استفادت الإمبراطوريتان الفرنسية والعثمانية خلال القرن التاسع عشر من مشاريع تدشين البنية الأساسية الحديثة وبناء المدن للسيطرة على المشاهد الطبيعية والمعالم الاجتماعية والثقافية والسياسية المتنوعة. وفي هذا الإطار خدمت الطرق والسكك الحديدية والموانئ والممرات المائية العديد من أغراض الأجندات الإمبراطورية، بدءً من الأهداف العسكرية إلى التجارية وحتى الإيديولوجية. وقد غيرت الأعمال الإنشائية التي دُشنت في ذلك القرن الأنسجة الحضرية بطرق غير مسبوقة، حيث تم شق الطرق المستقيمة عبر المدن، وتم إلحاق الأحياء ذات الطراز الأوروبي بالمراكز الحضرية التاريخية، وتم بناء مدن صناعية وتعدينية جديدة، ومواقع عسكرية، ومراكز إدارية وفقًا لأحدث الاتجاهات؛ وتم التخطيط لهذه الإنجازات الهندسية الكبرى بعناية لبناء صورة حديثة. [[1]]
في كتابها المنشور الصادر عن منشورات جامعة واشنطن تحت عنوان: “” Empire, Architecture, and the City: French-Ottoman Encounters, 1830–1914″ الإمبراطورية والعمارة والمدينة: التقاءات فرنسية عثمانية” (2008) تدرس المعمارية التركية زينب جليك مدن الجزائر وتونس تحت الحكم الاستعماري الفرنسي، ومدن المقاطعات العربية العثمانية. ومن خلال تركيزها على “الأطراف” عوضًا عن مدن المركز (المتروبول) في باريس وإسطنبول، تقدم نظرة أكثر دقة للتبادلات بين الثقافات. وتستكشف جليك الأجندات السياسية المختلفة للإمبراطوريتين الفرنسية والعثمانية والمعاني العديدة التي تقف وراء الأشكال والمباني الحضرية التي يجمعها شبه ملحوظ. ويوفر هذا الكتاب العديد من الخطط الأرشيفية والصور والبطاقات البريدية التي تُنشر لأول مرة، إلى جانب نسخ من الدوريات والإصدارات الحولية الرسمية.
تدرس جليك الميادين العامة باعتبارها مواقع مميزة للتعبير الإمبراطوري، كما يتضح من المباني التي حددتها والمعالم الأثرية المشحونة بالرموز التي زينتها. وتفحص عمارة المباني العامة؛ حيث تحولت المسارح والمدارس والمستشفيات والمكاتب التي تضم الجهاز الإداري الإمبراطوري (قاعات المدينة والقصور الحكومية ومكاتب البريد ومراكز الشرطة والمباني العسكرية) إلى آثار علمانية جديدة، صُممت وفقًا للنماذج الأوروبية. وتوضح جليك أن الاحتفالات العامة التي أقيمت في المساحات الحضرية الحديثة، لعبت دورًا رئيسيًا في نقل الرسائل السياسية. وتستعرض جليك كيف احتلت تلك الاحتفالات والفاعليات الشوارع والميادين بشكل منظم.
وتقوم جليك بإعادة صياغة دقيقة لبعض الأسئلة الأكثر تعقيداً التي تهيمن على دراسات العمارة الحضرية والقوة الإمبريالية، ويعد كتابها بمثابة دعوة لإعادة التفكير في العديد من الافتراضات التي تقوم عليها الدراسات الحالية حول الإمبراطورية في القرن التاسع عشر؛ فمن خلال مقارنة السياسة العثمانية والفرنسية، توضح جليك أن الإمبراطوريات الإقليمية القديمة كانت تعتمد على التوظيف السياسي للأشكال المعمارية بالقدر نفسه الذي كانت تقوم به الإمبراطوريات الاستعمارية الأحدث. ويشير تركيزها على المقاطعات بدلاً من المراكز الإمبراطورية إلى أن دراسات الأطراف تظل أساسية لفهم الإمبراطورية، وأن “الحضري” لا يجب أن يكون مرادفًا لـ”المركزي”. [[2]]
نشير ختامًا إلى أن مؤلفة الكتاب زينب جليك هي أستاذة في الهندسة المعمارية في معهد نيوجيرسي للتكنولوجيا. وهي مؤلفة العديد من الكتب من بينها: “إعادة تشكيل اسطنبول: صورة لمدينة عثمانية في القرن التاسع عشر”، و”عرض الشرق”، و”الأشكال الحضرية والمواجهات الاستعمارية: الجزائر تحت الحكم الفرنسي”.
[[1]]https://uwapress.uw.edu/book/9780295987798/empire-architecture-and-the-city/
[[2]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/21/1/151/722321



