هل وصلنا إلى «نهاية التاريخ»؟
هكذا يستهل الكاتب والمؤرخ الأمريكي جيريمي سوري مقاله المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان “The Twilight of the Francis Fukuyama Era” (أفول حقبة فرانسيس فوكوياما). وهو السؤال المثير للجدل الذي طرحه فرانسيس فوكوياما في محاضرة ألقاها بجامعة شيكاغو في فبراير/شباط 1989، بدعوة من أستاذه ومرشده، الفيلسوف والأديب الأمريكي الشهير آلان بلوم. وقد حاول فوكوياما، الذي كان آنذاك محللًا مغمورًا نسبيًا في مؤسسة «راند» (RAND)، الإجابة عن هذا التساؤل ضمن سلسلة من المحاضرات تناولت موضوع «أفول الغرب»؛ غير أنه قدم استنتاجًا أكثر تفاؤلًا، إذ أشار إلى الانتشار العالمي للديمقراطية الليبرالية والفشل الذريع للبدائل الشيوعية، ولا سيما في الاتحاد السوفيتي، مرجحًا أن الغرب قد خرج منتصرًا.[[1]]
وقد نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» (National Interest)، وهي مجلة متخصصة ومحدودة الانتشار في مجال السياسة الخارجية، نص محاضرة فوكوياما في صيف عام 1989. وبعد سقوط جدار برلين في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، بدت أفكاره وكأنها نبوءة تحققت؛ إذ وصف فوكوياما «انتصار الغرب» و«الاستنفاد التام لأي بدائل منهجية قابلة للحياة في مواجهة الليبرالية الغربية»، ووضع اللحظة الراهنة في سياق أعمق، قائلًا: «ما قد نشهده ليس مجرد نهاية الحرب الباردة، أو انقضاء حقبة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، بل نهاية التاريخ بحد ذاته: أي النقطة النهائية للتطور الأيديولوجي للبشرية، وتعميم الديمقراطية الليبرالية الغربية باعتبارها الشكل النهائي للحكم البشري».
وفي مقابلة لاحقة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، أوضح فوكوياما قائلًا: «ببساطة، لا أرى أي منافسين للديمقراطية الحديثة».
وقد أحدثت هذه الكلمات دويًا هائلًا في جميع أنحاء العالم؛ إذ سارعت وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية والفرنسية واليابانية إلى تلخيص المقال والسعي إلى التواصل مع مؤلفه. وسرعان ما تحول فوكوياما إلى شخصية شهيرة، وتصدرت أخباره مجلتي «نيوزويك» و«تايم». وحرص كبار العلماء في تخصصات عديدة على دحض حجته، وهو ما يُعد أصدق دليل على مدى تأثيره.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو ما أفاد به أحد أكشاك بيع الصحف في واشنطن، حيث كانت نسخ مجلة «ناشيونال إنترست» (National Interest)، التي توصف بأنها مجلة للنخبة المثقفة، تتفوق في مبيعاتها على كل المطبوعات الأخرى، بما في ذلك المجلات الماجنة.
وفي مذكراته الصادرة حديثًا بعنوان «في رحاب الإنسان الأخير» (In the Realm of the Last Man)، يعبّر فوكوياما عن تذمره إزاء الهوس العام بمقاله الشهير حول «نهاية التاريخ»، قائلًا: «لقد سُئلت مرارًا، عدة مرات في الأسبوع على مدار العقود الثلاثة الماضية، عما إذا كنت أرغب في التراجع عن حجتي». ويؤكد أن السائلين، الذين يفترضون أنه كان ساذجًا ومخطئًا في تفكيره حين صاغ تلك الحجة، نادرًا ما يقرؤون «أكثر من عنوان المقال أو الكتاب». وهم يتجاهلون معظم المقالات والكتب التي لا حصر لها، والتي ألفها منذ تلك اللحظة، والتي ارتبطت بمفهوم «نهاية التاريخ».
ويلخص فوكوياما في مذكراته كيف استلهم تأملات فريدريك نيتشه القاتمة لتحليل أنماط الحياة المحتملة لأبناء المستقبل المدللين الخاملين؛ إذ يبدو أن الوفرة والترف يسلبان الحياة معناها، كما تنبأ نيتشه. وقد لاحظ فوكوياما أن الناس يسعون وراء ما يثير حماسهم، ويقول في هذا السياق: «إن الصراع من أجل الصراع ذاته هو ما يحدث عندما نصل إلى “نهاية التاريخ”، وحين يكون العالم في حالة جيدة بالفعل، ولا توجد قضايا كبرى تستحق المخاطرة بالحياة من أجلها». كما يستشهد فوكوياما في هذا السياق كذلك بأعمال الفيلسوف السياسي ليو شتراوس، وتحديدًا كتاباته حول العدمية الألمانية.
وفي ختام مقاله، يقول سوري إن مذكرات فوكوياما تتسم بالذكاء، لكن قيمتها الأكبر تكمن في كونها نافذة تطل على تلك الحقبة التاريخية التي استُهلت بمقاله الشهير، الذي كان فاتحة عهد مضى، وغربت شمسه، وهو «عصر فوكوياما» الذي سعى فيه المؤمنون بالديمقراطية الليبرالية والرأسمالية العالمية، والمفعمون بثقة زائدة، إلى فرض هيمنتهم على الجميع.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/09/25/the-twilight-of-the-francis-fukuyama-era/



