لي صديق خفيف الظل، وقفت معه عند مصعد وطلبنا الطابق الذي نريد النزول إليه، وبعد وقت غير طويل وقف المصعد وفتح مصراعيه، فخرجنا، فإذا بنا في طابق غير الذي أردناه. فلعل أحدًا طلبه هناك، ثم تركه، أو ركب آخر، أو غيّر رأيه. المهم، ذهبنا بعد ذلك إلى الطابق الذي أردناه، وصاحبي ضحكته عالية علينا لا على غيرنا، يقول: الرقم الذي أردناه لم يزل ضوؤه مشتعلاً، ومعنى هذا أن طلبنا لم يتحقق، فلم ننتبه وخرجنا منه لمجرد أنه وقف. ولأنه لم يكن في المصعد سوانا، فقد قررنا أن هذه المكينة غير العاقلة قد عرفت هدفنا، ولم ننظر إليها. كان صاحبي يعلي الضحك على تصرفنا، وتذكّر تصرفات بعضهم، وبدأ يقص عليّ.
تذكرت وقتها قصة كانت من النكت المتداولة عند قبيلة غير بعيدٍ منا، وكانت القبيلتان تصنع كلٌّ منهما نكتة على الأخرى، أو يسمعون أو تُروى لهم نكتة فيركّبونها على جيرانهم دون رحمة. وكان مما رووا أن جماعة من القبيلة التي يُصبّون عليها طرائفهم كانوا في ممر أحد المستشفيات، وعددهم كبير، وأرادوا الصلاة، ولاحظوا أمامهم مكانًا كأنه محراب، وهو مجرد مصعد مفتوح، فتقدم إمامهم ليصلي فيه، وهم اصطفوا خلفه، وبعد قليل من بدئه بالصلاة طُلب المصعد من مكان آخر، فأُغلق الباب وصعد المصعد، فقال المأمومون: لقد عُرج بإمامنا! ورأوا في ذلك كرامة عظيمة!
وكنت في أمريكا، في مدينة فورت كولنز، فدعاني صديق من القبيلة التي يكثرون إسناد النكت إليها أو يصنعونها ضدهم حتى اشتهر عنهم ما لا يريدون. فكان مما قال صاحبي: إن واحدًا من جماعته كان يسكن في طرف القرية، وله صديق من البادية يمر عليه كل ليلة يتلوها يوم السوق في الغد، فيمر للعشاء والمبيت، وليسبق إلى السوق من المبكرين، وجرى البدوي على هذه العادة زمنًا. وفي أحد الأيام فكر القروي في زيارة صديقه البدوي، وقال في نفسه إنه سيُستضاف عند صاحبه. ذهب إليه فرحب به الرجل المضيف، ثم قال لأهله: أعدوا القهوة للضيف، ثم طلب منهم الحليب لضيفه، ثم قال: هات اللبن. بينما الضيف ينتظر العشاء، والمضيف يسقيه قهوةً وماءً وحليبًا ولبنًا طوال الليل. ولما مر وقت من الليل قال المضيف لأهله: أعدوا فراش الضيف للنوم، فأعدوه. فطلب الضيف حبلاً، فسأله المضيف: لماذا؟ قال: لأربط هذه القِربة لا تندلق (مشيرًا إلى بطنه)، فقد امتلأت ماءً طوال الليل!
ثم عقّب صاحبي: ذكرت لك هذه النكتة لتعلم أننا بالرغم مما يكذبه غيرنا علينا في النكت فإننا نحن نصنعها أيضًا، وأن فينا خفة دم. وكان سياقه للطرفة جميلًا، مسلسلاً، يشدك إلى النهاية.
وكان مما صنعت القبيلة التي تزعم لنفسها الذكاء من فضائع النكت أن رجلين، أحدهما من القبيلة الذكية والآخر من الأخرى الأقل ذكاء، وكل منهما معه قرد جاء به ليبيعه في السوق. ومن ذكاء وحرص ممثل القبيلة الذكية قال لصاحبه: ليذهب كل منا إلى ركن في السوق بعيدًا عن صاحبه، ليحصل كل منا على نصيبه دون منافسه. وبعد وقت باع الذكي قرده وتسلم الثمن، ثم ذهب ليرى حال صاحبه بائع القرد الآخر، فوجد القرد يعد النقود؛ ذلك أن القرد قد باع الرجل من القبيلة الغبية وتسلم ثمنه! تلك كانت من النكت المصنوعة الجائرة!
وهكذا كانت تبلغ المبالغات في النكت؛ كل قبيلة أو مدينة تحب أن تصنع نكتة على المدينة المجاورة أو القبيلة الأخرى، كما بين حمص وحماة، والقاهرة والصعيد، وبين بريدة وعنيزة، والحوطة والحريق، وأبها وخميس مشيط. ومن النكت ما يكون جارحًا ومؤذيًا، ومنها ما يكون خفيف الظل لطيفًا ظريفًا، يستمتع به السُمّاع والسُمّار. ومن النكت بين المدن ما لا يليق روايته في هذا النص.
ونعود لصاحبنا صاحب المصعد، فمما قال: ألا ترى أنه يصطف ناس عديدون أمام المصعد، بينما المصعد عليه علامة الطلب صعودًا وهبوطًا، ولكن القادم الجديد لا يكتفي بما فعل الجمع الذي سبقه وبجواره، بل يضغط المصعد ويطلبه هو أيضًا! ثم إن من تعوّد أن ينزل في طابق محدد، لو حدث أن وقف المصعد في طابق آخر لضاع، ومنهم من لا يعرف الاتجاه إذا وصل الطابق الذي يريد، فيحار ولا يدرك أين طريقه: أيمينًا أم شمالًا؟ وعرفت من يستغرب استهداء بعضهم لطريقه دون قصد ولا إرادة.
وكان من جميل ما قرأت في وصف الناس أن شخصًا قال: لو صعدت مع كلينتون – رئيس الولايات المتحدة الأسبق – المصعد لثوانٍ، لعرفت من ملامحه ومن كلامه أن معك في المصعد شخصًا مختلفًا أو متميزًا. ومرة كنت مع صديق تجري النكتة على لسانه دون وعي منه، وكان يكرر القول إنه يقول الكلام أو النكتة دون وعي ولا تفكير، ثم تكون نكتة ويضحك منها الناس. ومرة كنا معًا، وكاد أن ينغلق عليه المصعد وقد خطا فيه، فابتعد ثم نبهنا: ألم تتوقعوا أن يقسمني نصفين؟ ولو أدركنا تحولات الزمان لربما قال أحدنا إن موتك سيكون خيرًا ولصالح الأمة!
إن سرعة البديهة نعمة عظيمة، وقد اشتكى إليّ واحد من أشهر أذكياء زماننا وأنبغهم أنه لا يملك بديهة صديقه. ونعرف ما ورد عن عمر رضي الله عنه حين قال لعمرو بن العاص: «لقد أعطاك الله على البديهة ما أعطاني على الأناة»؛ فهناك عباقرة فعلًا ليست لديهم بديهة في القول ولا التصرف، ولكنهم حين يفكرون ويتأنون يبدعون، وهناك من يبدع بداهةً.
المصاعد نعمة معاصرة جليلة، فقد جعلت من بقعة صغيرة من الأرض أماكن فسيحة مع تعدد الطوابق من مكاتب أو مساكن، مع يُسر وسهولة في الصعود والنزول دون تعب ولا معاناة، ولم يعد أحد يستطيب أن يسكن مبنى مكوَّنًا من طوابق عديدة دون مصعد.



