في كتابها الصادر حديثًا تحت عنوان “Crucible of Light: Islam and the forging of Europe from the 8th to the 21st Century” «بوتقة النور: الإسلام وتشكيل أوروبا من القرن الثامن إلى القرن الحادي والعشرين» [[1]] (2025) تُقدّم المؤلفة إليزابيث درايسون سردًا تاريخيًا واسعًا وتفسيرًا معمّقًا لدور الإسلام في تشكيل الهوية الأوروبية عبر أكثر من ألف سنة منذ القرن الثامن الميلادي مع دخول الإسلام إلى الأندلس عام 711م.
تعيد درايسون النظر في تاريخ القرون الثلاثة عشر الماضية، وتجمع بين خيوط التاريخ المتشابك للعالمين: الإسلامي والمسيحي، وتركز على نقاط التحول الرئيسية في تاريخ القارة، وعلى القصص الفردية، وعلى الأماكن المحورية، من مكة إلى قرطبة، ومن دمشق إلى البندقية، ومن فيينا إلى إسطنبول، متتبعة المواضيع التي تربط بين هذين العالمين: بدءًا من المعارف الكلاسيكية المحفوظة في المكتبات الإسلامية، إلى التأثير الدائم للعمارة والتصميم المغربي، والطعام المشترك، والسلع التي يتم تبادلها، والحوار المستمر بين الأفراد والثقافات الذي تغلغل في تاريخ أوروبا وشكّل حدودها. [[2]]
كما تستكشف درايسون أيضًا الجدل المتنامي الدائر بين المسلمين والمسيحيين في أنحاء أوروبا منذ دخول الإسلام إليها حتى اليوم، وهو حوارٌ بدأت ملامحه الأولى في التشكل خلال العصور الوسطى وبداية العصر الحديث. ولأن قلةً من الناس هي التي تدرك اليوم مدى تأثر أوروبا التاريخي بالإسلام، يهدف هذا الكتاب إلى تصحيح هذا التصور، ويعيد استكشاف التعقيدات اللامتناهية التي تُثيرها هذه العلاقة الشائكة، في وقتٍ يُختزل فيه الإسلام في أوروبا في قضايا الإرهاب والهجرة.
وتجادل درايسون ضد السردية الأوروبية الشائعة التي تصوّر العلاقة مع الإسلام بوصفها مجرد سلسلة من الصدامات (فتوحات، وحروب صليبية، وصراع أوروبي عثماني)، أو علاقة نقل معرفة محدودة انتهت بانتهاء العصور الوسطى. وتطرح بدلًا من ذلك رؤية تاريخية طويلة المدى ترى أوروبا والإسلام في حالة تداخل حضاري مستمر، وتلاقح معرفي متكرر، وتأثير متبادل في تشكيل الهوية، لا مجرد تأثير أحادي الاتجاه.
وتؤكد درايسون أن مفاهيم مثل أوروبا، والمسيحية، والعقلانية، والنهضة، والحداثة؛ تكوّنت جزئيًا في سياق الاحتكاك بالإسلام. وأن صورة “العدو الإسلامي” في المخيلة الأوروبية قد لعبت دورًا مهما في تشكيل هوية أوروبا، وفي بلورة تعريفها لذاتها.
لا يُعد الكتاب دفاعًا أيديولوجيًا عن الإسلام، بل هو تفكيك تاريخي للسردية الأوروبية المغلقة، وإعادة إدماج الإسلام داخل تاريخ أوروبا نفسه باعتباره لم يكن مجرد قوة خارجية تأثرت بها أوروبا، بل كان أحد العوامل الأساسية في تطور الحضارة الأوروبية، بسبب نقل العلوم والمعرفة الكلاسيكية إلى أوروبا عبر الفتوحات والتبادل الثقافي، والتأثير في الفنون، والإدارة، والفكر على مدار قرون.
نشير ختامًا إلى أن المؤلفة إليزابيث درايسون هي زميلة فخرية في اللغة الإسبانية في كلية موراي إدواردز في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة. وهي متخصصة في الأدب والتاريخ الثقافي الإسباني في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث، ولديها اهتمام خاص بالثقافات العربية واليهودية والمسيحية في إسبانيا خلال العصور الوسطى والعصر الذهبي الإسباني. ومن مؤلفاتها كتاب “الموقف الأخير للمغاربة” (2017)، الذي اختير ضمن أفضل كتب التاريخ لعام 2017 من قبل صحيفتي التايمز وصنداي تايمز، وكتاب “الفردوس المفقود: قصة غرناطة” (2021).
[[1]]https://www.panmacmillan.com.au/9781761774652/
[[2]]https://www.murrayedwards.cam.ac.uk/college-news/emeritus-fellow-elizabeth-drayson-publishes-landmark-book



