في مقاله المنشور في صحيفة الغارديان البريطانية تحت عنوان “‘Europe is the core – America joined as an offshoot’ ” (أوروبا هي النواة، وأمريكا انضمت إليها كفرع) [[1]] يتناول الصحفي: فيليب أولترمان الكتاب الصادر حديثًا عن منشورات جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان “The West: The History of an Idea” «الغرب: تاريخ فكرة» (2025) للمؤرخ اليوناني جورجيوس فاروكساكيس الذي يشرح فيه كيف أصبح مصطلح “الغرب” يُستخدم كدلالة على قواسم جماعية مشتركة سياسية وثقافية في الزمن الحديث والمعاصر؟ والذي يجيب فيه عن أسئلة جوهرية في هذا السياق منها: متى بدأ “الغربيون” بالإشارة إلى أنفسهم بهذه الطريقة؟ وهل ورثوا الفكرة عن الإغريق القدماء، أم صاغها الإمبرياليون في القرن التاسع عشر؟
بحسب فاروكساكيس لم يستخدم أفلاطون، أو شيشرون، أو جون لوك، أو جون ستيوارت مل، أو غيرهم من الشخصيات التاريخية البارزة فيما نسميه اليوم التراث الغربي مصطلح “الغرب”. كما لم يستخدمه بناة الإمبراطوريات الاستعمارية في البداية، بل ظهر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث تشكل تدريجيًا في عشرينيات هذا القرن ثم روِّج له الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت بقوة في الأربعينيات من القرن نفسه. [[2]]
وقد برزت الحاجة إلى استخدام مصطلح “الغرب” لتجنب التداعيات المربكة أو غير المرغوب فيها لاستخدام مصطلح “أوروبا”، حيث تداخل المصطلحان، لكنهما لم يكونا متطابقين من حيث الدلالة. وتكمن المشكلة في أنه منذ عهد بطرس الأكبر في أوائل القرن الثامن عشر، كانت أوروبا بالتعريف الجغرافي والسياسي تشمل روسيا. وقد هيمن القيصر الروسي ألكسندر الأول لاحقًا على مؤتمر فيينا عام 1815. وبدأ المزيد من الأوروبيين الغربيين حينها يشعرون بالقلق إزاء هيمنة روسيا الحتمية على أوروبا، باعتبارها كيانًا ضخمًا متجانسًا ذا نزعة توسعية.
وقد شهدت عشرينيات القرن التاسع عشر حرب الاستقلال اليونانية ضد الإمبراطورية العثمانية، لكن بالنسبة للعديد من الفرنسيين، كان الخطر الحقيقي يكمن في إمكانية استيلاء روسيا على القسطنطينية بعد انهيار عثماني توقعوه وشيكًا. وبدأوا ينظرون إلى اليونانيين آنذاك كحصن منيع للغرب.
وبعد أن أصبحت فرنسا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ملكية دستورية، نشأ تحالف “غربي” أنجلو-فرنسي للأنظمة الدستورية، في مواجهة التحالف المقدس الذي يقوده القيصر الروسي. ومنذ ذلك الحين بدأت خطابات أعضاء البرلمان الفرنسي التي تقترح تحالفًا أوروبيًا أو غربيًا في التزايد.
هنا يبرز دور الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت الذي تمتعت فلسفته الوضعية في القرن التاسع عشر بتأثير هائل، لا يُضاهيه وقتئذ إلا فلسفة هيغل. وقد أسهب كونت في الحديث عن أهمية الحديث عن “الغرب” لا أوروبا. وأصر كونت على أن الغرب يجب أن يشمل ما أسماه الأمم الخمس الكبرى، والتي قصد بها المجموعات اللغوية: الألمانية، والفرنسية، والإيطالية، والإيبيرية، والإنجليزية؛ بالإضافة إلى أحفاد مستعمراتهم الاستيطانية في الأمريكيتين وأستراليا ونيوزيلندا.
وقد حاول كونت أن يجعل مفهوم “الغرب” يتمتع بوحدة غير دينية بقدر الإمكان. فعلى عكس دعاة “الحضارة الغربية” المعاصرين، مثل صموئيل هنتنغتون، لم يؤمن كونت بأن الدين هو المرجعية المصيرية. لذا أدرج اليونان، رغم ديانتها الأرثوذكسية، ورغم موقعها على حافة البلقان، نظرًا لأهمية الثقافة اليونانية القديمة بالنسبة لروما. ولم يرغب كونت كذلك أن يكون الغرب وحدةً عرقيةً، لذا ضمّ بولندا رغم كونها سلافية، وذلك لأنها كانت كاثوليكيةً منذ ألف عام. وهكذا، منذ البداية، انطلق الغرب برؤيةٍ مفتوحةٍ للعضوية لا تقوم على أساس الأصل الجيني أو الديني، مما أتاح إمكانية التوسع.
ورغم أن فكرة التوسع تلك قد توحي بالإمبريالية، إلا أن كونت على العكس تمامًا كان مناهضًا للاستعمار، وكانت رؤيته هي أن الغرب سيضمّ العالم بأسره يومًا ما، لكن ليس عن طريق الغزو؛ حيث أصرّ على ضرورة إلغاء الإمبراطوريات، وعلى منح الجزائر استقلالها، وعلى خروج الإنجليز من الهند، وتقسيم كل دولةٍ كبيرةٍ إلى جمهورياتٍ أصغر لتحسين إدارتها.
ومع تطور مفهوم الغرب عبر الزمن، أُضيفت دول ومناطق مختلفة أو أُزيلت منه. وخلال الحرب الباردة، نُظر إلى اليابان كجزء من الغرب، وإن كان ذلك في الغالب سياسيًا وعسكريًا وتكنولوجيًا، وبدرجة أقل ثقافيًا.
ويشبه وضع أوكرانيا اليوم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين وضع اليونان في العقد التاسع عشر، حيث تأثرت ثقافة البلدين بالمسيحية الأرثوذكسية. ومن الصعب لأي شخص الآن أن يشرح كيف يمكن القول للأوكرانيين إنهم ليسوا غربيين، بينما هم يقاتلون بشراسة لمنع تحولهم إلى دولة تابعة لروسيا. وتشبه الطريقة التي يتحدث بها الأوروبيون عن أوكرانيا اليوم إلى حد كبير الطريقة التي تحدث بها المعلقون الفرنسيون عن اليونان قبل مئتي عام بالضبط، حين كتب الكاتب الفرنسي السويسري بنيامين كونستانت عام 1825 أن الأوروبيين اعتادوا على رفاهيتهم وسلامهم، ورأى في اليونان شعبًا مستعدًا للنضال من أجل الحرية وأن يكون حصنا للغرب. وهكذا تُعدّ أوكرانيا عضوًا جديدًا إضافيًا في هذا الإطار الجامع الواسع المسمى “الغرب”؛ ولذلك فإن تعريف الغرب تعاد صياغته اليوم من جديد.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف جورجيوس فاروكساكيس أستاذ للتاريخ بجامعة كوين ماري في لندن. وقد نشأ وتلقى تعليمه في جزيرة كريت باليونان، ودرس التاريخ وعلم الآثار في جامعة أثينا الوطنية. ثم حصل على درجة الماجستير في النظرية القانونية والسياسية من جامعة لندن، ودرجة الدكتوراه في التاريخ من الجامعة نفسها. وقد انضم إلى هيئة تدريس جامعة كوين ماري بلندن عام 2006. وهو مهتم بتاريخ الفكر السياسي والتاريخ الفكري في القرنين التاسع عشر والعشرين.



