في مقاله المنشور في مجلة “نيوستيسمان” البريطانية تحت عنوان: “The end of the old world order” (نهاية النظام العالمي القديم) [[1]] يقول الكاتب والوزير البرتغالي السابق برونو ماسيس إن جمهورية فايمار الألمانية قصيرة العمر التي سبقت الرايخ الثالث، كانت تشكل مثالًا متهورًا وصورة لمجتمع لا يدرك حاجته إلى النظام وقوة الدولة، وبالتالي كان محكومًا عليها بعودة قوة الدولة في أكثر أشكالها انتقامًا وقسوة. ويقول إن تبني أمريكا اليوم تغييرًا جذريًا في سياستها وتخليها عن تقاليدها ومعاييرها السياسية، يجعلها تقترب من حافة كارثة اجتماعية وسياسية.
يستشهد ماسيس بكلام الكاتب الأمريكي روبرت كابلان الذي يقول إن المحتفين بفايمار، الذين كانوا مفتونين بالفوضى وقرب نهاية العالم، لم يكن لديهم أي فكرة عما ينتظرهم، فـ”كلما كان الاضطراب أكثر فظاعة، كلما كان الطغيان الذي يليه أكثر تطرفًا”. وفي كتابه الجديد: “الأرض الخراب: عالم في أزمة دائمة” (راندوم هاوس، 2025)، يطبق كابلان نموذج فايمار على النظام العالمي نفسه، ويخلص إلى مفهوم “فايمار الجيوسياسية”.
ولكن ما هي فايمار الجيوسياسية؟
في تعريف كابلان، إنها اللحظة التي يبدأ فيها النظام العالمي القائم في التفكك لأن البشرية المفتونة بالتقنيات الجديدة والإمكانات اللامحدودة، تنسى في خضم ذلك أن “النظام يجب أن يأتي قبل الحرية”.
في مقابل وصف المنظر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي الفترة الفاصلة بين الأنظمة العالمية بأنها وقت “أعراض مرضية”. يقدم كابلان مقاربة أخرى: فلفهم لحظتنا الحالية، يجب أن نفكر في فايمار، ولكن فايمار “من منظور عالمي”.
يقول ماسيس إن الفرضية الأولية لكابلان سليمة من حيث الأساس. ومن المفيد بالفعل أن نفكر في مسألة النظام العالمي من خلال تشبيهها بدولة واحدة، حيث إن الديناميكيات السياسية الأساسية متشابهة للغاية، وهي كذلك أكثر وضوحاً وقابلية للفهم على نطاق أصغر. ومن الصحيح أيضًا أن اللحظة الحالية في السياسة العالمية هي لحظة ثورية.
ولكن المشكلة في الأسلوب الذي استخدمه كابلان في وصف فايمار، وهو أنه يعمل كتهديد أكثر منه كأداة تحليلية؛ فإذا كان العالم بأسره يتجه حقاً نحو نموذج فايمار، فإن أفضل نصيحة يمكن أن نقدمها بحسب أطروحته هي التباطؤ والعودة إلى الرصانة والتوقف عن تمزيق نسيج النظام القائم.
يقول ماسيس إذا كان كابلان مهتماً حقاً بالنظام، فعليه أن يبدأ بغزة، حيث انتهجت أميركا، القوة الحاكمة في العالم، سياسة التدمير المتعمد، باسم رؤية مسيحانية. وفي سعيها إلى تحقيق هذه الغاية، مزقت النظام القانوني الدولي وزرعت كراهية يُقدر لها أن تستمر مائة عام. إلا أن قضية تدمير غزة يتجاهلها كتاب “الأرض الخراب”، الذي يتحدث ظاهرياً عن التدمير. وعندما يذكر غزة يذكرها بإيجاز، ويربطها بأوكرانيا، باعتبارها مجرد مثال آخر على الصراع الإقليمي.
يستنكر كابلان كذلك القومية المتطرفة والعسكرة في روسيا، لكنه يتجاهل هذه الظواهر ذاتها في إسرائيل. لماذا؟ فهو يفترض أن إسرائيل هي جزء من “نحن” أي الغرب، وروسيا هي واحدة من “الآخرين”. ويشير إلى مقتل 1200 إسرائيلي في 7 أكتوبر، لكن لا توجد كلمة واحدة في كتابه عن عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء والأطفال والرضع الذين قتلوا في غزة.
يمتدح كابلان إسرائيل لعدم ترددها، ولكونها أكثر صرامة من بايدن. وهكذا يتبين أن التحذيرات الغامضة التي يطلقها بشأن الفوضى أو الاستبداد في المستقبل ليست الأداة الأكثر فعالية للحفاظ على النظام كما هو، ولكن القوة الغاشمة هي الأكثر فعالية.
يقول ماسيس إنه من السهل على كابلان أن يرى انحدار الغرب باعتباره نهاية الحضارة نفسها، لأنه بالنسبة له، لا يوجد شيء آخر. ففي كتابه لا نجد ذكرا للهند (أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان) إلا نادراً: إذ تظهر الكلمة خمس مرات تقريباً. ولا يذكر الكتاب جنوب شرق آسيا، المركز العالمي للابتكار والنمو، على الإطلاق. وما يزال الكتاب ينظر إلى أفريقيا من خلال منظور الأحياء الفقيرة الضخمة وأكوام القمامة التي لا نهاية لها، على الرغم من أن مدناً مثل نيروبي أو أكرا باتت الآن أفضل إدارة من ديترويت أو سان فرانسيسكو بحسب ماسيس.
ولا يبدو أن كابلان يدرك التناقض العميق في أطروحته، فإذا كان الجزء الأكبر من العالم يعيش في كارثة وخراب، فإن هذا يبين الحاجة إلى نظام عالمي جديد، وليس المحافظة على النظام الحالي.
في ختام مقاله يقول ماسيس إن الجغرافيا السياسية تتعلق بالقوة، وليس بالخير والشر، ناهيك أنها ليست ذات صلة بذلك اللاهوت الإصلاحي الذي يزعم بأن واشنطن لا بد أن تعلمنا ما هو الخير والشر، كما يحاول أن يفعل كابلان.
[[1]]https://www.newstatesman.com/culture/books/book-of-the-day/2025/01/the-end-of-the-old-world-order-robert-d-kaplan-waste-land



