في التحقيق المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان ““Erasing the Lines”: How Settlers Are Seizing New Regions of the West Bank” («محو الخطوط»: كيف يستولي المستوطنون على مناطق جديدة في الضفة الغربية)، يوثّق العمل المعتمد على جهد استقصائي ميداني، عمليات طرد العائلات الفلسطينية، وانتشار البؤر الاستيطانية، والتهجير الجماعي للقرى الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية.[[1]]
فبعد عقود من ترسيخ سيطرتهم على المنطقة (ج) المُرسّمة وفقًا لاتفاقية أوسلو الثانية، يتوسع المستوطنون الإسرائيليون اليوم في المنطقتين (ب) و(أ) — الخاضعتين اسميًا لسلطة السلطة الفلسطينية — ويعملون على تهجير السكان منهما
ومنذ السابع من أكتوبر من عام 2023 تعاون المستوطنون مع الجيش الإسرائيلي على طرد ما لا يقل عن 76 تجمعًا فلسطينيًا بالكامل، بالتوازي مع إنشاء 152 بؤرة استيطانية جديدة. ومن بين هذه البؤر، تقع 22 بؤرة على الأقل في المنطقة (ب)، منها 12 بؤرة داخل ما يُعرف بـ”المحمية المتفق عليها” — وهي مساحة تُقدّر بنحو 167 ألف دونم في جنوب الضفة الغربية مصنّفة ضمن المنطقة (ب)، كما ظهرت بؤرة استيطانية واحدة داخل المنطقة (أ). وتكشف هذه الأرقام عن نمط توسع سريع وممنهج في النشاط الاستيطاني.
ووفقًا لبيانات جمعتها منظمتا “كيرم نافوت” و”السلام الآن” الإسرائيليتان فقد سيطر المستوطنون عبر هذه البؤر على نحو 98 ألف دونم (ما يقارب 25 ألف فدان) في المنطقتين (ب) و(أ)، لترتفع بذلك المساحة التي يسيطرون عليها فعليًا عبر البؤر الاستيطانية إلى ما يقارب مليون دونم (250 ألف فدان) في أنحاء الضفة الغربية.
ومن الأمثلة التي يقدمها التحقيق ما جرى في مايو/أيار 2023، عندما فرّ سكان قرية عين سامية، وهي قرية بدوية فلسطينية تقع شرق رام الله، تحت ضغط ومضايقات متزايدة من المستوطنين الإسرائيليين المجاورين، الذين يتمتعون بدعم عسكري كبير. وقد قامت عشرات العائلات بتفكيك منازلها والرحيل، في واحدة من أوائل الحالات التي شهدت تهجيرًا كاملًا لمجتمع فلسطيني في الضفة الغربية منذ عام 1967، لتكون نذيرًا لما تلاها من أحداث.
وقد اشتدّ الضغط على سكان القرية حتى بات لا يُطاق؛ إذ اقتحم المستوطنون منازل الفلسطينيين، مصطحبين معهم أغنامهم وكلابهم، في الوقت الذي أقدم فيه جيش الاحتلال على اعتقال عدد من السكان. وفي واقعة لاحقة، فرّ السكان، وكاد بعضهم يلقى حتفه.
وتروي هداية أبو نعيم، 33 عامًا، كيف لجأت هي وعائلتها إلى كهف في إحدى الليالي، بينما كانت مجموعة من المستوطنين تعيث فسادًا في المكان. وتقول: “بدأوا برمي الحجارة داخل الكهف وتحطيم المنازل. دمروا كل شيء: خزانات المياه، والمنازل، والألواح الشمسية، ونوافذ البيوت”.
وتضيف أنها، بعدما ظنت أن المستوطنين قد غادروا، عادت إلى منزلها لتتفاجأ بوجود ثلاثة منهم. وبحسب شهادتها، فقد اعتدوا عليها بالضرب بالعصي، وجرّوا والدها بشعره وألقوه أرضًا وركلوه على بطنه، كما ضربوا ابنتها البالغة من العمر 13 عامًا في بطنها وظهرها. وتتابع: “أجلسونا على الأرض، ووجّهونا إلى الجدار كالمعتقلين، وظلوا يضربوننا ويصرخون علينا”، قبل أن يأمروهم بالمغادرة. وبعد أقل من شهر، أقام المستوطنون بؤرة استيطانية جديدة في الموقع نفسه.
ولا تمثل هذه الحادثة واقعة معزولة، بل نموذجًا لنمط آخذ في الاتساع. فقد شكّل تهجير عائلات قرية عين سامية مكسبًا استراتيجيًا لحركة الاستيطان؛ إذ أسهم في توسيع كتلة “شيلوه” الاستيطانية- وهي مجموعة من المستوطنات والبؤر المتجاورة التي تقسم شمال الضفة الغربية- بما يخلق ممرًا مفتوحًا يربط بين الخط الأخضر وغور الأردن، ويعمّق عزلة مدينتي رام الله ونابلس، وهما من أبرز المدن الفلسطينية.
ويمتد هذا المسار منذ سنوات طويلة؛ إذ عمل المستوطنون، على مدى عقود، على توسيع مراكز الرعي في المنطقة (ج) — التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية — مستخدمين أنشطة الرعي وسيلة للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية.
غير أن تركيزهم يتجه اليوم نحو المنطقة (ب) وضواحي المدن الفلسطينية الكبرى، بهدف تطويق هذه المدن، وتقييد وصول الفلسطينيين إلى الأراضي الزراعية والمساحات المفتوحة المحيطة بها، وتعزيز الترابط الجغرافي بين التجمعات الاستيطانية، مع دفع الفلسطينيين إلى مناطق مجزأة داخل المراكز الحضرية الرئيسية.
ويتقاطع هذا التوجه مع ما يُعرف بـ”خطة السيادة” التي طرحها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في سبتمبر الماضي، والتي تتضمن ضم معظم أراضي الضفة الغربية مع الإبقاء على عدد محدود من الجيوب الفلسطينية المنفصلة.
ومع توغلهم في المناطق الفلسطينية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، لم يتردد المستوطنون في استخدام العنف. ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) فقد قُتل أكثر من 30 فلسطينيًا على يد مستوطنين في الضفة الغربية، وأُصيب أكثر من 1500 آخرين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقد سجلت الاعتداءات الاستيطانية مستويات غير مسبوقة خلال عام 2025، ويبدو أن المنحنى مرشح للتصاعد؛ إذ جُرح أكثر من 260 فلسطينيًا في أنحاء الضفة الغربية منذ بداية العام، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط الشهري المسجل منذ عام 2023. وإلى جانب القيود العسكرية، أسهمت هذه الهجمات في نزوح أكثر من 1500 شخص خلال ثلاثة أشهر فقط، وهو رقم يقترب من إجمالي النازحين خلال العام السابق. كما أفادت وزارة الصحة الفلسطينية بمقتل ستة فلسطينيين في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب المرتبطة بالتصعيد مع إيران، وجميعهم داخل أو بالقرب من المنطقة (ب).
وقد توعد سموتريتش، في سياق متصل، خلال جنازة ناشط استيطاني بارز دهسته سيارة يوم السبت 21 مارس\ آذار، وقال: “سنمحو الخطوط، والحدود، والحروف؛ وسنستوطن جميع أرجاء أراضينا”.
واستنادًا إلى صور الأقمار الصناعية وتحليل الخرائط، إلى جانب شهادات ملاك أراضٍ ومسؤولين فلسطينيين، وروايات ضحايا، ووثيقة داخلية للمستوطنين، يخلص التحقيق إلى أن البؤر الاستيطانية الجديدة تواصل التوغل في عمق الضفة الغربية، بما يعزز- وفقًا لما يورده التحقيق – اتجاهًا متسارعًا نحو إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في الأراضي المحتلة.
[[1]]https://www.thenation.com/article/world/investigation-settlers-expand-area-b/



