لا يزال الحديث يجري في الأوساط الفكرية والثقافية في الوطن العربي بين الفينة والأخرى بين مَن جرفهم التغريب، وغيرهم مِن الذين يريدون تجديد الأمة من داخلها، والسؤال المطروح هو: هل نأخذ الحداثة المعاصرة الغربية على الحالة التي نشأت فيها وسط بيئتها الفكرية الغربية؟ أم نأخذ مصطلح التجديد العربي/ الإسلامي، المعبر عن ثقافتنا وأصالتنا، والذي يعطينا ما نريده من إزالة للعوائق التي تقف أمام نهضتنا وتقدمنا؟
عندما ظهرت الحداثة الغربية ظهرت وهي تحمل رؤية فلسفية، وفكرية للعالم والكون والحياة، وحاولت صياغة المدركات الإنسانية على أسس جديدة مختلفة عن التصورات التي كانت سائدة قبل ظهورها، لكن البعض يرى أن هذه الحداثة وتصوراتها ليست مسألة جديدة، بل هي حالة جنينية في التراث الغربي. فالمشروع الحداثي، لم يأت فجأة، ولم يتشكل دفعة واحدة، وقد سبقت هذه الولادة حركات الإصلاح الديني في الغرب، ثم جاء عصر الأنوار الذي حسم القطيعة مع الفكر الكنسي القديم، ثم ظهر مفهوم الحداثة، لكن هذا المشروع جاء ليناقض الكنيسة وتصوراتها فقط، وليس كل ثقافة الحضارة المسيحية واليونانية، وقد كانت الكنيسة تتدخل في قضايا العلم والاختراع، ولهذا تم إقصاء هذه التصورات التي لا دخل لها في الديانة المسيحية التي هي ديانة روحية.
ومع ذلك فقد كانت رؤية الكثير من الفلاسفة غير متطرفة تجاه الكنيسة، عكس كثيرين من غيرِهم، والذين كانوا -بالمناسبة- قساة حتى على الدين نفسه، كما أن الدين بريء من الكثير مما فعلته الكنيسة تجاه العلم والاختراع. ولا شك أن للاكتشافات العلمية، والتغّيرات الفكرية الكبرى في الغرب، أثرها الكبير في تحقيق التحولات الفكرية والعلمية في الغرب، وكانت هذه الاكتشافات العلمية، هي التي جرفت بعض الفلاسفة والمفكرين إلى مقولات مادية صرفة، تتجلى فيها الكراهية للكنيسة بسبب ما فعلته من محاربة للعلم والتقدم، دون مبرر في تحميل الأديان ممارسات لا تعبر عنها حقيقة كما أشرنا آنفاً.
لكن عندما جاء الإسلام ونزلت رسالته العالمية، تمت تسمية العصر الذي قبله بالعصر (الجاهلي)، تمييزا عن عصر الإسلام الذي كسر الأغلال الشركية عن أمة العرب والمسلمين الذين آمنوا برسالة هذا الدين، فالإسلام ليس عدوا للحداثة بإطلاق، أو النهضة في شتى المجالات، ففي العصر الإسلامي الأول، كان هناك انفتاح على الحضارات والفلسفات الأخرى، التي تتقاطع فكريا مع الإسلام في جوانب كثيرة، كالحضارة الرومانية واليونانية والفارسية، قبل اندماجها في الإسلام أخذا وعطاء. وفي العصر الأول أيضا وخصوصا في فترة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تم أخذ بعض التطبيقات الفارسية في الإدارة، ثم في عصور إسلامية تالية تم الالتقاء مع حضارات عديدة، أخذا وعطاء، ثم بعد ذلك استفاد الغرب من الحضارة الإسلامية في وقت ازدهارها بعد فترة الحروب الصليبية، وفي فترة الحكم الإسلامي في الأندلس، وهذا باعتراف الغربيين أنفسهم، وكل الحضارات الإنسانية تتبادل الأفكار، وتستفيد من العطاء الإنساني، وكل حضارة تضيف إلى الأخرى رصيدا جديدا في مجال التطورات العلمية والفكرية، منذ فجر التاريخ حتى الآن، لكن بشرط أن يكون الأخذ بما يلائم فكرها وثقافتها، ولا يتصادم معهما، خاصة في التصورات الاعتقادية.
لكن الإشكالية في الحداثة الغربية، أنها جعلت من نفسها النموذج الأوحد الذي يجب أن يسود العالم، وهذا الأمر يغاير مقولاتها في الحرية والديمقراطية. كما أن من مرتكزاتها الأساسية أنها لا تعترف بالتعددية الفكرية والتنوع في الثقافات الإنسانية، لأنها تريد أن تكون الرؤية الفلسفية الغربية هي التي تسود العالم، وهذه إحدى مساوئ الحداثة الغربية، فهي، أي الحداثة، لها وجهان، كما يرى البعض: الوجه الإيجابي وهو دعوتها إلى تفجير طاقات الإنسان، ورفع القيود عنه، بالحرية والعقلانية والاهتمام بالعلم، والتطور إلى آخر المقولات.. أما وجهها الثاني والذي تحاول دائما تجميله فهو ما يناقض هذه المقولات من الهيمنة والتسلط، والاستعمار، والنظرة الدونية إلى الثقافات الأخرى.
وإذا كان هدف الحداثة، استقلال الإنسان وتحرره وإطلاق عقله في الحياة الإنسانية، فالمشكلة الأساسية التي يقع فيها بعض المفكرين والمثقفين العرب، الذين انبهروا بالغرب في رؤيته للنهوض والتقدم المعاصر هي أن انبهارهم بما جرى في الغرب من نهضة علمية وفكرية، جعلهم مجرد تابعين، لكل ما سار عليه، دون مراعاة اختلاف الظروف الفكرية والثقافية بيننا وبينه، متجاهلين أن لكل أمة رؤيتها الفكرية وثقافتها الذاتية الخاصة.
هؤلاء المنبهرون بالغرب لا يريدون الانطلاق من داخل ذواتهم وأفكارهم، بل يرون أن الوصول للحداثة والنهضة لا بد له من الاندماج في الغرب والقطيعة التامة مع تراثنا وقيمنا، والانسلاخ من كل ما نملكه في رصيدنا الفكري والحضاري، ولا شيء غير ذلك إذا ما أردنا أن نسير مسيرة الغرب في سعيه إلى تملك الحداثة، وهذه للأسف عقلية جامدة وسقوط في فكر الآخر، مع أنهم يتهمون المخالفين لهم بالجمود في الماضي، على ما أنتجه الغربيون، والمسير عليه ليس بالإبداع، بل بالتقليد والالتحاق به.
يعتقد هؤلاء أن الغرب عندما تخلى عن تراثه تقدم ونهض، وتحقق له ما أراد من تقدم وحضارة، ومن ثم ظهرت الحداثة، وهذا ليس صحيحا تماما، فالغرب نفسه تدرج في مسيرته الإصلاحية، بدءًا من حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في أوروبا الغربية، قبل أن تنطلق ما تسمى بحركة الأنوار في القرن الثامن عشر وما بعدها، ينقل د/ محمد عابد الجابري في كتابه (في نقد الحاجة إلى الإصلاح)، عن أحد المثقفين الغربيين في القرن الثاني عشر قوله: «لا يمكن الانتقال من ظلمات الجهل إلى نور العلم إلا بقراءة وإعادة قراءة كتب القدماء بشغف حي ومتزايد، فلتنبح الكلاب، ولتغمغم الخنازير، فإن ولائي للقدماء سيبقى قائما، وسأظل منصرفا إليهم بكل اهتماماتي، وسيجدني الفكر منهمكا في قراءة مؤلفاتهم».
والحداثة عندما ظهرت مع عصر ما سمي بالأنوار حملت الشيء الكثير من الإيجابيات المتعلقة بأفكار النهضة والتقدم، لكنها بالمقابل أيضا حملت الكثير من السلبيات المتعلقة بالفلسفة المادية والنظرة إلى العقل باعتباره المرجعية الوحيدة في المعرفة الإنسانية، لذلك الإسلام كما أرى، لا يتقبل النماذج الجاهزة، والتسليم أو الانسحاق أو الانصهار لكل الأفكار والأيديولوجيات دون النظرة الواقعية لما هو جدير بالأخذ، أو الرفض والنقد لما هو مخالف وسلبي، كما يراه الإسلام في مضامين توجهاته ونظرته العامة.
والحداثة نفسها أيضا، لم تسلم من النقد العنيف من طرف المفكرين والفلاسفة الغربيين أنفسهم، منذ ظهورها في القرن الثامن عشر، وقد ازداد هذا النقد بصورة كبيرة في القرن التاسع عشر، بعد ظهور مفهوم (ما بعد الحداثة)، الذي يخالف مفهوم وفلسفة الحداثة في الكثير من توجهاتها ومقولاتها،
فإذا كان الغرب نفسه، راجع مفهوم الحداثة، وناقض رؤيتها الفلسفية والفكرية، بل وطالب أحيانا بتجاوزها من خلال فلسفة (ما بعد الحداثة)، حتى وصلت به الصرامة والحدة في النقد إلى حد التقاطع، أليس من حق الثقافات والحضارات والأديان الأخرى، المغايرةُ والتناقضُ، مع هذه الفلسفات والأفكار التي تخالفها فكريا في بعض فلسفاتها؟
إذن الحداثة واجهت سهام النقد العنيف من داخلها، ولم تكن رؤيتها محصنة من الأخطاء والالتباسات، ومن وجهة نظر الغربيين أنفسهم. فريدرك نيتشه، كان من الداعين إلى نقد العقل الغربي، وتعرية أنساقه وتحطيمها. والفيلسوف الألماني (يوغرن هابر ماس)، اعترف بأزمة الحداثة، في الغرب، وقال إن الحداثة في أزمة، وصرّح بأنها (مشروع لم يكتمل)، كما أن العديد من المفكرين الغربيين البارزين في القرن العشرين، دعوا إلى هدم الحداثة وتفكيك مقولاتها وهدمها، ومن هؤلاء ميشيل فوكو (1926..1984)، وجاك دريدا (1930..2004)، ومارتن هيدجر، كل هؤلاء دعوا إلى تفكيك الحداثة وتقويض الصرح الفلسفي الغربي، وإزالة ذلك التعالي الكاذب. الذي وصف نفسه به، كما أن هناك الكثير من النقاد الغربيين الذين نقدوا العقلية الغربية الحداثية التي قدّست الإنسان، وأعطته مركز الاهتمام، ولذلك فإن بعض الحركات الفكرية في الغرب أرست (مبدأ نسبية المعرفة) وعدم قبول التعميمات التي وضعتها الحداثة للمعرفة الإنسانية.
كما أن الحداثة من الناحية المنطقية والواقعية، لا تستنسخ ولا تستجلب من خارج نطاقها، فهي كفكر وفلسفة، تبدع إبداعا من داخلها لكن من الصعب عليها أن تبدع خارج إطارها الداخلي، وهذا ما يبرز في تطبيقات الحداثة في دول عديدة عربية وغيرها، لأن التربة غير صالحة للغرس دون انتقاء أو فرز.
ويرى العالم الألماني المسلم: مراد هوفمان في بحثه (مستقبل الإسلام في الغرب والشرق)، أن منطلقات عصر الأنوار أصابها الكثير من التصدعات السياسية والفكرية، وأن المحنة الأخلاقية والفكرية في زماننا، ومشكلة ما سمي بالعدمية والقيم النسبية، قد نجمت كلها عن حقيقة مهمة، وهي أن خطاب العقل الذي حفظ الفكر الأوروبي منذ عصور التنوير قد انهار. معتبرا اتهام المسلمين بأنهم فوتوا فرصة التنوير التي لاحت لهم، ضربا من الفحش والقذارة.
والخلاصة أن الحداثة رؤية غربية خالصة، انبثقت من ظروف صراعها المرير مع الكنيسة، وقد جاءت ردود الفعل كبيرة مع التراث الكنسي في أوروبا، حتى وصلت لحد القطيعة والعدم في فلسفات عديدة. وقد جعلت هذه الحداثة الإنسان محور الكون، وقدست العقل، وغيبت القيم، وأعلت من شأن المادة، على الرغم من الفتوحات الكبيرة في مجال العلوم والتكنولوجيا، وغيرها من أوجه التقدم العلمي والتقني. وهذا ما جعل الحداثة تتناقض مع الكثير من مقولاتها، بعدما خرجت عن هدفها الأساسي ومناهجها في بدايات انطلاقتها الفكرية.



