قي مقالهما المنشور حديثًا في مجلة ذا نيشن الأمريكية تحت عنوان “We Don’t Have to Hand It to Harvard“ [[1]] يقول الكاتبان: كريستوفر مالي وناثانيال موسيس إن الدعوى القضائية التي رفعتها جامعة هارفارد ضد إدارة ترامب حظيت باحتفاء واسع من قِبل كثيرين، إلا أن الحقيقة التي لا غبار عليها هي أن الجامعة الأمريكية العريقة قد امتثلت بهدوء للمطالب الفيدرالية المتعلقة بفلسطين منذ أسابيع.
كما يشير الكاتبان إلى أن هذه الأوقات العصيبة التي يمر بها التعليم العالي في الولايات المتحدة، يجب أن يتعامل معها بمستوى عال من الجدية والصرامة، لأن هذه القرارات الفيدرالية تمثّل تهديدا واضحا للاستقلالية الصارمة التي كانت تتمتع بها الجامعات الأمريكية. فعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، وتحت ضغط كبير من طرف إدارة ترامب، والعناصر المحافظة داخل بيروقراطياتها، قمعت الجامعات حرية التعبير والدراسات النقدية، لاسيما ما يتعلق منها بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة.
وفي رسالة نُشرت على نطاق واسع في السابق من هذا الشهر، ظهر أن إدارة ترامب قد تجاوزت الحد في هذه القضية. حيث أصدرت وزارة التعليم سلسلةً من المطالب المتطرفة لجامعة هارفارد، من ضمن هذه المطالب إلغاء جميع برامج التنوع والمساواة والشمول، وإصلاح إجراءاتها التأديبية، والخضوع للتدقيق من قبل الجهات التنظيمية الفيدرالية، وكل ذلك من أجل الحفاظ على علاقتها المالية مع الحكومة الفيدرالية.
وقد لاقى ردّ رئيس جامعة هارفارد، آلان غاربر، الذي استنكر فيه تلك الجهود الحكومية للتدخل في الشأن الأكاديمي، استحسانًا فوريًا، حيث شعر الكثيرون بالارتياح لرؤية جامعة تقف في وجه إدارة ترامب. وقد كانت هناك إشادات واسعة بخطوة الجامعة هذه، باعتبارها موقفًا جديدًا وحازمًا ينبغي على الجامعات الأخرى أن تحذو حذوه. لكن ما فات المحتفين بتلك الخطوة هو أن هارفارد بدأت بالفعل منذ أسابيع، وبهدوء تام في تطبيق جميع أجندة إدارة ترامب، مما يوضح أن الجامعة لها وجهان، فهي من ناحية تريد أن تبقي على بعض ماء الوجه من خلال الاعتراض على أوامر الرئيس ترامب علنًا، لكنها في واقع الأمر تمتثل أوامره، وبشكل صارخ.
ففي 26 مارس/آذار، فُصل اثنان من أساتذة الجامعة، هما جمال كفادار وروزي بشير، من منصبيهما كمدير ومديرة مشاركة لمركز هارفارد لدراسات الشرق الأوسط (CMES). وهما باحثان يتمتعان بسمعة استثنائية في مجاليهما. والسبب المباشر في فصلهما: هو محاضرات رعاها مركز دراسات الشرق الأوسط، ضمّت خبراء في الشأن الفلسطيني. وقد أُدين فصلهما على نطاق واسع باعتباره عملاً رقابياً صارخا،ً وتدخلا سياسيا في شؤون المؤسسات العامة. إذ أن هذا الفصل يعتبر تنفيذا واضحا لأهداف إدارة ترامب وأجندتها المتطرفة في مجال لتعليم العالي، والتي تفضي إلى تقويض الاستقلال الفكري ومعاقبة الطلاب والباحثين على التحدث علناً عن فلسطين.
وقد ذكر طالب في الجامعة للمجلة- طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام- أنهم “لا يثقون بوعود جامعة هارفارد بمقاومة مطالب ترامب، لأنها طبقت بالفعل الكثير من نفس أجندة ترامب من تلقاء نفسها، من خلال تطبيق سياسات احتجاجية تقييدية، تحدّ من أنشطة الطلاب في الصيف الماضي.
وفي الأسبوع نفسه الذي أُقيلت فيه قيادة مركز دراسات الشرق الأوسط، قطعت جامعة هارفارد العلاقات التي كانت تربط كلية الصحة العامة التابعة لها بجامعة بيرزيت في الضفة الغربية في فلسطين المحتلة، كما أوقفت مبادرة الدين والصراع والسلام (RCPI) التابعة لكلية اللاهوت في هارفارد، وهو برنامج كان يركز على شؤون فلسطين. فإذا كانت هارفارد مستعدة الآن لمواجهة الرئيس ترامب دفاعًا عن “التحقيق المفتوح وحرية التعبير”، فلماذا تقمع قيادتها بشكل منهجي الأبحاث والتدريس النقدي المتعلق بفلسطين في حرمها الجامعي؟
هذه الأفعال تمثل جزءا يسيرا من محاولة هارفارد استرضاء إدارة ترامب، قبل مسايرته في قرارته بشكل واضح، فهي تمهيد للتحول إلى نهج أكثر مواجهة، وبعبارة رياضية فهذه الأفعال مجردُ عمليات إحماء وتسخين من أجل تهيئة الظروف المناسبة لقرارات ربما تكون أقسى مما مضى. المهم هو أن تثبت هارفارد بذلك أنها تتفق فعليًا مع وجهة نظر الحكومة القائلة بضرورة قمع الخطاب والنشاط المنتقد للصهيونية في الحرم الجامعي.
غير أن الأمر الجلي هنا وهو “استثناء فلسطين” من نطاق حرية التعبير والحرية الأكاديمية اللذين طالما تمتعت بهما الجامعات الأمريكية، قد أصبح متجذرًا بعمق في هارفارد، بسبب الخلط الدائم بين انتقاد السياسات الإسرائيلية، وبين تهمة معاداة السامية، وهي استراتيجية راسخة، تسارعت وتيرةُ استخدامها في الأشهر الأخيرة. وقد دللت جامعة هارفارد في يناير/كانون الثاني من هذا العام، على اتباعها لهذا المنهج المتطرف، والاتهامات الباطلة، حين اعتمدت التعريف المثير للجدل لمعاداة السامية، والذي يشمل انتقاد الصهيونية وإسرائيل. في ختام مقالهما يقول الكاتبان إن هذا الهجوم المركز على مركز دراسات الشرق الأوسط والبرامج الأكاديمية المتعلقة بفلسطين في جامعة هارفارد هو بمثابة إنذار مبكر. فتقويض الدراسات النقدية حول الشرق الأوسط ليس سوى الخطوة الأولى نحو إلغاء برامج التنوع، والمساواة، والشمول، وزيادة القدرات التأديبية لمعاقبة حرية التعبير المحمية دستوريًا. وأنه رغم الإشادة التي تلقتها جامعة هارفارد من خلال تمسكها بحرية التعبير، إلا أن الجامعة لم تلتزم علنًا بعد بأي حماية حقيقية للطلاب الذين يواجهون يوميا خطر الاحتجاز والتهديد بالترحيل من قبل إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية.
[[1]]https://www.thenation.com/article/society/harvard-university-trump-lawsuit-palestine-academic-integrity/



