تعتبر إشكالية موقف الإسلام من الحريات الفردية مفهوما وممارسة من الإشكاليات المعاصرة الحادة، التي تثير العديد من التشنجات والصراعات في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، فالكثير من الناس في هذه المجتمعات لديهم اعتقاد راسخ أن الإسلام ومقتضياته التعبدية والتشريعية يعارض الكثير من مظاهر التحرر الفردي، ويشكل عائقا أمام نزعات التحرر في هذه المجتمعات، وبالمقابل توجد فئة أخرى لا تقل عنها عددا ترى خلاف ذلك، وتعتقد أن هدي الإسلام وتعاليمه تشجع على ممارسة الحرية وتحرض عليها.
إن مراجعة المنجز الفكري والفقهي حول موقف الإسلام من الحريات الفردية في العقود الثلاثة الماضية، ولدى جميع التيارات، يكشف بالملموس أن إشكالية العلاقة بين الطرفين ليست إشكالية حكم فقهي، أو فتوى (يجوز وما لا يجوز)، بل الإشكالية في العمق إشكالية سوء فهم عظيم لطرفي هذه الإشكالية (الإسلام والحريات الفردية)، سوء فهم يجعل الكثير من معاركنا في هذا الموضوع وما شابهه خارج سياق التاريخ، أو بعبارة أخرى ليست خطوة تقدمية.
إن المدخل الرئيس لتسوية العلاقة بين الإسلام والحريات الفردية على الصعيد النظري، أو على الأقل تعزيز الحوار والتواصل الإيجابي حولها هو إعادة النظر في عدد من المسبقات وعلى رأسها طبيعة موقف الإسلام من الحريات الفردية، وإذا كان بين الطرفين تعارض، فبأي معنى؟ وهل فعلا يشكل الدين العائق الرئيس أمام التحرر أم هناك عوائق أخرى، ولعلها أبلغ تأثيرا من الدين في إعاقة التحرر؟
ولا نحتاج إلى التأكيد في هذا الباب على أن هذه المراجعة ضرورية للتخلص من النزعات الأصولية لدى الإسلاميين والتحررين.
- الإسلام والإنسان الحر
إن إعادة التفكير في علاقة الإسلام بقضية الحريات الفردية تدعونا وبشكل تلقائي إلى التفكير في علاقة الإسلام بالمحدثات التي تحدث وتستجد في حياة الناس، والتي تعكس تقلبات الزمان، والتاريخ، فالديناميات المتعددة التي تحمل الإنسان، ويعيش فوق ظهرها سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية.. هي التجلي الأكبر للتاريخ. ومن ثم فالتفكير في علاقة الإسلام بالحريات الفردية كجزئية هو تفكير بالضرورة في علاقة الإسلام بالتاريخ، ومما لا شك فيه أن مثل هذا التفكير والنظر سيجعلنا أكثر قدرة على استيعاب التاريخ وتفهم قوانينه، وآفاقه.
إن علاقة الإسلام بالتاريخ هي علاقة معقدة، ولها متغيرات كثيرة، يصعب الإمساك بها، وضبطها، فإذا كان الإسلام في أصله جاء مخاطبا التاريخ باعتباره دينامية متغيرة ومتحولة، لا تستقر على حال، والإنسان جزء من هذه الدينامية الحيوية، فإن الصعوبة والتعقيد على مستوى العلاقة بين الطرفين، تنشأ عن طبيعة كل منهما، فالدين كخطاب للإنسان في المطلق، بغض النظر عن الزمان والمكان، ينزع إلى الهيمنة على التاريخ، بينما التاريخ بحكم تعلقه بالخصوصية الزمانية والمكانية، وقلقه الدائم، ينزع للتخلص من هذه الهيمنة، ومن ثم فتطلع الإسلام إلى السيطرة على التاريخ والهيمنة عليه، تضطره لإعادة إنتاج ذاته باستمرار بحسب الخصوصيات الزمانية والمكانية.
ومن ثم، فنجاح الإسلام في بناء علاقة راشدة بالتاريخ تتطلب وعيا مزدوجا، وعيا بعناصره وقواه المطلقة التي تتجاوز ضيق لحظة التنزيل، ولحظات «السلف الصالح» من جهة، ووعيا بجوانبه الزمنية المحدودة بحدود لحظة التنزيل من جهة ثانية، والكثير من التعثرات وسوء التفاهم بين الإسلام والتاريخ، ترجع بالأساس إلى ضعف الوعي بالثابت والمتحول في الإسلام، والخلط بينهما، وكلما ترسخ وتعمق هذا الوعي إلا واستقامت العلاقة بين الطرفين أكثر.
إن الإسلام كرسالة مطلقة من هذه الناحية قادر على مواكبة التاريخ، والتوافق معه، ويمكن النظر إلى الاستدلالات التي أنشأها مفكرو الإسلام قديما وحديثا كشكل من أشكال المواكبة والتوافق، التي ترمي إلى تنزيل المطلق الإسلامي على المتغير التاريخي، وهو الشكل الذي لا يمكن الحكم عليه بألفاظ من قبيل النجاح أو الفشل، بل يجب فقه منسوب أخلاقيته، وطرائق تحقق هذه الأخلاقية.. ولعل هذا هو المعنى الوجيه للحديث عن إسلامات في تاريخ الديانة المحمدية «إسلام شيعي»، و«إسلام سني»، و«إسلام مغربي» … أي أن هذه الأنواع من الإسلام هي شكل من أشكال التأقلم مع المعطى الثقافي والنفسي والاجتماعي.. للشعوب التي ظهرت فيها هاته الإسلامات.
وهكذا، فصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، واستمراره، تتعلق بقدرتنا على إعادة تعريف الإسلام في كل وقت وحين بما يناسب الديناميات التي نعيش في ظلها. ولعل أنسب تعريف للإسلام من هذه الوجهة هو إخراجه من كونه شريعة (بمعنى أحكام نصية-تاريخية)، إلى كونه منظومة قيم، هاته القيم التي تقبل التفاوض مع التاريخ، وتتحقق في دروبه بحسب المتاح.
وهذا الذي ندعو له اليوم، أي إعادة تعريف الإسلام على هذا النحو، ليس بدعا من القول، بل كان ممارسة تقليدية على مدى 15 قرنا، تحتاج منا اليوم -فقط- إلى فقه وتحليل، فاختلاف الأحكام بين المذاهب وبحسب الأمكنة وأحيانا بحسب الأمزجة يكشف بالملموس أن الثابت الأساس الذي لا يتغير في الإسلام هو «حكم القيمة»، أما غيره من الأحكام التطبيقية للقيم فهي متغيرة بحسب الزمان والمكان، كما أن هذا النوع من الإسلام هو اليوم ممارسة عملية لدى كثير من شعوب الإسلام والمنتمين إليه خارج العالم العربي.
ومن ثم فالإسلام بهذا المعنى لديه القابلية والاستعداد لتقبل الحريات الفردية، ومتسامح معها، وإذا كان لديه تحفظ على بعض هذه الحريات من منطلق قيمي وأخلاقي -وهذا حقه- فإنه لا يشرع لأي سلطة إكراه، ولا يعطي الحق لأحد لمنع «العقلاء» من ممارسة حرياتهم، ويُحَمِل ضمير الفردي وحده مسؤولية الأفعال، لكن الجماعة، من خلال القوانين والأعراف والثقافة.. هي من تضع حدود الحرية وشروط ممارستها، وهي حدود مدنية، تعكس توازنات الجماعة، ومصالحها، واستقرارها، وهويتها.. وأي تديين لهذه الحدود هو في الأصل خروج عن الدين باعتبار أصل الحرية، إلا أن تكون هذه الحرية قاتلة للفرد الحر.
ll- الحريات الفردية من منظور شامل
إن مفهوم الحريات الفردية مفهوم حديث، تاريخه التداولي محدود وضعيف، وارتبط على الصعيد العالمي بانتصار الليبرالية، وتراجع مفاهيم الالتزام السلوكي والفكري التي ازدهرت مع الفكر الماركسي.. ومن ثم فنمو واتساع مفهوم الحريات الفردية على الصعيد العالمي لا ينفصل عن سياق سياسي وثقافي عاشه الغرب تحديدا، وعاشه العالم بأسره، وذلك من خلال آليات العولمة.
ومن ثم، فنقاش الحريات الفردية لدى دول الجنوب ليس نقاشا محليا، صرفا، يعبر عن حاجات وديناميات محلية ذات أولية، بل هو في الجوهر يعكس قدرا لا بأس به من التأثر بالآخر البعيد، ونزولا عند مفاهيمه ومعاييره.
ومن ناحية أخرى، إن قولنا بعدم أصالة مفهوم الحريات الفردية في بيئتنا وثقافتنا، لا يجب أن يحجب عن نظرنا حقيقة أخرى، وهي أن ما عاشته وتعيشه دول الجنوب وفي طليعتها المغرب من تحولات اجتماعية عميقة، وفي مقدمتها: النمو الحضري غير المسبوق؛ واتساع الفضاءات الاجتماعية الفردانية على مستوى السكن (العمارات)؛ والأنشطة الاجتماعية الأخرى؛ والابتعاد التدريجي والحاد أحيانا عن مفاهيم الدرب، والحي أو الحومة، والعائلة الممتدة، والقبيلة؛ بالإضافة إلى مسار اللبرلة السياسية والاقتصادية والثقافية التي عرفها المغرب على مدى نصف قرن تقريبا..، كل هذا أدى إلى نمو ثقافة فردانية، أحدثت الاستعداد السوسيولوجي والفكري لتقبل مفاهيم الحريات الفردية..
ومن العوامل الأخرى المؤيدة لثقافة الحريات الفردية، بناء ورسوخ الدولة الحديثة بالمجالات التقليدية، والتي تسعى إلى احتكار جميع السلطات، والقضاء -بطبيعتها- على كل الشركاء من قبيلة، وجماعة، وأسرة، فمفهوم المواطنة الذي يرتكز عليه بنيان الدولة الحديثة هو مفهوم يحيل على الفرد وليس على الجماعة.
وهكذا؛ فنازلة الحريات الفردية وإن كانت مبدئيا هي استدعاء خارجي، ولها سياق ثقافي عالمي، فإن مآل التحولات السياسية والاجتماعية والتاريخية التي عاشها المغرب على مدى خمسين عاما شكل عنصر جذب لها، وأعطاها شرعية الوجود، ومن ثم فالحديث اليوم عن الحريات الفردية بالمغرب ليس حديثا «غريبا»، أو حديثا عن إشكال وهمي، بل هو حديث في صلب الانتقال الاجتماعي الذي يعيشه المغرب.
إن إشكالية الحريات الفردية من هذا المنظور ليست بالدرجة الأولى إشكالية دينية بل هي في الجوهر إشكالية ثقافية تتجسد في الصراع الحقوقي بين الفرد والجماعة، فهل تقبل الجماعة بحق الفرد في ممارسة حرياته، إذا كانت هي من سيتحمل مسؤولية تصرفات الفرد التحررية أم لا؟ وهل سيقبل الفرد بتخلي الجماعة عنه وتحمل مسؤوليته وتقرير مصيره بعيدا عن الجماعة؟
إن الثقافة التقليدية الجماعاتية التي لا زالت سائدة بيننا اليوم، لا زالت غير قادرة على تحمل مفهوم الحريات الفردية، وتعتبر نفسها معنية بتصرفات الفرد وسلوكه، وتعتبر -أيضا- بعضا من هذه التصرفات مؤذيا لها، ولا تتردد في ممارسة كل أشكال الحذر والرقابة على سلوك الأفراد.. وهذه الثقافة لها أصولها التقليدية، فالإنسان المغربي بشكل عام لا يتحمل وحده مسؤولية تصرفاته، خيرا كانت أو شرا، بل تشاركه هذه المسؤولية العائلة، والقبيلة، وأحيانا الدرب والحومة…
ومن ثم؛ إن اتساع نطاق ممارسة الحريات الفردية أو القبول بها بالمغرب كما بغيره من البلدان التي تشبهه يرتبط أساسا بتقلص وانحسار المسؤولية الجماعية على الأفراد، سواء مسؤولية العائلة أو القبيلة أو المجتمع.. ولهذا يعج مجتمعنا ببعض المظاهر الدالة على هذه الأزمة، كالفتيات اللواتي يُغَيرن لباسهن عندما يدخلن إلى الحي أو عندما يسافرن إلى بعض النواحي.. وبعض أشكال التحرش والعنف ضد المتحررين..، ولا تستقيم الدعوة أو الرغبة في ممارسة الحريات الفردية مع الرغبة -أيضا- في التملص من المسؤولية التي تقتضيها هذه الممارسة.
إن ازدهار الحريات الفردية خطابا وممارسة ليست مسألة اختيار أو قرار مهما كانت الجهة التي تقف وراءه، بل يتعلق مصيرها بجملة من الشروط الموضوعية الجاذبة أو المؤسسة للتحرر، ومن أبرزها: ازدياد درجة اندماج المغرب في الثقافة الكونية وفي المجتمع الإنساني؛ رسوخ مفهوم المواطنة ومعه الدولة الحديثة؛ اتساع الثقافة المدينية.. فهذه العوامل الموضوعية تجعل من الحريات الفردية حقيقة تاريخية معاشة، وليست فرضا نظريا..
وختاما؛
إذا كانت الحريات الفردية قدرا لا رد له، فهل من وظيفة الدين والإسلام تحديدا مواجهتها؟
إن أزمة الحريات الفردية -كما أسلفنا القول- أزمة متعددة الأبعاد ثقافية (المجتمع التقليدي) وسياسية (ازمة مواطنة) ودينية (فهم جامد للشريعة)، ولا يمكن تجاوزها سوى بترسيخ بنيات وثقافة المجتمع الحديث؛ وترسيخ قيمة المواطنة ودولة القانون؛ وتجديد فهمنا للإسلام. وفيما يتعلق بهذا الشرط الأخير، فالإسلام كدين، وكما هي سيرة كل الأديان، منذ آدم عليه السلام وإلى اليوم، لم يأت لمخاطبة نظام اجتماعي وثقافي محدد بل جاء لمخاطبة الكينونة الإنسانية بغض النظر عن النظام الاجتماعي الحاضن لها، وإذا كان المسلمون في العصور الوسيطية نجحوا في تكييف الإسلام مع النظام الاجتماعي القبلي، ونموذج دولة العصبية، فإن مسلمي اليوم قادرون على تكييف الإسلام مع متطلبات مجتمع الحريات.



