في مقاله المنشور في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “Israel Is Spiraling” (إسرائيل تتدهور) [[1]] يقول الكاتب أوري غولدبرغ إن قصف غزة وحصار أهلها وتجويعهم، والتحريض المباشر من طرف كبار أعضاء الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ مخطط الإبادة الجماعية لأهل غزة يزداد سوءًا يوما بعد يوم. وينقل عن وزير المالية وشؤون الضفة الغربية في تلك الحكومة بتسلئيل سموتريتش قوله: “إن الخطة واضحة، وهي المضي قدمًا في الحرب، واحتلال الأراضي ليس في غزة وحدها، بل في لبنان وسوريا أيضًا، وإزالة رعايا العدو “والسيطرة على تلك الأراضي إلى أجل غير مسمى”. ويضيف الكاتب أوري: ماذا يعني سموتريتش بـالإزالة سوى الإبادة الجماعية؟ ولماذا تعتبر إسرائيل نفسها فوق كل القانون الدولي القائم؟ لماذا لا يوقف العالم إسرائيل، مع أنه يدرك تمام الإدراك ما تقوم به من بطش وتنكيل وانتهاك للقوانين الدولية؟
الإجابة الصحيحة الواضحة على هذه التساؤلات هي أن الغضب والإحباط هما الشعور السائد دوليا، لكن ليس هناك- حتى الآن- ما يدل على إرادة جدية لوقف الحرب من طرف القوى الدولية المتحكمة، ومع ذلك، فإن خيار البقاء في دوامة الغضب والإحباط يتجاهل أصحابُه حقيقة كبيرة ومهمة، وهي أن إسرائيل تتدهور يوما بعد يوم، وتزرع بذور زوالها بيدها، فالبلاد- كما يقول الكاتب- عالقة في دوامة من الزخم السلبي، خارجيًا وداخليًا. ولعل أوضح علامات هذا التدهور هو تبني حكومة نتنياهو لخطاب الإبادة الجماعية الصريح، كما عبر عنه أعضاؤها من اليمين المتطرف والمستوطنين.
وقد انقسم الإسرائيليون حول هذا الخطاب إلى قسمين: قسم احتفى به احتفاء كبيرا، وعبر عن دعمه المطلق لنتنياهو في هذا السبيل، وهذا القسم له حضور قوي في وسائل الإعلام الإسرائيلية (مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي)، ويضم معسكرين رئيسيين، الأول منهما: المستوطنون، الذين طالما راودتهم أفكار “العودة” إلى غزة، وإلغاء الإزالة أحادية الجانب للمستوطنات اليهودية من القطاع عام 2005 (ما يسمى “فك الارتباط”). وثاني المعسكرين هو المعسكر الشعبوي، بقيادة إيتامار بن غفير، وزير الأمن القومي، الذي لا يهتم بـاستقرار غزة بقدر ما يهتم بضمان استسلام “العدو” بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك قصف أماكن تخزين الغذاء والماء في القطاع.
-أما القسم الثاني فيشمل الجميع. فالغالبية العظمى من الإسرائيليين لا تعارض الإبادة الجماعية لغزة أصلا ولكن من المهم بالنسبة لها تبريرها من منظور “الأمن”، وهو أقدس القيم الإسرائيلية. والأمنُ في هذا السياق، يعني السماح للإسرائيليين بقتل أكبر عدد ممكن من الناس (بما في ذلك المدنيّون). وطالما أن أفعال إسرائيل في غزة تهدف إلى “تدمير حماس”، فقد يكون من الممكن التفكير في دمار الإبادة الجماعية من منظور معاكس للقيم تماما، وهو “نحن لا نجوّع غزة؛ حماس هي التي تسرق كل طعام السكان” أو أنه “في الحرب، تحدث أشياء سيئة للناس الطيبين”.
يخترق خطاب سموتريتش وبن غفير تلك الدعاية المُصممة بعناية لخداع الذات. فأجندتهما إما موجهة لجمهور محدود للغاية، وهذا ما يمثله خطاب سموتريتش, أو متشككة للغاية في هيكل السلطة الإسرائيلي الحالي وهذا ما يمثله خطاب بن غفير. كما يجمعهما كذلك ما يُنظر إليه داخل إسرائيل على أنه تجاهل للرهائن الإسرائيليين، حيث يُفترض أن 21 منهم على قيد الحياة وفقًا لآخر إحصاء. وتُمثل عودة الرهائن، بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، فكرة المجتمع الرحيم (الرحيم تجاه أشخاص معينين، على أي حال) والمجتمع الذي يقوم على التضامن. ويُنظر إلى التضحية الواعية بحياة هؤلاء الرهائن على أنها رفض لهذا المثل الأعلى.
يتميز سموتريتش وبن غفير أيضًا بغضبهما وشعورهما بالاستحقاق. فهما يريان دوائرهم الانتخابية محرومة من السلطة الفعلية (بن غفير) أو مكانة النخبة (سموتريتش) لفترة طويلة جدًا. ولا عجب في ذلك، فالشعبويون عمومًا معروفون بجشعهم السياسي في جميع أنحاء العالم، حيث يمارسون الضغط على الدولة، ويستغلون كل صدع في جدار سلطتها. وكذلك المستوطنون، الذين يعتبرون قيام دولة إسرائيل بداية الفداء الإلهي الموعود لإسرائيل، هم أيضًا جشعون. فقد كان واقعهم عبارة عن خداع مستمر لعدة عقود، فهم يسرقون الأرض الفلسطينية في الظاهر بمفردهم، ولكن الحقيقة التي لا غبار عليها هي أن هذه السرقة كانت تتم بمساعدة سرية من حكومة إسرائيل، إلا أن عصر التكتم قد ولى الآن.
وقد أصبحت حكومة نتنياهو الآن تحت سيطرة هاتين الحركتين بالكامل. والسبب في ذلك أن أصوات المستوطنين والشعبويين هي الضمانة الوحيدة الأكيدة لاستمرار الحكومة. وبينما يدعم الإسرائيليون الحكومةَ وجرائمها، فإن الكثير منهم يزداد غضبًا من المبررات والحلول النهائية المقترحة؛ سواءً ترسيخ الفصل العنصري أو إكمال الإبادة الجماعية في غزة، أو كلاهما. وتتراجع ثقة الإسرائيليين بالدولة أكثر فأكثر.
ويحاول جيش الدفاع الإسرائيلي أيضًا الهروب من تلك السفينة الغارقة، مقدمًا خططًا عملياتية مليئة بالتنصل من المسؤولية. أهمها تحذير رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي إيال زامير من أن “المناورة الموسعة في غزة ستُعرّض الرهائن للخطر”. وكانت أكثر الخطوات السياسية جرأةً هي إصرار زامير على التجنيد الفوري لآلاف الشباب الحريديين لتحمل عبء تلك الحرب، حيث تُعاني إسرائيل من مشكلة تجنيد الحريديين منذ إنشائها، ويُشير طلب زامير تنفيذ ذلك على وجه السرعة إلى ضعف ثقته بالحكومة الحالية.
يبدو أن إسرائيل تواجه أيضًا بعض المشاكل مع إدارة ترامب. فقد ارتبك ترامب تجاه نتنياهو منذ محاولة الأخير تصوير نفسه على أنه العقل المدبر لترامب. وبينما لم يتدخل ترامب نيابةً عن الفلسطينيين وزود إسرائيل بالسلاح، إلا أنه امتنع عن التدخل كثيرًا في حاضر غزة ومستقبلها. صحيح أن “خطة ترامب للنقل الطوعي” لم تشهد تنفيذًا يُذكر، لكن منذ ذلك الحين، أظهر ترامب بوضوح عدم اهتمامه. ويُعيد ترامب الآن ترتيب الشرق الأوسط، بدءًا من المفاوضات مع إيران إلى وقف إطلاق النار مع الحوثيين، لكن إسرائيل لا تُستشار في هذه العملية. ولم تشمل زيارة ترامب للشرق الأوسط إسرائيل.
في ختام مقاله يقول غولدبرغ إن إسرائيل تفقد السيطرة على بنيتها التحتية تدريجيا، ورغم أن أفعال إسرائيل قد تبدو اليوم -من نواحٍ عديدة- ثمرة خطة حُبِكَت ودُبِّرَت على مدى زمن طويل، إلا أن الأمر على عكس ذلك تمامًا. فإسرائيل تتدهور يوما بعد يوم.
[[1]]https://www.thenation.com/article/world/israel-netanyahu-smotrich-ben-gvir-collapse/



