في كتابه الصادر عن منشورات إحدى الجامعات الأمريكية عام 2012 تحت عنوان “The Crusader States” (الإمارات الصليبية) يقدم المؤرخ البريطاني مالكولم باربر دراسة عن الإمارات الصليبية التي تطورت حول السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط في أنطاكية وطرابلس والرها والقدس، والتي استمرت حتى رحيل الملك ريتشارد (قلب الأسد) عام 1192مـ.[[1]]
يزخر الكتاب بتفاصيل ثرية عن الحملات العسكرية الصليبية الكبرى، ولكنه يتعمّق أكثر في استكشاف ثقافة تلك الإمارات الصليبية بتفصيلٍ دقيق، مُستعرضًا إرثها المُعقّد، وهندستها المعمارية، ومؤسساتها السياسية والقانونية والاقتصادية، والإطار الكنسي الذي نظر الصليبيون من خلاله إلى العالم، وأصول فرسان الهيكل وفرسان الإسبتارية. وبشغف الباحث المُتفانِي في ميدان اهتمامه، يُقدّم باربر -الذي يُوصف بأنه أبرز خبير حيّ في العالم في شؤون جماعة فرسان الهيكل- سردًا تاريخيًا ثقافيًا شاملًا للدويلات الصليبية في المشرق.
يتعامل باربر مع الدويلات الصليبية في المشرق منذ أواخر القرن الحادي عشر حتى سقوط عكّا سنة 1291م، بوصفها كيانات سياسية استعمارية لاتينية أُقيمت في بيئة حضارية ودينية معادية أو غير متجانسة. ويعتقد أن الدول الصليبية لم تكن نتيجة تخطيط استراتيجي طويل المدى، بل كانت ثمرة ظرف تاريخي طارئ نتج عن نجاح الحملة الصليبية الأولى؛ ويؤكد أن هذه الكيانات نشأت وهي تعاني من هشاشة ديموغرافية، واعتماد شبه كامل على الدعم القادم من أوروبا.
يعالج الكتاب طبيعة الحكم في هذه الدويلات بوصفه نقلًا للنموذج الإقطاعي الأوروبي إلى بيئة لا تشبهه. ويرى باربر أن التشريعات القانونية الصليبية التي وضعت هناك كانت محاولة لتقنين واقع سياسي مأزوم أكثر منها قواعد تعكس نظامًا مستقرًا.
كما يولي المؤلف أهمية خاصة لدور الفرسان العسكريين الرهبان، ولاسيما فرسان الهيكل، والإسبتارية. ويرى أنهم شكّلوا العمود الفقري العسكري للدول الصليبية، لكنهم في الوقت نفسه ساهموا في إضعاف السلطة المركزية بسبب استقلالهم المالي والعسكري وارتباطهم المباشر بالبابوية.
يقدّم باربر كذلك صورة واقعية غير وردية عن التعايش بين المسلمين والمسيحيين الشرقيين واليهود وبين الغزاة الوافدين، إذ لم يحدث اندماج حضاري حقيقي بينهم وبين طبقة اللاتين الحاكمة التي ظلت معزولة نسبيًا عن بقية السكان. كما يؤكد أن الدول الصليبية كانت مجتمعات استعمارية مغلقة أكثر منها مجتمعات تلاقح ثقافي حقيقي.
كما يوضح باربر أن فشل الصليبيين لم يكن فقط بسبب ضعفهم، بل بسبب تدرّج توحيد جهود العالم الإسلامي ضدهم على يد عماد الدين زنكي، ثم نور الدين، ثم صلاح الدين، ثم المماليك. وانتقال المسلمين من رد الفعل إلى المبادرة الإستراتيجية. ويرى باربر أن سقوط القدس (1187) ثم عكّا (1291) كان نتيجة حتمية لاختلال بنيوي طويل الأمد.
ويخلص باربر بشكل عام في هذا الكتاب إلى أن الدول الصليبية لم تكن امتدادًا طبيعيًا لأوروبا، ولم تستطع الاندماج في الشرق، بل بقيت كيانات هجينة قصيرة العمر، مثلت تجربة فاشلة في زرع نظام سياسي أجنبي بالقوة العسكرية دون قاعدة اجتماعية محلية. ورغم أن تلك الدويلات كانت قوية بالسلاح، إلا أنها كانت ضعيفة على صعيد الشرعية، ومعزولة حضاريًا، ومحكوما عليها بالفناء منذ لحظة نشأتها.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف مالكولم باربر مؤرخ بريطاني متخصص في العصور الوسطى، وخاصةً في الحروب الصليبية. وهو معروف من خلال إسهاماته العلمية في فهم وتاريخ فرسان الهيكل، بالإضافة إلى السياق الأوسع للدول الصليبية والمجتمع الأوروبي في العصور الوسطى. وقد شغل باربر منصب أستاذ تاريخ العصور الوسطى في جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة حتى تقاعده عام 2005، ليصبح بعدها أستاذاً فخرياً في نفس الجامعة.
[[1]]https://yalebooks.yale.edu/book/9780300208887/the-crusader-states/



