حدد عالم الطبيعة الألماني يوهان فريدريش بلومنباخ القوقاز باعتباره موطن العرق الأبيض في أطروحته التي كتبها عام 1795 م تحت عنوان: “الأصناف الطبيعية للبشرية”، والتي كُتبت بهدف تقديم أساس علمي لمفهوم تعدد الأجناس، وكان بلومنباخ يعتقد أن كل البشر الأحياء ينحدرون من عائلة نبي الله نوح بعد أن خرجوا من السفينة عندما هبطت على جبل أرارات في جنوب القوقاز. ووفقًا لتصوره فإن الله أرسل أبناء نوح ذوي البشرة الداكنة إلى أراض أخرى لبدء مسيرة الأجناس الأفريقية والآسيوية، بينما بقي ابنه ذو البشرة الفاتحة في مكانه. كما حدد بلومنباخ مجموعة محلية واحدة، وهي الشركس، باعتبارهم “أطهر مثال للعرق الأبيض”، على أساس لا يعتمد سوى على حكايات المسافرين عن الجمال المثالي للنساء الشركس. وقد تبنى مالكو العبيد الأميركيون هذه الأطروحة والتي على شاكلتها بشغف، إذ أرادوا أن يعتقدوا أن المستعبدين نوع مختلف أدنى من البشر. [[1]]
ومع ذلك، فإن الاهتمام المتزايد بالقوقاز باعتباره مكان ميلاد العرق الأبيض كان يعني زيادة التدقيق في هوية من يعيش هناك بالضبط. فقد بدأ الأميركيون يدركون تنوع الأعراق والأديان في القوقاز، وأنها منطقة متنوعة الإثنيات تتألف من الفرس والأتراك والجورجيين والكرد واليهود. وبحلول عام 1855، كتب الطبيب المناهض للعبودية جيمس ماكون سميث عن محاولات علماء الأعراق “السعي إلى البحث عن الأبوة” للعرق الأبيض في شبه الجزيرة العربية بعد إدراكهم أن شعب القوقاز “كان وما يزال من المغول”. وعلق سميث بسخرية ثاقبة: “استمروا أيها السادة. سوف تجدون أنفسكم في إفريقيا، في وقت قريب”. [[2]]
وقد كشفت حرب القوقاز في خمسينيات القرن التاسع عشر، والتي تزامنت بدورها مع الحرب الأهلية الأميركية عن الأساس الهش الذي يقوم عليه نظام الهيمنة العنصرية في الولايات المتحدة بأكمله. حيث سحرت صور منطقة القوقاز وشعوبها الجمهور الأميركي. ولكنها أظهرت كذلك أن تلك المنطقة الجبلية الواقعة بين أوروبا الشرقية وغرب آسيا التي يُستمد منها تسمية العرق الأبيض “القوقازي”، ليست بيضاء على الإطلاق. حيث اعترفت شخصيات ثقافية وسياسية مثل الدبلوماسي فريدريك دوغلاس، وعالم الاجتماع إي. بي. دو بوا، والرئيس الأمريكي السابق ودرو ويلسون، ومنظم العروض الجماهيرية ب. ت. بارنوم، بحقيقة الأمر، ولكن تراوحت مواقفهم بين استغلالها أو كشفها أو انتقادها أو دفنها والتكتم عليها. [[3]]
في كتابها الصادر عن منشورات جامعة هارفارد تحت عنوان: “The Unseen Truth” “الحقيقة غير المرئية” (2024) تروي المؤرخة سارة لويس قصة أصول “العرق القوقازي” ومحاولات إخفاء عيوبها الجوهرية في مطلع القرن العشرين. وتقدم لويس في المقابل تأريخًا فكريًا جريئًا، مستمدًا من الأطالس والموسوعات المدرسية، وعروض السيرك، والصحافة الصفراء، والملفات الرسمية الرئاسية للبيض الأبيض، يكشف عن الأسس الزائفة لأفكار العرق التي ما تزال تشكل الولايات المتحدة حتى اليوم.ويسعى الكتاب إلى توضيح كيف نجحت التكتيكات البصرية في الأعمال الفنية والعروض الجماهيرية منذ فترة طويلة في حماية نظام التسلسل الهرمي العنصري على الرغم من أسسه الزائفة.
نشير ختامًا إلى أن المؤلفة سارة لويس هي مؤرخة فنية وثقافية تركز أبحاثها على تقاطع التمثيل البصري مع العدالة العرقية والديمقراطية في الولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحاضر، وهي أستاذة مشاركة في العلوم الإنسانية وأستاذة مشاركة للدراسات الأفريقية والأمريكية الأفريقية في جامعة هارفارد حيث تعمل في اللجنة الدائمة للدراسات الأمريكية واللجنة الدائمة للمرأة والنوع الاجتماعي والجنسانية.
[[1]]https://www.thenation.com/article/culture/sarah-lewis-unseen-truth/



