في كتابهن الصادر عن منشورات جامعة ييل بالولايات المتحدة تحت عنوان “The Arts of Intimacy. Christians, Jews and Muslims in the Making of Castilian Culture ” «فنون المودة: دور المسيحيين واليهود والمسلمين في بناء الثقافة القشتالية» (2009) تستكشف كل من (جيريلين د. دودز، ماريا روزا مينوكال، أبيجيل كراسنر بالبال) التفاعل الحيوي بين الثقافات المختلفة، والمتعارضة أحيانًا، وكيف تغيّرت صلات بعضها ببعض، كما يروي كتابهن تاريخ قشتالة المضطرب في أعقاب استيلاء المسيحيين على مدينة طليطة الإسلامية، المعروفة الآن بتوليدو، في القرن الحادي عشر ميلادي، كما يتتبع الكتاب أيضا تطور الثقافة القشتالية التي تشكلت في ظل الألفة الجديدة الناشئة بين المسيحيين والمسلمين واليهود الذين تغلبوا عليهم.[[1]]
ترسم الباحثات المشاركات في تأليف هذا الكتاب صورةً لهذه الثقافة من خلال فنونها وعمارتها وشعرها ونثرها، جامعات بشكلٍ فريد بين الفنون الأدبية والفنية البصرية. ويركز الكتاب على القرنين الحادي عشر والثاني عشر ميلادي، موضحا مدى تجذر الهوية القشتالية في تجربة المواجهة والتفاعل، بل والاتحاد أحيانًا، مع الثقافتين العبرية والعربية خلال القرون الأولى من نشأتها. ويُعدّ هذا الكتاب، المزين برسومات كثيرة مجموعة تذكارية فنية من جنوب إسبانيا؛ فهو بأسلوبه الجمالي، يُلقي الضوء على ثقافة غنية في ثناياها بروافد من ثقافات أخرى.
ويقدم هذا الكتاب الكاشف نوعًا من التصحيح للتاريخ الثقافي الإسباني في العصور الوسطى، ويعد مفيدًا لأي طالب متخصص في تاريخ الثقافة الإسبانية في العصور الوسطى ودراسة عمليات النقل الثقافي والتهجين. ومع ذلك فهو أيضًا كتاب مُهم للقارئ العادي. وهو زاخر كذلك -بشكل رائع- بالصور الملونة للتصميمات الداخلية والواجهات واللوحات الجدارية والمناظر الطبيعية والأشياء الفنية ولوحات الكتب والمنسوجات وما إلى ذلك. وهو أيضًا مرفق بملحقات من تفسيرات أكثر تفصيلاً للمواضيع قيد الدراسة، وجداول الأنساب الملحقة للعائلات المالكة والجدول الزمني التاريخي. وتشكل هذه الدراسة مادة مرجعية ثرية لكل من المتخصصين وغير المتخصصين حول التاريخ السياسي والكنسي والعمارة والمعالم الجنائزية والمنسوجات والتحف والشعر والأغاني واللغة في قشتالة في العصر الوسيط. [[2]]
وكما تؤكد المؤلفات فإن هذه الدراسة ليست تأريخًا عاديًا لـ “ذكرى قشتالة المفقودة” لأن هذه الذكرى قد تتعارض اليوم مع العديد من الحقائق الموروثة في الذاكرة الإسبانية الحديثة والمعاصرة؛ وبالتالي فهي تقدم سردية تتعارض مع الروايات التي تشكلت في القرون اللاحقة، وخاصةً السرديات الحديثة التي روج لها نظام الجنرال فرانكو ذو النزعة القومية. وتحاول المؤلفات في الكتاب شرح “هوية إسبانيا المتعددة الطبقات والمتنوعة”. وكما يحاججن ويبرهن فإن الثقافة لا تكذب؛ بل تبقى، متسللةً تحت سطح الوعي الوطني، لتصبح بالنسبة لنا الذاكرة المستعادة لعالم متشابك، نابض بالحياة. وتحاول المؤلفات في هذا السياق إعادة صياغة الرؤية السائدة للطرق التي يمكن أن يتفاعل بها الدين والثقافة والمجتمع، وأن يعدن بناء شظايا من ذكريات مختلفة عن الثقافة القشتالية في العصور الوسطى، والتي كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالثقافتين العربية والعبرية اللتين يُفترض أن الهوية الإسبانية التي صاغها الاستبداد الكاثوليكي قد عارضتهما بشدة.
نشير ختامًا إلى أن المؤلفة جيريلين د. دودز أستاذة مرموقة ومستشارة أكاديمية أولى لعميد كلية مدينة نيويورك للتعليم الجامعي، وتقيم في مدينة نيويورك. ونشير أيضًا إلى أن المؤلفة المشاركة ماريا روزا مينوكال هي مديرة مركز ويتني للعلوم الإنسانية، وأستاذة كرسي ستيرلينغ للعلوم الإنسانية في جامعة ييل، وقد تُرجم كتابها السابق “زينة العالم: كيف بنى المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة التسامح في إسبانيا في العصور الوسطى” إلى سبع لغات، وهي الأخرى تقيم كذلك في مدينة نيويورك. ونشير كذلك إلى أن المؤلفة المشاركة أبيجيل كراسنر بالبال وقت نشر هذا الكتاب عام 2009 كانت مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ ودراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، وهي باحثة مهتمة بالتركيز على التاريخ الثقافي لشبه جزيرة إيبيريا في العصور الوسطى.
[[1]]https://yalebooks.yale.edu/book/9780300142143/the-arts-of-intimacy/
https://academic.oup.com/jis/article-abstract/21/3/437/730948



