في مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحت عنوان “Israel Can’t Be a Hegemon” (إسرائيل لا يمكن أن تكون قوة مهيمنة) [[1]] يقول عالم السياسية الخارجية الأمريكي ستيفن والت إن هجوم إسرائيل الواسع النطاق على إيران يُعدّ أحدث جولة في حملتها لإضعاف أو القضاء على جميع خصومها الإقليميين.
ونظرًا لأن هذه الإجراءات الإسرائيلية قد نجحت جزئيًا – على الأقل على المدى القصير– في إضعاف قوة هؤلاء الخصوم فهل ينبغي لنا الآن اعتبار إسرائيل قوةً مهيمنةً إقليمية؟ وإذا عُرِّفت هذه الهيمنة بأنها تجعل صاحبها لديه “القوة العظمى الوحيدة في منطقة معينة”، بحيث “لا تستطيع أي دولة أخرى (أو مجموعة دول) شنّ دفاعٍ جدّي في اختبارٍ شاملٍ لقوته العسكرية”، فهل تُعتبر إسرائيل الآن مؤهلةً لذلك؟ وإذا كان الأمر على هذا النحو، فهل ينبغي لنا أيضًا أن نتوقع من جيرانها أن يتصرفوا كما فعل غيرهم عند مواجهة قوةٍ مهيمنة: “الاعتراف بقوتها المتفوقة والخضوع لها في المسائل ذات الأهمية الحيوية للقوة المهيمنة”؟
يبدأ والت في الإجابة على هذه السلسلة من الأسئلة ويقول إن هذا الاحتمال قد يبدو بعيد المنال للوهلة الأولى؛ فكيف يُمكن لدولة يقل عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة (حوالي 75% منهم يهود فقط) أن تُهيمن على منطقة شاسعة تضم مئات الملايين من العرب، بالإضافة إلى أكثر من 90 مليون فارسي؟
لكن الفكرة تبدو أكثر منطقية عندما يُدرك المرء أن إسرائيل تتمتع بالعديد من المزايا على جيرانها. فمواطنوها أفضل تعليمًا، وعادةً ما يتمتعون بقيادة سياسية أكثر فعالية من نظرائهم العرب. وتحظى إسرائيل بدعم سخي ومستمر من جاليات غنية وذات نفوذ سياسي، وقد تلقت في الماضي مساعدات قيّمة من قوى عظمى مثل بريطانيا العظمى وفرنسا. كما واجه معظم منافسيها العرب انقسامات داخلية واضطرابات وانقلابات، وفرقتهم التنافسات الداخلية.
علاوة على ذلك، ولأن القوة العسكرية الحديثة تعتمد على الإتقان التكنولوجي والتدريب والقيادة الماهرة أكثر من اعتمادها على العدد الهائل، فطالما كان جيش الدفاع الإسرائيلي أكثر قدرة بكثير من القوات التي حاربها. وقد ازدادت هذه الميزة مع تزايد اعتماد الحرب على أسلحة باهظة الثمن ومتطورة للغاية. على الرغم من أن حزب الله وحماس ازدادا قدرة بمرور الوقت، إلا أن أيّا منهما لم يتمكن قط من تهديد وجود إسرائيل أو مواكبة حجم الضرر الذي يمكن أن تلحقه إسرائيل بهما. وقد عززت ترسانة إسرائيل الضخمة من الأسلحة النووية وقدراتها الاستخباراتية المزعومة مكانتها بشكل أكبر.
الأهم من ذلك كله، أن إسرائيل تحظى بدعم واسع وغير مشروط إلى حد كبير من الولايات المتحدة، التي تلتزم رسميًا بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل. ولولا هذه المساعدة، لما تمكن هؤلاء الإسرائيليون، البالغ عددهم حوالي 10 ملايين نسمة، من الدفاع عن أراضيهم.
وبناءً على كل ما سبق، فإن فكرة سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط الكبير ليست سخيفة تمامًا. لكن مع ذلك، فمن الخطأ اعتبار إسرائيل قوة إقليمية مهيمنة حقيقية.
وذلك أن القوة المهيمنة الإقليمية تتمتع أولًا بقوة هائلة مقارنةً بجيرانها، لدرجة أنها لم تعد تواجه أي تهديدات أمنية كبيرة منهم، ولا تشعر بالقلق حتى من ظهور منافس حقيقي في أي وقت قريب. وهذا هو الوضع الذي حققته الولايات المتحدة مع فجر القرن العشرين، عندما انسحبت القوى العظمى الأخرى من نصف الكرة الغربي.
إسرائيل اليوم لا تستوفي هذا المعيار. فعلى سبيل المثال، لا يزال الحوثيون متمردين، ولا يزال جيش الدفاع الإسرائيلي عالقًا في غزة رغم الدمار الهائل الذي ألحقه بسكانها. ورغم أن إسرائيل قد أضعفت حزب الله وحماس بشكل كبير، لكنهما كانا فاعلين غير حكوميين، ولم يشكل أيً منهما تهديدًا وجوديًا لوجود إسرائيل. ورغم أنه لا توجد دولة عربية أو تحالف عربي يملك قوة تضاهي إسرائيل اليوم، إلا أنّ تركيا وإيران تمتلكان قوات عسكرية ضخمة وعدداً سكانياً أكبر بكثير، ويمكن لكل منهما بناء دفاع قوي في حال نشوب حرب شاملة.
وتوضح مقاومة إيران المستمرة ذلك بقوة، ورغم أن رد الأخيرة على الهجمات الإسرائيلية كان أقل من الأضرار التي لحقت بها، لكنه لم يكن مجرّد ردّ تافه، والصراع لم ينتهِ بعد. ولا يوجد ما يشير إلى أن طهران ستخضع مصالحها طواعيةً لإسرائيل، حتى لو انتهى بها الأمر إلى الجانب الخاسر في هذه المواجهة الأخيرة. ولهذا السبب على الأقل، فهي ليست قوة مهيمنة إقليمية.
في ختام مقاله يشير والت إلى أن وضع الهيمنة الإقليمية الدائم يتطلب من الدول المجاورة حالة من القبول (بل وفي بعض الحالات الترحيب) بالوضع المهيمن لتلك للقوة. وإلا، فإن تلك القوة المهيمنة ستظل قلقة دائمًا بشأن تجدد المعارضة ضدها، وستُجبر على اتخاذ إجراءات متكررة لمنع ظهور تلك المعارضة في كل مرة. ولكي تجعل الدولة المهيمنة الدائمة موقعها المتميز مقبولاً لدى الآخرين، عليها أن تتصرف بقدر من التسامح.
ومع ذلك، لم يكن في الحقيقة التسامح مع الجيران في الإقليم أحد أبرز سمات إسرائيل، كما أن النفوذ المتزايد للقوى اليمينية والمتطرفين من الصهيونية الدينية في البلاد يقلل من احتمالية ذلك. وإذا جمعنا كل هذا مع بعضه البعض، سنجد أن إسرائيل بعيدة كل البعد عن أن تكون دولة إقليمية مهيمنة. ولا شك في أن قادتها يرغبون في تحقيق هذه المكانة؛ لكنها ستبقى بعيدة المنال عنهم إلى الأبد.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/06/16/israel-iran-war-middle-east-hegemon/



