في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كانت ثلاثة أرباع ساحل البحر الأبيض المتوسط خاضعة لسيطرة الإمبراطورية العثمانية التي كانت تنظر إليها أوروبا المسيحية برهبة وخوف. ومع ذلك، بحلول نهاية الحرب العالمية الأولى في نوفمبر/ تشرين الثاني 1918، كانت هذه القوة الإسلامية مرهوبة الجانب قد خضعت تمامًا للدول الأوروبية التي احتلت معظم أراضيها.
في كتابه الصادر باللغة الانجليزية عن دار الساقي في لندن عام 2023 تحت عنوان ” Sea of Troubles: The European Conquest of the Islamic Mediterranean and the Origins of the First World War ” (بحر المتاعب: الفتح الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط الإسلامي وجذور الحرب العالمية الأولى) يكشف المؤرخ إيان روتليدج كيف أصبح البحر الأبيض المتوسط خطًا للصدع بين أوروبا والإسلام، والمركز الأكثر أهمية للتنافس الإمبريالي الأوروبي؛ حيث تصارعت ست قوى أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والنمسا والمجر وروسيا من أجل السيطرة على التجارة والأراضي والثروات في هذه المنطقة الإسلامية. ويوضح روتليدج كيف مع تكثف التنافس، خرجت الأحداث عن السيطرة وتوجهت القارة الأوربية نحو الحرب العظمى الأولى.[[1]]
تمتد المنطقة الجغرافية التي يغطيها الكتاب، من البحر الأدرياتيكي ومنطقة البلقان المطلة عليه إلى المحيط الأطلسي، ومن الإمبراطورية العثمانية شرقًا إلى سلطنة المغرب غربًا.. وكما تظهر الخريطة بوضوح، كان هذا الجزء المسلم هو الشطر الأكبر من ساحل البحر الأبيض المتوسط في ذلك الوقت، ويشكل حوالي أربعة أخماسه. وكان كذلك، منذ انتشار الإسلام على شواطئه، مساحة للتفاعلات والصراع بين أوروبا الغربية المسيحية الكاثوليكية، والإمبراطورية البيزنطية الأرثوذكسية، والعالم الإسلامي. [[2]]
يسلط الكتاب بالتفاصيل الضوء على أكثر من ثلاثة قرون من الإمبريالية الأوروبية في السواحل الإسلامية للبحر الأبيض المتوسط. ويكشف عن سلسلة ردود الفعل من الغزو والعنف التي بلغت ذروتها في الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية؛ ليقدم بذلك سردية شاملة عن الغزو الأوروبي لبلاد الشام وشمال إفريقيا في القرون الثلاثة الماضية.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف إيان روتليدج هو خبير اقتصادي ومؤرخ حصل على درجة البكالوريوس والدكتوراه في التاريخ الاقتصادي من جامعة كامبريدج، وقد عمل سابقًا كباحث أول فخري في كلية إدارة الأعمال بجامعة شيفيلد، وقام بالتدريس في جامعتي لندن وشيفيلد. ويكتب روتليدج في صحف مثل فاينانشال تايمز والغارديان. ومن بين كتبه المنشورة الأخرى: كتاب “العدو على الفرات: معركة العراق، 1914 – 1921″، و”مدمنة على النفط: سعي أمريكا الدؤوب لتحقيق أمن الطاقة”.
[[1]]https://saqibooks.com/books/saqi/sea-of-troubles/
[[2]]https://academic.oup.com/jis/advance-article-abstract/doi/10.1093/jis/etaf007/7989514



