في مقاله المنشور حديثًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “Democratic Peace Theory, R.I.P.” (نظرية السلام الديمقراطي، فلترقدي في سلام) [[1]] يقول عالم السياسة الخارجية وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن والت إن نظرية السلام الديمقراطي كانت شغلًا فكريًا رئيسيًا لعلماء العلاقات الدولية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي وحتى أواخر القرن الحادي والعشرين. وقد استندت تلك النظرية على الملاحظة التجريبية التي تقول بأن الدول الديمقراطية الراسخة لا تخوض حروبًا فيما بينها، وهي نتيجة وصفها أحد الباحثين البارزين بأنها “أقرب إلى قانون تجريبي في دراسة العلاقات الدولية”.
وقد تمتعت تلك النظرية بجاذبية قويّة لدى السياسيين الذين يسعون لتبرير جهود الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية حول العالم أو لتوسيع مؤسسات مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ حيث أوحت بأن العالم إذا كان مكوّنًا بأكمله من دول ليبرالية فإنه سيكون خاليًا من الحروب.
لم يكن من المستغرب أن تجتذب ادعاءات نظرية “السلام الديمقراطي” الجريئة عددًا كبيرًا من النقاد، حيث أشار بعض الباحثين إلى أن الآليات السببية الكامنة وراء النتائج التجريبية لها متضاربة وغير مقنعة. بينما رأى البعض الآخر أن ندرة الحروب بين الديمقراطيات الملحوظة قد تكون مجرد صدفة إحصائية بسبب قلة وجود ديمقراطيات حقيقية قبل عام ١٩٤٥. غير أن هناك رأيا مغايرا لما سبق يُرجع أصحابه غياب الحروب بين الديمقراطيات إلى كون معظم الديمقراطيات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية كانت جزءًا من شبكة تحالف أمريكا خلال الحرب الباردة.
وقد استمر هذا الصراع الفكري على صفحات المجلات والدراسات العلمية، ووصل في النهاية إلى طريق مسدود، حيث أصبحت نتائج تلك الدراسات المتنافسة واسعة النطاق تعتمد بشكل متزايد على الافتراضات وتقنيات النمذجة.
في المقابل يشير والت إلى أن وجهة نظره الشخصية هي أن نظرية “السلام الديمقراطي” لا تُخبرنا كثيرًا عن شكل عالم مُكوّن بالكامل من الديمقراطيات، لأن عالمًا كهذا لم يوجد قط؛ وإذا استُبدلت جميع الأنظمة الاستبدادية بأنظمة ديمقراطية، فقد تنظر هذه الأنظمة حتى الجمهوريات الكانطية (نسبة إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، والمقصود الجمهوريات العقلانية المستنيرة) إلى بعضها البعض بشيء من الريبة، وتبدأ في التمييز بين بعضها البعض تمييزًا بغيضًا؛ لأن تقاسم المبادئ الديمقراطية لا يُلغي جميع تضارب المصالح.
وإذا كان الأمر كذلك، فقد لا يكون نشر الديمقراطية على نطاق واسع هو الحل الشافي، لأنه لا يزال ثمة قلق على السلام الدولي بسبب تشجيع تلك النظرية للدول الديمقراطية القوية على شن حملات عنيفة ضد الدول غير الليبرالية باسم السلام، وهذا سيؤدي بدوره تدريجيًا إلى تآكل المعايير والحريات الليبرالية في داخل تلك الدول الديمقراطية، وهو ما حدث بالضبط في الولايات المتحدة بعد حربي أفغانستان والعراق.
وقد اعتقد كثيرون بحسب والت أن الديمقراطية الليبرالية هي موجة المستقبل، وافترضوا أنها ستستمر في الانتشار بعد انتصارها الظاهري على الإمبراطورية السوفيتية. لكن هذا التوقع كان مُخطئًا تمامًا، فالديمقراطية-بحسب الكاتب- في تراجع حول العالم منذ ما يقرب من 20 عامًا، وهي تتآكل بسرعة حتى في الولايات المتحدة نفسها التي لطالما زعمت أنها نصيرها الرئيسي. أما الهند، أكبر ديمقراطية في العالم من حيث عدد السكان، فتتجه نحو اتجاهات غير ليبرالية بشكل متزايد. وقد نجت البرازيل بصعوبة من محاولة استيلاء استبدادي بعد انتخاباتها الأخيرة. وتواجه العديد من الديمقراطيات الراسخة في أوروبا اليوم أزمات شرعية خاصة بها.
لذا، فمن الممكن تمامًا أن تصبح جميع القوى الكبرى في العالم والعديد من القوى المتوسطة والصغيرة أيضًا لا ليبرالية ولا ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة، على عكس الرؤية الخطية المتفائلة لنظرية “السلام الديمقراطي”.
في ختام مقاله يقول والت الذي لا يؤمن بنظرية “السلام الديمقراطي” والذي يرى التخلي عنها هو النهج الأكثر تواضعًا وواقعية بما يُصعّب تبرير محاولة فرض الديمقراطية عالميًا بقوة السلاح: بأنه يرجو مع ذلك أن تتراجع الولايات المتحدة عن مسارها الحالي، وأن تظل جمهورية ليبرالية قوية، يحترم فيها السياسيون، على اختلاف توجهاتهم، المعايير الديمقراطية وسيادة القانون، ويُحاسبون على انتهاكهم لهذه المبادئ. وأن تُعزز أمريكا القوية من هذه القيم من خلال تقديم مثال جيد للحكم الرشيد والعادل والفعال؛ وأنه يرجو كذلك أن تحاكي المجتمعات الأخرى أمريكا في هذا الصدد، ولكن بطريقتها الخاصة وبوتيرتها الخاصة.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/10/28/democratic-peace-theory-definition-democracy-international-relations-us/



