فقدان الولايات المتحدة لدورها كحامية موثوقة، قد تُغرى بتعزيز أمنها عبر امتلاك وسائل ردع نووية خاصة بها. وقد دفعت المخاوف بشأن موثوقية الولايات المتحدة فرنسا إلى اقتراح توسيع نطاق ردعها في أوروبا، كما أن دولًا مثل كوريا الجنوبية واليابان تعيد النظر في الحاجة إلى ردع خاص بها. ولن تؤدي الحرب مع إيران، وإقصاء عدد من قادتها الأكثر حذرًا نسبيًا، إلا إلى تعزيز موقف من يعتقدون أن خطأهم الأكبر كان عدم تقليد كوريا الشمالية والسعي الحثيث لامتلاك القنبلة النووية حين سنحت الفرصة.
من جهة أخرى، عند التعامل مع شريك غير موثوق، يكون الخيار الأمثل هو تقليل الاعتماد عليه، حتى لو كان ذلك مكلفًا نسبيًا. وقد برز هذا التوجه منذ إعلان ترامب فرض تعريفات جمركية متبادلة في أبريل/نيسان 2025، إذ سارع شركاء الولايات المتحدة التجاريون إلى تقليل اعتمادهم على السوق الأمريكية عبر إبرام اتفاقيات تجارة حرة فيما بينهم. فخففت كندا من حدة التوتر مع الصين، وتفاوضت على اتفاقيات جديدة مع إندونيسيا والهند، وكذلك فعل الاتحاد الأوروبي والهند وأمريكا الجنوبية.
وفي هذه الأثناء أيضًا، سيبذل خصوم الولايات المتحدة قصارى جهدهم لتشويه صورتها، عبر تصويرها دولةً أنانية وعدوانية وخطيرة، ونموذجًا يُرفض بدلًا من أن يُحتذى به. ومن نتائج هذه الإستراتيجية — التي تتبعها الصين منذ فترة — النأي بالنفس وترك الولايات المتحدة تتعثر. وكما يُنسب إلى نابليون بونابرت قوله: «لا تقاطع عدوك أبدًا عندما يرتكب خطأً».
وتُسهّل إدارة ترامب هذه المهمة على خصومها اليوم، من خلال: التباهي بتفجير قوارب في منطقة الكاريبي لمجرد الشك، والمساعدة في اغتيال قادة أجانب، وإساءة معاملة المهاجرين والسياح، وفرض عقوبات مالية على مسؤولين أجانب لمجرد انتقادهم الرئيس الأمريكي، والتأكيد على أن القوة هي كل ما يهم، وفرض تعريفات جمركية متقلبة، وشن حرب ذات عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي من دون رؤية واضحة لمآلاتها، والقائمة تطول.
وفي ختام مقاله، يرى والت أن القوة العظمى ذات الرؤية البعيدة تستخدم قوتها بضبط النفس، وتلتزم بالمعايير السائدة كلما أمكن، وتدرك أن أقرب حلفائها لديهم أجندتهم الخاصة، وتسعى إلى صياغة اتفاقيات تعود بالنفع على جميع الأطراف.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/03/26/united-states-trump-rogue-state-iran/



