في مقاله المنشور في مجلة نيوستيتسمان البريطانية تحت عنوان “Donald Trump vs Columbia” (دونالد ترامب في مواجهة جامعة كولومبيا) [[1]] يقول الصحفي كيران مودلي إن جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة حصنٌ منيع، أكاديميًا، بما تحمله الكلمة من معنى. فبعد أشهر من الاحتجاجات منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول والحرب على غزة، أُغلقت البوابات على جانبي حرم مورنينغ سايد هايتس أمام الجمهور، في محاولة من السلطات لوقف المُحرِّضين الخارجيين وإعادة الحياة إلى طبيعتها؛ أما بالنسبة لمنتقدي هذا المسلك الرسمي، فمعنى هذه الخطوة عندهم عزل الجامعة، ويعني كذلك أن إدارة ترامب تشن حربًا لتغيير التعليم العالي في البلاد
وكان الطلاب قد نظّموا في أبريل/نيسان 2024 مخيمًا للتضامن مع غزة في الحديقة الجنوبية لجامعة كولومبيا. فاستُدعيت الشرطة وألقت القبض على أكثر من 100 شخص. ثم استولى المتظاهرون على قاعة هاميلتون القريبة، فاستُدعيت الشرطة مرة أخرى وألقت القبض على أكثر من 100 شخص آخر. وفي الشهر التالي، قال دونالد ترامب في تجمع انتخابي في نيوجيرسي: “عندما أصبح رئيسًا، لن نسمح بأن يسيطر متطرفون عنيفون على جامعاتنا. إذا أتيتم إلى هنا من بلد آخر وحاولتم جلب النزعة الجهادية أو معاداة أمريكا أو معاداة السامية إلى جامعاتنا، فسنقوم بترحيلكم على الفور”.
بعد أقل من عام، في 8 مارس/آذار، ألقت سلطات الهجرة القبض على محمود خليل خارج شقته في جامعة كولومبيا. وهو فلسطيني مولود في سوريا، ومتزوج من مواطنة أمريكية، ويحمل بطاقة إقامة دائمة (جرين كارد)، وكان قائدًا رئيسيًا في الاعتصام. وبعد شهر من تلك الحادثة، وتحديدا في 14 أبريل/نيسان، أُلقي القبض على محسن مهداوي، وهو طالب فلسطيني آخر يحمل بطاقة إقامة دائمة، أثناء حضوره مقابلة للحصول على الجنسية في ولاية فيرمونت.
كتب أوسكار وولف، وهو طالب في السنة الثانية من الجامعة مؤخرًا مقال رأي في صحيفة “ذا كولومبيا ديلي سبكتاتور” الجامعية. وتحدث وولف، وهو يهودي، عن مناخ من الخوف بات يسيطر على الجامعة. ووصف آدم كيندر، رئيس تحرير مجلة “كولومبيا بوليتيكال ريفيو”، مناخ الحرم الجامعي بشكل أكثر حدة وأنه بات مزيجًا من “جنون العظمة، والانقسام، والغضب”. قال كيندر إن إحدى العواقب الرئيسية لتغير المناخ في الحرم الجامعي منذ تولي ترامب منصبه هي الرقابة الذاتية التي فرضها التلاميذ على أنفسهم. وقال كيندر إنه تلقى طلبات متعددة من الطلاب لسحب مقالاتهم التي تتعلق بغزة، بالإضافة إلى مجموعة من القضايا الجيوسياسية. وأضاف كيندر: “تلقينا رسالة أو رسالتين تقول كل منهما صراحة: ‘أنا قلق للغاية بشأن الوضع الراهن. وأفضّل راحة البال إذا عرفتُ أن أصحاب الأعمال أو الحكومة لن يروا أنني كتبت شيئًا عن هذه القضية أو تلك'”.
ويزداد هذا الخوف حدةً بين الطلاب الوافدين. ففي 27 مارس/آذار، صرّح وزير خارجية ترامب، ماركو روبيو، بأنه ألغى بالفعل “ربما أكثر من 300” تأشيرة طلابية. وقد شارك العديد من المتضررين في مظاهرات مؤيدة لفلسطين. وبينما تحركت إدارة ترامب في 25 أبريل/نيسان لاستعادة تلك التأشيرات بعد عدد من الطعون القانونية، قالت وزارة العدل إنها لا تزال تعمل على نظام جديد لمراجعة التأشيرات وإنهائها.
وقد أبلغ البيت الأبيض كذلك جامعة كولومبيا بسحب 400 مليون دولار من المنح الفيدرالية بسبب ما وصفه بـ”التقاعس المُستمر في مواجهة المضايقات المُستمرة للطلاب اليهود”. وقدّم البيت الأبيض قائمة مطالب، على الجامعة الالتزام بها إذا أرادت استعادة تمويلها، فوافقت جامعة كولومبيا فورا على هذه المطالب، مما يعني مراجعة سياسة المضايقات الخاصة بالطلاب والجماعات – مع إدراج الجامعة تعريفًا جديدًا لمعاداة السامية، بناءً على توصية فرقة العمل المعنية بمعاداة السامية في الجامعة. ووافقت الجامعة أيضًا على توظيف قوة أمن داخلي جديدة وتعيين “نائب رئيس أول” جديد لمراجعة برامج جامعة كولومبيا.
ويعتقد العديد من الأكاديميين والطلاب ومنتقدي البيت الأبيض أن إدارة ترامب تستخدم قضية معاداة السامية وسيلة لتحقيق أجندة أكبر بكثير ألا وهي مهاجمة الجامعات التي طالما اعتقد المحافظون أنها جامعات ليبرالية للغاية. كما سحب البيت الأبيض تمويله من جامعة هارفارد، مطالبًا بتغييرات مثل منع قبول الطلاب الوافدين “المعادين للقيم والمؤسسات الأمريكية المنصوص عليها في دستور الولايات المتحدة”. وقد رفضت هارفارد هذا القرار ورفعت دعوى قضائية ضده. ومؤخرًا، انتقد بيان وقّعه أكثر من 100 رئيس جامعة “التدخل الحكومي غير المبرر في حياة من يتعلمون ويعيشون ويعملون في جامعاتنا” بحسب ما جاء في البيان، مؤكدًا على ضرورة ألا يخشى أعضاء هيئة التدريس والطلاب والموظّفون “الانتقام أو الرقابة أو الترحيل”.
ويقول ويل كريلي، المدير القانوني لـ “مؤسسة الحقوق الفردية والتعبير” (FIRE): “أميل إلى الاعتقاد بأن هناك الكثير من الاستعراض السياسي هنا”. وبالنسبة لكريلي، فإن هذه القضية باتت أكبر بكثير من جامعة كولومبيا نفسها ويضيف: “هذا أمر لا أعتقد أن الناس شهدوه منذ عهد مكارثي. عندما يخشى الناس التعبير عن آرائهم، وعندما ترتعد المؤسسات، وعندما تشعر الحكومة الفيدرالية بالجرأة للمطالبة بمنع بعض أشكال التعبير في الحرم الجامعي، وعندما يُختطف الناس من الشارع على يد عملاء فيدراليين ملثمين لمجرد كتابة مقال رأي؛ فنحن في وضع يرثى له”. في ختام مقاله يقول مودلي: أتجول الآن في حرم جامعة كولومبيا، والأجواء حولي متوترة ولكنها مُرهقة في الوقت نفسه. وبعد أشهر من الاحتجاجات ضد حرب لا تزال مستمرة، يواجه الطلاب الآن معركة أخرى لم تنته بعد مع الإدارة الأمريكية.
[[1]]https://www.newstatesman.com/international-politics/2025/05/donald-trump-columbia-free-speech-gaza-anti-semitism



