في مقاله المنشور حديثًا في مجلة ذا نيشن الأمريكية تحت عنوان: «Donald Trump Is Building a Bridge to 1896» (دونالد ترامب يبني جسرا إلى عام 1896) [[1]] يقارن الصحفي والكاتب الأمريكي كريس ليمان بين واقع أمريكا اليوم على أعتاب الإدارة الثانية لدونالد ترامب، وبين فترة ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق ويليام ماكينلي، وهو سياسي ومحامي أميركي شغل منصب الرئيس الخامس والعشرين للولايات المتحدة من 4 مارس 1897 حتى اغتياله في سبتمبر 1901 بعد ستة أشهر من فترة ولايته الثانية. ويقول ليمان أن تلك الفترة تختصر بدقة وجهة نظر الطبقة الحاكمة الأميركية في ذلك الوقت، في أوج ثقتها بنفسها.
الصلة الأبرز بين ترامب وماكينلي كما يشير الكاتب تتلخص في خطتهما العدوانية لفرض التعريفات الجمركية. فقد ذكر ترامب في حملته الانتخابية لعام 2024 أنه: “في تسعينيات القرن التاسع عشر، كانت بلادنا على الأرجح الأكثر ثراءً على الإطلاق لأنها كانت تعتمد على نظام التعريفات الجمركية. وكان لدينا رئيس، هل تعرفون ماكينلي؟ هل تتذكرون جبل ماكينلي؟“. وهذا كما يشير ليمان هو الاسم السابق لجبل دينالي في ألاسكا، أعلى نقطة في أميركا الشمالية، وهو موقع لا علاقة تاريخية له بماكينلي، الذي لم يزره قط. ولكن ترامب قد أدرج إعادة تسمية جبل “دينالي” من جديد تكريما لماكينلي، كجزء من القرارات التي يعتزم أن يتخذها خلال فترة رئاسته المقبلة.
إلا أن تمجيد ترامب لذلك الرئيس يرتكز حول رؤية تاريخية مشوهة تمامًا، فلم ينجم عن تسعينيات القرن التاسع عشر سوى تراكم ثروة غير مسبوقة لصالح 1% من السكان، وإفقار واسع النطاق للأغلبية العاملة في البلاد؛ والواقع أنه في عام 1897، كانت الأربعة آلاف أسرة التي تمثل أعلى 1% من الثروة وملكية الأصول تسيطر على أعظم قدر من الاقتصاد، مقارنة بباقي عائلات البلاد التي يبلغ عددها 11.6 مليون أسرة.
يشير ليمان إلى أن اندفاع ترامب المفرط بتأثير من مخياله الإمبراطوري، وخططه لضم كندا وجرينلاند إلى جانب المطالبة باستعادة السيادة الأميركية على قناة بنما، وسعيه إلى إعادة تسمية خليج المكسيك بخليج أميركا؛ تمثل تكريما آخر لماكينلي، الذي حول الولايات المتحدة من إمبراطورية إقليمية إلى إمبراطورية عالمية بعد خوضه الحرب الإسبانية الأميركية. وقد كان ماكينلي مترددا في البداية بشأن الدخول في الصراع، الذي من شأنه أن يضع كوبا والفلبين وجزر هاواي تحت سلطة أميركا. ولكن في نهاية المطاف، تخلى ماكينلي عن تردده، مدعيا أن المواطنين الفلبينيين يطالبون بالسيطرة الأميركية على الدولة الجزيرة كوسيلة لتحقيق الحريات المدنية الأساسية – وهو ادعاء يشبه تقريبا إعلان ترامب الأخير أن رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو قد أُجبر على الاستقالة في مواجهة حركة جماهيرية تطالب بقبول البلاد في الجمهورية الأميركية المتعثرة باعتبارها الولاية رقم: 51.
ويُظهِر ترامب اليوم نفسه وكأنه إمبريالي أكثر جرأة من سلفه، وبالتالي فمن المفهوم تمامًا أن يحاول ترامب، بعد أكثر من قرن من الزمان، إعادة استخدام نفس الحيل الإمبريالية لحشد المشاعر التوسعية خلفه.
يشير ليمان إلى أن ماكينلي جرت ترقيته إلى الرئاسة في المقام الأول لأنه كان مرشح الإجماع لطبقة اللصوص البارونية في أميركا. فقد كان مدير حملته الفعلي، هو مارك هانا، رجل الصناعة الثري الذي كان يتمتع بعلاقات جيدة مع رموز الطبقة الرأسمالية في البلاد، والذي قام بجمع التبرعات الكبرى لحمله ماكينلي الرئاسية من جون د. روكفلر، وجيه بي مورجان، وغيرهما من عمالقة المال الذين خافوا من الصعود السياسي للمشرع الشعبوي ويليام جينينجز برايان في عام 1896.
ويذكر الكاتب القراء بمقولة طريفة شهيرة لهانا تصف حال السياسة الأمريكية في الماضي كما في الحاضر، ألا وهي: “ثمة شيئان مهمان في السياسة. الشيء الأول هو المال، ولا أستطيع أن أتذكر ما هو الثاني”.
ويعيد تمثيل دور هانا اليوم بحسب ليمان رجل الأعمال إيلون ماسك، الذي يمثل دعمه البالغ 277 مليون دولار لحملة ترامب لعام 2024 أكبر تبرع من مصدر واحد لحملة انتخابية في التاريخ الأمريكي. وقد حصد ماسك بالفعل عائدًا كبيرًا على استثماره من خلال ترهيب ترامب والحزب الجمهوري لإرغامهما على إلغاء الرقابة المعززة على الاستثمارات الأمريكية في الصين؛ حيث تمثل مصانع السيارات المملوكة لماسك ما يقرب من ربع جميع الإيرادات لإمبراطورية تيسلا للسيارات الكهربائية. لكن دور ماسك كقيصر للبيت الأبيض لم يبدأ بعد على محمل الجد: فمن المرجح أن يؤدي منصبه خارج مجلس الوزراء كمدير مشارك (مع زميله الملياردير فيفيك راماسوامي) لـ(إدارة الكفاءة) في الإدارة الجديدة إلى تطبيع التربح الفاسد من العمليات الحكومية على نطاق لم يكن مارك هانا ليحلم به.
في ختام مقاله يشير ليمان إلى أن التغطية السياسية السائدة تجاهلت إلى حد كبير التقارب العميق بين نموذجي ماكينلي وترامب للحكم، ويرجع ذلك جزئيًا بحسبه إلى عدم اهتمام الصحافة الأمريكية بأساسيات الاقتصاد السياسي، علاوة على الأمية التاريخية المتفشية. إلا أن الأهم من ذلك، هو أن تقدير ترامب لإرث ماكينلي يكذب السردية الأساسية لوسائل الإعلام حول ترامب وحركة MAGA الشعبوية التي تهدف على حد زعم ناشطيها إلى الإطاحة بشبكات شريرة من النفوذ النخبوي؛ حيث أن تمجيد ترامب لإرث لذلك الرئيس الذي جرى تجنيده من قبل الطبقة الثرية المتنفذة لضرب تمرد شعبوي حقيقي من الأسفل يكشف عن فراغ القصة التي شوهت إحداثيات السياسية على مدى العقد الماضي. ولهذا السبب يجب ألا يستعد الأمريكيون فقط لولاية رئاسية على الطراز البلوتوقراطي (حكم الأثرياء)، ولكن أيضًا على استمراريتها المحتملة من خلال جيه دي فانس (نائب ترامب) الذي يشبه ثيودور روزفلت (نائب ماكينلي وخليفته) إذ يتقاسم فانس مع روزفلت الرؤية الإمبريالية العنصرية ذاتها للعالم، ولكن بينما تخلى روزفلت عن حقه الأرستقراطي لصالح التقدمية التي تكسر الاحتكار؛ فإن فينس رجعي خائن لجذوره في الطبقة العاملة على حد تعبير الكاتب، ولذلك فإن التاريخ لن يكرر نفسه؛ بل سوف يزداد الأمر سوء.
[[1]]https://www.thenation.com/article/politics/trump-mckinley/



