في سبتمبر/أيلول من عام 1219 مـ، وبينما كانت جيوش الحملة الصليبية الخامسة تُحاصر مدينة دمياط المصرية، ذهب الراهب المسيحي فرانسيس الأسيزي (مؤسس الرهبنة الفرنسيسكانية) مع ثلاثة عشر من رفاقه إلى مصر ليُلقي موعظة على السلطان الكامل، خامس سلاطين الدولة الأيوبية، وابن أخ صلاح الدين.
ومع أننا لا نعرف إلا القليل في الواقع عن هذا الحدث، إلا أن هذا لم يمنع الفنانين والكتاب الأوروبيين بين القرن الثالث عشر إلى القرن العشرين، من التحرر من الحقائق والوقائع المجردة، وتصوير فرانسيس بصور عديدة بصفته رسولا يعظ الكفار، أو عالم لاهوت سكولائيا يثبت حقيقة المسيحية، أو بطلا للحملات الصليبية، أو رحّالة ساذجا وخياليا، أو بوصفه متعصّبا دينيا مجنونا، أو داعية سلام يدعو إلى المحبة والتفاهم. أما السلطان الكامل، فقد صوره هؤلاء الأوروبيون على أنه ملك وثني مستنير، متعطش لمعرفة التعاليم الإنجيلية، أو على أنه حاكم شرقي قاسٍ، أو شخص فاسق عاشق للدنيا وشهواتها.[[1]]
في كتابه الصادر عن منشورات جامعة أكسفورد تحت عنوان «Saint Francis and the Sultan. The Curious History of a Christian–Muslim Encounter» “القديس فرنسيس والسلطان: تاريخٌ عجيبٌ للقاءٍ مسيحيٍّ-إسلامي” (2009) يلقي المؤلف جون تولان نظرةً مُفصّلةً على التفاعلات الفنية المتنوعة والثرية التي نتجت عن تفاعل الفنانين والكتاب الأوروبيين مع هذا اللقاء التاريخي القصير شديد الرمزية، والذي ولّد كتاباتٍ كثيرة ومتنوعة في الغرب على مر القرون. [[2]]
وقد احتفى بعض الكُتّاب الفرنسيين- بشكل خاص- بفرانسيس باعتباره بطلا في القرون: الثالث عشر والسابع عشر والثامن عشر، واستخدموا الشكل الملحمي (أرقى الأنواع الأدبية الكبيرة بحسب المنظرين الفرنسيين)، وقلدوا أسلوب الشاعرين الرومانيين الكبيرين: فيرجيل صاحب ملحمة “الإنيادة”، وأوفيد الذي اشتهر بأعماله الشعرية التي تناولت الحب والأساطير. وتُوجد في بعض المدن الإيطالية معظم اللوحات والصور الفنية والجداريات والمنحوتات التي تُصوّر النصوص التي تناولت ذلك اللقاء بين الراهب والسلطان، كما يوجد بعض منها في القاهرة. وقد أجرى تولان بحثًا شاملًا وقيّم النصوص والأيقونات بدقة في هذه الدراسة.
وينقسم الكتاب إلى جزأين، حيث خُصصت تسعة فصول في الجزء الأول منه للقرنين الثالث عشر والرابع عشر، بينما تُغطي خمسة فصول في الجزء الثاني القرون من الرابع عشر إلى الحادي والعشرين.
ومن خلال هذا العرض التاريخي المُفصل يلقي هذا الكتاب الضوء على المخاوف والآمال المتغيرة التي ألهمتها اللقاءات والمواجهات بين المسلمين والمسيحيين في نفوس الفنانين والكتاب الأوروبيين على مر القرون منذ ذلك الحين، ويقدم رؤية واسعة النطاق لتطور المواقف الغربية تجاه الإسلام والعالم العربي على مدى الثمانمائة عام الماضية.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف جون تولان أستاذ للتاريخ في جامعة نانت الفرنسية. وهو حاصل على بكالوريوس في الدراسات الكلاسيكية من جامعة ييل، ودرجتي ماجستير ودكتوراه في التاريخ من جامعة شيكاغو. ويهتم تولان في أبحاثه بدراسة تاريخ شبكة العلاقات الثرية في عالم البحر الأبيض المتوسط في العصور الوسطى بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، والبحث في التبادل الثقافي والفكري والاقتصادي الذي لعب دورًا أساسيًا في تطور الثقافات العربية واللاتينية والبيزنطية.
[[1]]https://global.oup.com/academic/product/saint-francis-and-the-sultan-9780199239726?cc=eg&lang=en&#
[[2]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/22/1/128/692512



