فيت تان نوين [[1]]
المقال الأصلي. [[2]]
وصلتُ الولايات المتحدة لاجئًا في صيف عام 1975. واستقرت أسرتي في مدينة هاريسبرغ بولاية بنسلفانيا، إحدى المستعمرات الثلاث عشرة الأصلية التي قامت عليها الدولة التي أُسميها «أمريكا™»[[3]]، بوصفه اسمًا تجاريًا للولايات المتحدة.
وفي العام التالي احتُفل بالذكرى المئوية الثانية لإعلان الاستقلال، وهو احتفال بدا لي جديدًا، وقديم الطراز، في آن واحد؛ إذ ارتدى المشاركون فيه الملابس التاريخية والباروكات التي تعود إلى القرن الثامن عشر. ولعل الأمريكيين كانوا ينظرون إلى تلك الاحتفالات بوصفها استحضارًا لتاريخهم، أما بالنسبة لي، وأنا الطفل الوافد حديثًا، فلم يكن الأمر مجرد تاريخ، بل كان قصة، بل وأقرب إلى أسطورة قومية يحب الأمريكيون أن يرووها لأنفسهم.
لقد شاركتُ في مظاهر الوطنية الأمريكية، لأنني، كأي طفل، لم يكن لدي خيار آخر. كنتُ أردد قسم الولاء للعلم كل صباح في المدرسة، ثم ذهبنا بعد سنوات قليلة، لمشاهدة فيلم «1776» في رحلة مدرسية ميدانية. وقد بدا الفيلم غريبًا حتى في ذلك الوقت، وكأن الطفل اللاجئ الذي كنته، بما لديه من الشك الفطري – وإن كان يسيرا- كان يدرك بشكل بديهي أن المدرسة تمارس نوعًا من غرس الوطنية في النفوس، وهو ما كان من شأنه أن يرضي الإدارة الرئاسية الحالية. ومع ذلك، فإن مسرحية غنائية عن الآباء المؤسسين لم تكن وسيلة فعالة لغرس الأيديولوجيا في عقل طفل يبلغ عمره أحد عشر عاما.
بحلول ذلك الوقت، كنا قد انتقلنا إلى مدينة سان خوسيه بولاية كاليفورنيا، وهي مدينة لها بدورها أسطورتها الخاصة عن البعثات التبشيرية، والرهبان الإسبان، والهنود الذين يُفترض أنهم كانوا ممتنين لهم. وفي الغرب الذهبي، كنا نحن «اللاجئين الممتنين»، الذين وجدنا الإجابة عن سؤال الأغنية الشهيرة: «هل تعرف الطريق إلى سان خوسيه؟».
كانت سان خوسيه، الواقعة على بعد ساعة من ساحل المحيط الهادئ، إحدى المحطات التي استقر فيها «الحلم الأمريكي™». وهناك افتتح والداي متجرًا لبيع المواد الغذائية الفيتنامية، بينما حصلتُ أنا مبكّرا على أول وظيفة لي في مدينة الملاهي «غريت أمريكا» بولاية كاليفورنيا. كنتُ مسؤولًا عن تشغيل ألعاب الأفعوانيات (أو ما يُعرف بقطار الموت، وهي لعبة ملاهي شهيرة تتكون من سكة حديدية معلقة في الهواء تتحرك صعودًا وهبوطًا بشكل حاد وبسرعة عالية) في منطقة «يانكي هاربور»، وكان زيي الرسمي يتكون من سروال واسع الساقين، وقميص ذي ياقة مزركشة، وقبعة مثلثة الحواف تعود إلى الحقبة الاستعمارية. وقبل نهاية الصيف، فُصل نصف العاملين المراهقين، وكنت أنا من ذلك النصف، لأننا كنا نُعرض حياتنا للخطر بتهور عبر ركوب الأفعوانيات من دون أحزمة الأمان. ولكن ماذا يمكن أن تتوقع من مراهقين يتقاضون الحد الأدنى للأجور؟
بعد عقود طويلة، يمكنني القول بثقة إنني حققت «الحلم الأمريكي™». لكن هذا الإنجاز كان له ثمن، دُفع بعملة النسيان. فقد استغرق الأمر مني سنوات طويلة لأتأمل حقيقة أن وصول أسرتي إلى بنسلفانيا كان عبر معسكر فورت إنديانتاون غاب، وهو قاعدة عسكرية تعود جذورها إلى الصراع الذي خاضه المستوطنون البيض ضد السكان الأصليين في تلك المنطقة.
فبحلول عام 1700، كان معظم أفراد شعب السسكويهانوك، المعروفين أيضًا باسم الكونيستوغا، قد أُبيدوا بفعل الحروب والأوبئة. وفي عام 1763، ارتكبت جماعة من المتطرفين البيض، عُرفت باسم «أولاد باكستون»، مذبحة راح ضحيتها ما لا يقل عن عشرين فردًا من شعب الكونيستوغا.
وقبل بضع سنوات، اطلعتُ على سند ملكية أول منزل اشتراه والداي بعد مغادرتنا مخيم اللاجئين في فورت إنديانتاون غاب، فاكتشفت أنه يقع في بلدة لور باكستون.
لقد غرسنا جذورنا في أرض مُهدت بالإبادة الجماعية، وكانت جزءًا من عملية الفتح التي وصفها الشاعر ويليام كارلوس ويليامز، في كتابه In the American Grain («في النسيج الأمريكي»)، بأنها «عربدة من الدماء».
إنه من الوهم أن نعتقد أننا يمكننا الفصل بين الحلم والكابوس، أو بين القدر والعربدة الدموية، أو بين التحرير والغزو، أو بين انفتاح الحدود الغربية وبين ما أفضت إليه من محميات معزولة للسكان الأصليين، ومعسكرات للعمل القسري، ومراكز احتجاز مثل جزيرة أنجل، حيث انتحر مهاجرون صينيون ونقشوا قصائدهم على الجدران.
ولكي يدرك الأمريكي غضب هؤلاء المهاجرين ويأسهم، الذي عبّروا عنه قبل أكثر من قرن من ظهور معسكرات الاحتجاز التابعة لوكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، فعليه أن يقرأ اللغة الصينية، أو أن يبحث عن ترجمات لتلك القصائد. وعليه أن يبذل جهدًا كي يدرك أن الحمض النووي الأمريكي هو مزيج متناقض يجمع بين الجمال والوحشية، ويعي أن هذا النسيج يربط حاضرنا بماضينا.
إن نسج مستقبل مختلف عن ذلك الذي حيك لنا من خيوط الماضي يتطلب عملًا شاقًا. ويتطلب هذا العمل النضج، والحكمة، والشجاعة، وتحمل المسؤولية، والشعور بالخجل، والتواضع، والمعرفة. كما يتطلب الاستعداد للمطالبة بالمصالحة، وإعادة توزيع الثروة، وجبر المظالم التاريخية، إذا أردنا يومًا أن نحقق العدالة.
ولكن ما دام قادتنا المفترضون يفضلون تمثيل دور الحرية بدلًا من تجسيدها حقيقةً، وما دام كثير من الأمريكيين لا يزالون يدفعون ثمن تذكرة ركوب ألعاب الإثارة في أمريكا العظمى، فسنبقى بعيدين جدًا عن لحظة مواجهة الحقيقة.
[[1]] أستاذ اللغة الإنجليزية، والدراسات الأمريكية والإثنية، والأدب المقارن في جامعة جنوب كاليفورنيا. حازت روايته «المتعاطف» (The Sympathizer) جائزة بوليتزر للرواية لعام 2016.
[[2]]https://www.thenation.com/article/society/viet-thanh-nguyen-us-250/
[[3]] رمز ™ هو اختصار للكلمة الإنجليزية Trademark، والتي تعني “علامة تجارية”.



