في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيوستيسمان» البريطانية تحت عنوان “The dead dream of the millennium” (حلم الألفية الميت) [[1]] يقول الكاتب: ألوين دبليو تيرنر إن زمن الألفية كان في يوم من الأيام مادةً للخيال العلمي، وزمنًا لفجر جديد، وقد ألمح فيلم المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك الملحمي “2001: أوديسة الفضاء” إلى هذا، وكذلك فعل العديد من الفنانين وكُتاب الأدب والدراما.
ولم يبدأ التعامل مع الألفية كحقيقة وشيكة، لا باعتبارها مجرد احتمال بعيد، إلا في منتصف التسعينيات. وقد تجلى هذا الإدراك في صعود الجماعات المؤمنة بقرب نهاية العالم. ولم يكن أي شيء في صعود هذه الجماعات بريئًا. ففي عام 1993، شهدت ولاية تكساس الأمريكية، مقتل 82 من أتباع المتطرف ديفيد قورش وأربعة عملاء فيدراليين. وشهدت سويسرا وكندا سلسلة من حالات الانتحار والقتل الجماعي ارتكبتها جماعة معبد الشمس، خلّفت ما يقرب من 100 قتيل خلال عامي 1994 و1997. وشهدت ولاية كاليفورنيا، عام 1997، انتحار 39 عضواً من جماعة بوابة السماء. وقد خشيت أجهزة مكافحة الجريمة في جميع أنحاء العالم من تصاعد موجة أعمال القتل.
أما التهديد الأشهر في تلك الفترة، فكان من التكنولوجيا، وذلك مع اكتشاف خطأ الألفية الرقمي عام 1995، المعروف أحياناً باسم Y2K. وكان سببه أنه في بدايات برمجة الحاسوب، عندما كانت الألفية لا تزال بعيدة، كان التاريخ يُمثَّل بستة خانات فقط (اليوم، والشهر، والعام)، كل منهم في خانتين وحسب، لتقليل استهلاك الذاكرة. ولكن فجأةً، برزت مخاوف من أن يؤدي إتباع الرقم 99 بالرقم 00 إلى تفسير البرامج له على أنه عام 1900 بدلاً من عام 2000. وخشي الناس حينها من أن العواقب ستكون كارثية، وأن المستشفيات والسجون والبنوك ستتعطل، وستتوقف محطات توليد الطاقة ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، وستسقط الطائرات من السماء. وتوقعت أكثر التنبؤات رعباً إطلاق أسلحة نووية بواسطة حواسيب معطلة. وقُدِّر وقتها أن ما بين 300 و500 مليار دولار أُنفق على أعمال إصلاحية لمعالجة المشكلة. ومع ذلك، فإن عدم وقوع كارثة جعل البعض يتساءل عما إذا كانت مشكلة عام 2000 مجرد خدعة.
وقد كان ثمة شيء تافه للغاية بشأن تلك المشكلة. ففكرة أن البشرية قد تدمر نفسها لأنها استخدمت ستة أرقام بدلاً من ثمانية لتحديد التاريخ، كانت غير معقولة ثقافيًا، وبعيدة كل البعد عن سفر الرؤيا (الذي يحدد ملامح نهاية العالم من الناحية الدينية وفق التصور المسيحي)، ومبتذلة للغاية بالنسبة للخيال العلمي؛ ومثيرة للشفقة بشكل عام.
لكن على الأقل في ذلك الوقت، كان هناك سبب وجيه للاحتفال برأس السنة، فلم تكن تلك أوقاتًا عصيبة. وكان الاقتصاد العالمي ينمو، والمزاج العام متفائلًا، بل كان هناك أمل في أن يُبدأ في معالجة تغير المناخ مع بروتوكول كيوتو لعام 1997. وكان الغرب يُهنئ نفسه حينها على انتصاره في الحرب الباردة، وأعلن الخبير الاقتصادي السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما في تلك الآونة “نهاية التاريخ”. وبدا يومئذ أن الخطر الأكبر هو التراخي لا الكارثة. وقد تجلى ذلك في موسيقى البوب في تلك الحقبة، وأغانيه السهلة الترديد التي لم تكن تحمل أي نبرة كارثية.
ولكن بدا أن الألفية قد حددت مسار الكثير مما تلا عشيتها الهادئة، من أحداث وقضايا سياسية واجتماعية صاخبة في هذا القرن مثل حركة (حياة السود مهمة)، وجائحة كوفيد-19، وما اتسمت به من ضجيج هائل، وتصريحات جريئة بأننا في عصر جديد، وأن الأمور لن تعود كما كانت، ولكنها كانت مواقف ورود فعل أعقبها نسيان شبه فوري، مصحوب بشيء من الحرج.
رغم النبرة المرحة والساخرة التي تظهر من حين لآخر في المقال، يقتبس تيرنر في الختام، -في حزن واضح على وعود الألفية التي تبخرت في بلاده بريطانيا وفي العالم برمته- من الشاعر والكاتب المسرحي الأمريكي تي إس إليوت، ويقول إن إليوت ربما كان محقاً عندما قال إن “العالم لن ينتهي بانفجار، بل بنشيج وأنين “.
[[1]]https://www.newstatesman.com/ideas/2025/12/the-dead-dream-of-the-millennium



