في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “From Epstein to Bezos, the Ruling Class Is Rotten to the Core” (من إبستين إلى بيزوس، الطبقة الحاكمة فاسدة حتى النخاع) يقول الكاتب جيت هير إن الملياردير وتاجر الجنس والمتحرش بالأطفال جيفري إبستين تمكن من ارتكاب جرائم بشعة على نطاق واسع لعقود دون أن يُعاقب إلا بعقوبة مخففة، وذلك لثرائه ونفوذه. وتُسهم الملفات الجديدة (نحو 3 ملايين وثيقة) التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية في توضيح فهمنا لعالمه الاجتماعي، الذي كان يكتظّ بالأثرياء، مثل وزير التجارة الأمريكي الحالي، هوارد لوتنيك (الذي كذب سابقًا بشأن مدى علاقته بإبستين)، والمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، بيل غيتس (الذي دُمّرَ زواجه من زوجته السابقة ميليندا بشكل كبير بسبب علاقته بإبستين)، والمؤسس المشارك لشركة “باي بال” بيتر ثيل، والمؤسس المشارك لشركة “لينكد إن” ريد هوفمان، والرئيس التنفيذي لشركة تسلا، إيلون ماسك (الذي كذب بشأن تواصله عدة مرات مع إبستين).[[1]]
جميع هؤلاء الرجال كانت لهم علاقات مع إبستين بعد إدانته وسجنه عام 2008 بتهمة الاتجار الجنسي بالأطفال؛ كما كانت لبعضهم روابط تجارية أو مؤسسية عميقة مع إبستين. والآن بعد أن بدأت هذه العلاقات المعيبة تُلاحقهم، يتبادل هؤلاء المليارديرات الاتهامات المتعلقة بالعلاقة مع إبستين بشراسة من داخل أبراجهم العاجية. فعندما نشر ريد هوفمان على موقع X للتواصل الاجتماعي قائلاً: “يجب أن نركز على محاكمة مرتكبي الجرائم وتحقيق العدالة للضحايا”، قام إيلون ماسك (مالك الموقع) بالتهكم والرد عليه بسخرية. فردّ هوفمان بصورة من بريد إلكتروني يعود لعام 2012، سأل ماسك خلاله إبستين عن زيارة جزيرته الخاصة، وتضمن السؤال قوله: “ما هو اليوم/الليلة التي ستشهد أروع حفلة على جزيرتك؟”.
ويُظهر تبادل الاتهامات المبتذل بين هوفمان وماسك نضجًا عاطفيًا لا يتجاوز نضج أطفال الروضة.
وتُعدّ ملفات إبستين نافذةً على عالم النخبة المالية والسياسية، وما يظهر من هذه النافذة مشهدٌ بشع حقيقًة. ويؤكد الكاتب على أنه لا ينبغي لأحد من دائرة إبستين الاجتماعية أن يفلت من المسؤولية، فحتى لو لم يرتكبوا جرائم بأنفسهم، فقد كانوا، على الأقل، متسامحين مع فظائع إبستين.
واللافت أن الملفات تُظهر أيضًا أن إبستين كان عدميًا، فلم يكتفِ بالاستمتاع بالاستغلال الجنسي، بل استمتع أيضًا بإثارة الفوضى لتحقيق مكاسبه. وثمة حوارٌ جرى بين إبستين وثيل عام 2016 يكشف هذه الحقيقة:
“إبستين: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مجرد بداية.
ثيل: بداية ماذا؟
إبستين: العودة إلى النزعة القبلية، في مواجهة العولمة. تحالفات جديدة مذهلة. اتفقنا أنا وأنت على أن أسعار الفائدة الصفرية مرتفعة للغاية، وكما قلتُ في مكتبك، فإن اكتشاف الأمور وهي على وشك الانهيار أسهل بكثير من البحث عن الصفقة الرابحة التالية.”
وفي رسالة بريد إلكتروني عام 2014 إلى أحد المديرين التنفيذيين في أحد البنوك، قال إبستين: “يجب أن توفر الاضطرابات في أوكرانيا فرصًا كثيرة، كثيرة جدًا”.
وفي العام نفسه، كتب إبستين إلى شريكه في العمل، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك أنه: “مع تصاعد الاضطرابات المدنية في أوكرانيا وسوريا والصومال وليبيا، ويأس من هم في السلطة، ألا يُعد هذا الوضع مثاليًا لك؟“.
وردًا على بعض من يدافعون الآن عن رجال الأعمال الذين أسسوا شركات كبيرة مثل أمازون وتسلا، والذين يتبرعون بأعمال خيرية، على خلفية موجة العداء ضد هؤلاء المليارديرات، يقول الكاتب إن هذا الاحتفاء بالمليارديرات من ذوي النيات الحسنة يفتقر إلى المصداقية من نواحٍ عديدة. أولًا، إذا كانت أمازون وتسلا شركتين عظيمتين، فليس ذلك بفضل مالكيهما الثريّين فحسب، بل بفضل عمالهما أيضًا، الذين يستحقون نصيبًا من أرباح الشركة ومستوى معيشيا لائقا. والتوزيع العادل للثروة لا يتحقق بمجرد شعور الطبقة العليا بالمسؤولية الاجتماعية، بل يتطلب طبقة عاملة منظمة، وسياسيين مستعدين لتحدي رغبات الأثرياء.
علاوة على ذلك، لا يُعدّ الملياردير المُحسن قوة إيجابية إلا طالما رغب هو في ذلك. كما أن التعامل مع المليارديرات كأفراد يتجاهل القوة الاقتصادية والسياسية الهائلة التي يمتلكونها كطبقة اجتماعية، وهي قوة تسمح لهم بترسيخ عدم المساواة الاقتصادية والتلاعب بقواعد اللعبة العالمية لصالحهم. وتعد أعمالهم الخيرية مسألة نزوة في مقابل التوزيع الديمقراطي الحقيقي للموارد الذي توفره دول الرفاه (مثل الدول الإسكندنافية)، والذي يقوم على إرادة الشعب. ولإثبات ذلك، يمكن أن ننظر فقط إلى حالة مؤسس أمازون، جيف بيزوس، الذي تتجاوز ثروته حاليًا 250 مليار دولار. لقد حظي بيزوس بإشادة واسعة باعتباره فاعل خير عندما اشترى صحيفة “واشنطن بوست” لأول مرة عام 2013، مستخدمًا ثروته الطائلة لدعم الصحافة الرصينة على مدى عقد تقريبًا. لكن بيزوس قرّر مؤخرا أن إرضاء دونالد ترامب أهم من إدارة صحيفة جيدة. لذا، في وقت سابق من هذا الأسبوع، اختار تقليص حجم الصحيفة بشكل كبير، مُسرحًا ما يقرب من ثلث موظفيها.
في ختام مقاله يقول الكاتب إن عموم الناس بحاجة اليوم إلى وضع ضوابط قوية للحد من سلطة هؤلاء الأثرياء، وإلا فالبديل هو أن يظلوا تحت رحمة أمثال جيفري إبستين وأصدقائه.
[[1]]https://www.thenation.com/article/society/jeffrey-epstein-billionaires-jeff-bezos/



