في مقاله المنشور حديثًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “From Berlin to Baghdad on the Ruins of a WWI Railway” (من برلين إلى بغداد على أنقاض خط سكة حديد من الحرب العالمية الأولى) [[1]] يشير الكاتببن باكلاند إلى أن خط السكة الحديدية غير المكتمل بين العاصمة الألمانية برلين وبغداد في المشرق العربي يرسم لنا اليوم ملامح هذه المنطقة الممزقة من العالم التي لا تزال تعاني من صراع المشاريع الإمبريالية على أرضها.
يقول باكلاند إن هذا المشروع الذي لم يكتمل أبدًا، قد بدأ في عام 1903، وكان محاولة جريئة من جانب الإمبراطوريتين الألمانية والعثمانية لتجاوز قناة السويس وإنشاء طريق بري سريع إلى الخليج الفارسي (العربي). وقد كان هذا المشروع بالنسبة للألمان وسيلةً لترسيخ تحالفهم مع العثمانيين، والضغط في الوقت نفسه على الإمبراطورية البريطانية في الهند. ولم تُضفِ الشكوك لاحقًا حول وجود النفط في بلاد ما بين النهرين أيّ طابع يذكر على قيمة وأهمية هذا المشروع.
بالنسبة للعثمانيين، الذين رأوا قلب إمبراطوريتهم في البلقان يتفتت وينفصل، فقد كانت السكك الحديدية جهدًا مهما لضمان عدم انزلاق مقاطعاتهم الآسيوية إلى نفس المصير. وكما يشير يوجين روغان، مؤلف كتاب “سقوط العثمانيين”، فقد كانت السكك الحديدية وسيلةً للعثمانيين لتوسيع نفوذهم الفعلي في منطقةٍ كان سجلّ حكمهم المباشر فيها ضعيفًا للغاية. وأيضًا لإبقاء الأكراد قريبين، والعرب قريبين، والأرمن قريبين؛ وذلك في محاولة لإبقاء شعوب الإمبراطورية المختلفة مرتبطةً بحكم إسطنبول.
وبالنسبة لكل من الإمبراطوريتين الألمانية والعثمانية فقد كان هذا المشروع وسيلة لنقل الأسلحة عبر القارات بينما كان العالم يستعد للحرب.
اليوم، وبعد قرن من محاولة برلين وإسطنبول ربط أوروبا بالخليج عبر السكك الحديدية، لا يزال هذا الخط غير المكتمل يعكس تصدعات اليوم، ويشير إلى سباق جديد لإعادة رسم معالم الاتصال الأوراسية. فبينما تُروّج تركيا الآن لمشروع “الممر الأوسط”، وهو طريق عبر بحر قزوين يسعى لمنافسة قناة السويس وتجاوز روسيا، تُسوّق بغداد في هذه الأثناء، مشروعها الطموح “القناة الجافة”، وهو طريق مُقترح وخط سكك حديدية يربط ميناء الفاو الكبير بتركيا ثم بأوروبا. ومثل خط سكة حديد برلين-بغداد، يساعد هذا المشروع في تقليص أيام العبور التي يستغرقها المرور في قناة السويس. وفي غضون ذلك تُموّل رؤوس الأموال الصينية حاليًا سكك حديد البلقان لصالح مبادرة الحزام والطريق (BRI). ولكن على غرار خط سكة حديد برلين-بغداد التاريخي، لا تزال هذه المشاريع غير مُكتملة.
ويكشف تتبعنا اليوم مسار السكة الحديدية المهجور الممتد من مدينة هامبورغ الألمانية التي تتصل بساحل بحر الشمال ومياهه الباردة عن طريق نهر الإلبه، وصولاً إلى مدينة البصرة العراقية المتصلة بمياه الخليج الدافئة عبر نهرها “شط العرب” الذي يمثل مصب ونقطة التقاء نهريها دجلة والفرات؛ يكشف لنا هذا التتبع أن مسار السكة هذا ربما يحمل في زمننا الراهن أحلامًا مختلفة جذريًا عن طموحات القيصر الألماني، إذ يعكس هذا المسار اليوم طموحات المهاجرين واللاجئين الراغبين في الهروب من الفقر ومناطق النزاع.
خلال رحلته على مسار خط سكة حديد برلين -بغداد، وأثناء زيارته إسطنبول، زار الكاتب قصر طوب قابي الذي يضم بين غرفه وأجنحته الكثيرة، جناح بغداد، الذي بُني بين عامي ١٦٣٨ و١٦٣٩ تخليداً للغزو العثماني لبلاد الرافدين، والذي تُطل نوافذه وشُرفه على مضيق البوسفور. وفي مكان آخر من هذا القصر، وجد باكلاند آثاراً منسوبة لحقب زمنية مختلفة منها: شعرات من لحية النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)، وذراع وأجزاء من جمجمة يوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام)، وسيف الملك داوود. وقد وصلت هذه القطع إلى إسطنبول من خلال استيعاب الإمبراطورية لأجزاء من العالمين العربي والبيزنطي. ويعكس الخطاب البصري في هذا القصر -بحسب الكاتب- دولة تُقدم نفسها على أنها إمبراطورية عالمية، وريثة لسيادات متعددة؛ فلم يكن فتحها للبلدان يعني فقط السيادة على مزيد من الأرض، بل كان يعني أيضاً حراسة الطرق والأضرحة والقصص والسرديات.
استقل باكلاند القطار لأكثر من 400 ميل جنوبًا إلى قونية في تركيا. وكانت الرحلة بحسبه مريحة وسريعة للغاية، وشاهد خلالها البنية التحتية الجديدة ذات المظهر البراق، وعلى مدار بضع ساعات مر بجانب شاطئ بحر مرمرة، ثم دخل إلى هضبة الأناضول، ورأى المشهد يتحول من الأخضر حيث المروج في الجزء الأوروبي من تركيا إلى الأصفر حيث العمق الآسيوي للبلاد.
وبينما كان الكاتب يصعد جبال طوروس من هضبة الأناضول باتجاه الحدود السورية جنوبًا، بدأ المشهد يتغير أمامه مرة أخرى ليشاهد: غابات الصنوبر، والحجر الجيري الأبيض، والأدغال المنخفضة. ثم يمتد خط السكة الحديدية صاعدًا التلال عبر الأنفاق والجسور، متتبعًا وديان الأنهار. ليتوقف في إيريجلي، وهي بلدية في قونية، ليجد على الرصيف، نقشا حفره الألمان لكلمة “بغداد” على جرس المحطة – تذكيرًا بالهدف الأسمى للخط.
حاول الكاتب التوجه جنوبًا، لكن السلطات التركية لم تسمح له بالعبور إلى سوريا. إلا أنه توجه شرقًا بالحافلة، وعبر نهر الفرات في الظلام، متتبعًا خط أنابيب كركوك-جيهان على طول الحدود الجنوبية لتركيا. ويُمثل هذا الأنبوب نقطة وصل، وخط صدع، في آنٍ واحد، حيث خاضت بغداد وأربيل صراعًا لسنوات حول من يسيطر على النفط الخام الكردي ومن يحق له بيعه.
خلف الحدود، شاهد باكلاند ناطحات السحاب والمشاريع الفاخرة في مدينة أربيل تلوح أمامه في الأفق. وبعد نقطتي تفتيش، وصل إلى منطقة كانت خاضعة سابقًا لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. وعلى مشارف الموصل حدثه الناس من هناك إلى بغداد عن قصص المعارك والدمار والتفجيرات الانتحارية التي شهدتها المنطقة.
ورغم مرور عدة سنوات على سقوط تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل، لا تزال محطة القطار في تلك المدينة الكبرى شاهدةً على الدمار الذي حدث على أرضها. فليس ثمة قطارات اليوم تعمل في محطة الموصل، والمسارات مليئة بعربات مهجورة انقلبت وتمزقت خلال معركة هزيمة التنظيم. وقد ذكر ناظر المحطة، للكاتب، أن السكك الحديدية “كانت هي ما يربط البلاد بأكملها. والآن قد دمرتها الحرب”. وقد ذكرته هذه الكلمات بما قاله أيضًا نائب رئيس الوزراء العراقي السابق علي علاوي (مؤلف سيرة الملك فيصل الأول) بأن: ” خطوط السكك الحديدية كان لها دور أساسي في ربط العراق ببعضه البعض”. وفي سياق متصل-واللبيب بالإشارة يفهم- أكد له أن انهيار الإمبراطورية العثمانية جاء نتيجة: ” لعدم قدرة الدولة على فرض هوية موحدة على البلاد من خلال وصولها إلى المدى الذي اضطرت فيه السلطة المركزية إلى التنازل عن سلطتها للقوات الإقليمية والمحلية؛ فهذا صراع دائم… لم يُحلّ بعد” على حد تعبير علاوي.
في ختام مقاله يقول باكلاند إنه أينما ذهب، وجد آثارًا، وسمع أصداءً قديمة مازالت تدوي للإمبراطوريات التي حكمت هذه المنطقة. ولكنه بعد وصوله على متن القطار الليلي من بغداد إلى البصرة، أدرك بينه وبين نفسه أن أحدث إمبراطورية بينهم وهي الولايات المتحدة، لم تترك أثرًا يُذكر سوى الدمار والخراب الذي خلفه غزوها العسكري للبلاد.
وفي نهاية رحلته، وبينما هو جالس على شاطئ الخليج العربي، بينما كان حرّ البصرة القائظ ينحسر، يخبرنا باكلاند بأنه سأل أستاذا جامعيا من أبناء المدينة يدعى أحمد، عن الأمريكيين وغياب أي أثر مادي لوجودهم. فرد عليه وقال: “لقد حاولنا محو كل شيء؛ فعلى عكس خط السكة الحديدية غير المكتمل الذي يربطنا بالعالم، فإن هذا الجزء من ماضينا نرغب في نسيانه”.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/08/22/berlin-baghdad-railway-transportation-empire-history/



