في كتابه الصادر حديثًا عن منشورات جامعة برنستون تحت عنوان «Iran’s Grand Strategy: A Political History» “استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي” (مايو\ أيار، 2025) يتناول الباحث الإيراني ولي نصر التاريخ السياسي لإيران بطرق جديدة، تشرح أفعالها وطموحاتها على الساحة العالمية، موضحًا كيف تسعى إيران اليوم، خلف ستار الأيديولوجية الإسلامية، إلى إستراتيجية كبرى تهدف إلى تأمين البلاد داخليًا وترسيخ مكانتها في المنطقة والعالم.[[1]]
يُسلّط نصر الضوء على حقائق وأحداث في التاريخ السياسي الإيراني لم تُسلّط عليها الأضواء من قبل، مستندا في ذلك إلى مذكرات وروايات شفوية ومقابلات معمقة مع صناع القرار الإيرانيين. متتبعا في نفس الوقت جذور الرؤية الإستراتيجية الإيرانية من خلال تجاربها على مدى العقود الأربعة الماضية، منذ الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، وما تلاها من احتواء أمريكي لإيران، وغزو للعراق عام ٢٠٠٣، وموقفها تجاهها بعد ذلك. ويكشف نصر كيف شكّلت هذه التجارب عند الإيرانيين رؤية جيوسياسية مدفوعة بخوف عميق من أمريكا وخططها في الشرق الأوسط.
ميزةُ هذا الكتاب أنه يتحدى الفكرة القائلة بأن السياسة الخارجية الإيرانية تعكس ببساطة قيمها الثورية أو حكومتها ذات الطابع الديني الثيوقراطي، كما يشرح كذلك مقاومة البلاد للولايات المتحدة، وطموحاتها النووية، وسعيها إلى النفوذ والوكلاء في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مقدّما رؤى جديدة حول ما تريده إيران ولماذا؟
يرتقي المؤلف في تحليله عن الصور النمطية في التعامل مع قادة إيران كعلماء دين متعصبين، ويساعدنا الكتاب في إيجاد المنهج والمنطق الكامنين وراء تفكير أعلى مستويات القيادة الإيرانية، كما يستشرف ما يمكن أن يحدث في الأشهر والسنوات القادمة من تداعيات تتجاوز بكثير أروقة السلطة في طهران.
تستند دراسة نصر المُفصّلة، إلى أبحاثٍ ومعطيات جديدةٍ توفر لنا سردًا مُفصّلًا ودقيقًا لمزيج الضرورات المحلية والدولية التي تُحرّك السياسة الإيرانية حقًا. ويجادل نصر في هذا الإطار بأن فهم الغرب لإيران أصبح قديمًا وغير كافٍ على الإطلاق بشكلٍ خطير. ويقدم سردًا بارعًا لإستراتيجية إيران الكبرى منذ الثورة، مبدّدا من خلاله فكرة أن إيران كانت مدفوعةٌ في المقام الأول بالأيديولوجيا أو اللاهوت؛ حيث طورت البلاد عوضًا عن ذلك إستراتيجية قائمة على مواجهة إرث الاستعمار والسعي نحو الاستقلال والأمن.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف ولي نصر هو أستاذ كرسي مجيد خدوري للشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في مدينة بالتيمور بولاية ماريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن بين مؤلفاته السابقة: “الأمة التي يمكن الاستغناء عنها: تراجع السياسة الخارجية الأمريكية”، و”إحياء الشيعة: كيف ستشكل الصراعات داخل الإسلام المستقبل”، و”الديمقراطية في إيران: التاريخ والسعي إلى الحرية”. ولنصر أيضًا العديد من المقالات المنشورة في صحف ودوريات عالمية رائدة مثل صحيفة وول ستريت جورنال، ونيويورك تايمز، ومجلة فورين أفيرز.
[[1]]https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691268927/irans-grand-strategy?srsltid=AfmBOooaVVj-F0kjn8W73r7DNoS935u8tkYAQgZJs7fPXhkyvsNUgnoL



