في مقالها المنشور حديثًا على موقع مجلة “لوموند ديبلوماتيك” (النسخة الإنجليزية) تحت عنوان: «The other Great Depression»[[1]] (الكساد العظيم الآخر) تقول عالمة الإثنوغرافيا الأمريكية كريستين غودسي إنه عندما تسلقت الحشود المبتهجة جدار برلين في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1989، سقطت الأنظمة الشيوعية من بولندا إلى بلغاريا، وكانت الحرب الباردة تقترب من نهايتها غير المتوقعة، وكان ثمة تفاؤل كبير بمستقبل أكثر ازدهارًا؛ حيث تمتع مواطنو بلدان الكتلة الشرقية بالديمقراطية وبإلغاء القيود المفروضة على السفر، وبنهاية سطوة أجهزة الأمن القمعية، وبحلول الأسواق الحرة محل المؤسسات التي تديرها الدولة. وذلك بعد أن سئمت الشعوب من الطوابير الطويلة ونقص السلع الأساسية، ومن رداءة السلع المصنعة في بلدان الكتلة الشرقية.
وبالطبع، أدى هدم الاقتصاد المخطط مركزياً إلى إنهاء ضمانات التوظيف والمجتمع الذي سعى إلى توفير شبكة أمان اجتماعي تلبي الاحتياجات الأساسية للجميع، ولكن المواطنين كانوا على يقين من أن كل شيء سيكون على ما يرام. وفي خطاب متلفز في الأول من يوليو/ تموز عام 1990 – اليوم الذي وحدت فيه جمهورية ألمانيا الاتحادية وجمهورية ألمانيا الديمقراطية عملتيهما – وعد المستشار الألماني هلموت كول بأن “لا أحد سوف يكون في حال أسوأ من ذي قبل، وسوف يكون كثيرون في حال أفضل”.
ولكن الأمور لم تسر كما خطط لها. وقد أعقب ذلك في أغلب هذه البلدان الاشتراكية السابقة انحدار اقتصادي أطول وأعمق من الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين، واضطراب مدمر تمامًا في حياة نحو 420 مليون إنسان، أو نحو 9% من سكان العالم في عام 1989. وسواء قيس ذلك بانخفاض الناتج الاقتصادي، أو انفجار فقاعة التضخم المفرط، أو انهيار معدلات المواليد، أو النمو المفاجئ للتفاوت والجرائم العنيفة، أو الزيادات الهائلة في البطالة والنزوح والوفيات الزائدة المرتبطة بالسياسات النيوليبرالية، فإن الأضرار الجانبية البشرية الناجمة عن إنشاء اقتصادات السوق كانت غير مسبوقة في زمن السلم.
باستخدام بيانات من مجموعة متنوعة من المصادر الرسمية لـ27 دولة ما بعد الشيوعية، تُظهر دراسة أعدتها كريستين غودسي كاتبة هذا المقال بمشاركة ميتشل أ. أورينشتاين أنه خلال السنوات العشر الأولى من الانتقال من الاشتراكية إلى الرأسمالية، سقط 47% من سكان أوروبا الشرقية وأوراسيا تحت خط الفقر الذي حدده البنك الدولي لهذه المنطقة وهو: 5.50 دولار في اليوم. وبحلول عام 1999، عانى نحو 191 مليون رجل وامرأة وطفل من الحرمان المادي الشديد. وظل معدل الفقر الإجمالي أعلى من مستويات عام 1990 حتى عام 2005، عندما ضربت الأزمة المالية العالمية المنطقة بجولة ثانية مؤلمة. وفي الفترة بين عامي 1990 و1998، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة بنحو 7% سنويا.
قد يشكك المرء في جودة البيانات الإحصائية من بلدان الكتلة السوفييتية قبل عام 1990، ولكن عندما تعيش الشعوب في ظل صعوبات اقتصادية شديدة، يمكن لعلماء الاجتماع أن يبحثوا عن أدلة حول التغيرات المفاجئة في البيانات الإحصائية المؤكدة حول الخصوبة والوفيات والمرض، فضلا عن التحولات العميقة في خيارات الحياة والمواقف الاجتماعية. وفي عام 2017، وجد البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن الأطفال المولودين في أوائل التسعينيات أقصر في المتوسط بسنتيمتر واحد من مجموعات المواليد قبلهم أو بعدهم، مما يعكس التأثيرات الجسدية لنقص المغذيات الدقيقة والضغوط النفسية الاجتماعية، وهذا الفارق في الطول يشبه نظيره بالنسبة للأطفال المولودين في مناطق الحرب.
لقد تنبأ بعض المستشارين الغربيين بصعوبات ناجمة عن التحول الاقتصادي، حتى أنهم أشاروا إليه باعتباره “علاجاً بالصدمة”. ومع ذلك، فقد اعتقدوا أن فترات الركود سوف تنتهي بسرعة وأن أفراح الحرية السياسية سوف تجعل الناس أكثر قدرة على الصمود. وفي عام 1992 علق الخبير الاقتصادي السويدي أندرس أسلوند قائلاً: “لأن الناس يريدون تغييراً جذرياً، فإنهم مستعدون لقبول قدر كبير من المعاناة لتحقيق ذلك”.
ولكن بحلول عام 1993، دقت أجراس الإنذار، عندما صوت الناخبون الروس الغاضبون ضد الوتيرة السريعة للتغيير الاقتصادي. وذلك بعد أن وجد الملايين من الناس في الكتلة الشرقية السابقة أنفسهم وقد طُردوا من العمل أو دفعوا إلى التقاعد المبكر، وعانوا من غلاء الأسعار وعدم الاستقرار الاقتصادي الكلي، وبعد أن التهم التضخم المفرط مدخراتهم طيلة حياتهم. وبعد أن راقب الناس العاديون برعب ارتفاع معدلات الجريمة والفساد مع تحول النخب الحزبية السابقة بين عشية وضحاها إلى طبقة مفترسة جديدة من الأوليغارشيين. وبعد أن قسمت مستويات التفاوت الطبقي غير المعروفة حتى الآن المجتمعات إلى حفنة صغيرة من الأغنياء فاحشي الثراء وجيوش ضخمة من المحرومين المعوزين.
وفي مواجهة هذا الرفض، اعترف ستروب تالبوت، كبير مستشاري الرئيس الأميركي بيل كلينتون في روسيا آنذاك، بأن إصلاحات السوق الحرة كانت تتألف من “صدمة مفرطة وقليل من العلاج”. وأعرب الخبير الاقتصادي المجري الشهير يانوس كورناي عن قلقه علناً بشأن “التحول إلى فايمار” في أوروبا الشرقية (يقصد بذلك جمهورية فايمار الاشتراكية في المانيا فترة ما بين الحربين التي استمرت لفترة انتقالية وجيزة وجاءت بعدها النازية). ورغم أن كورناي كان يفضل في البداية العلاج بالصدمات وتحرير الأسواق من تدخل الدولة، إلا أنه أصبح حذراً من المخاطر المحتملة التي قد تترتب على الكساد الأعظم الذي أعقب الشيوعية. ففي عام 1993 كتب كورناي: “لقد أدى انخفاض الدخل الحقيقي لنسبة كبيرة من السكان وظاهرة البطالة الجماعية التي لم تكن معروفة من قبل إلى إنتاج استياء اقتصادي واسع النطاق. وإذا وصلت قوة ومدى هذا الاستياء إلى عتبة حرجة، فسوف يشكل ذلك مخاطر جسيمة”.
واستذكر كورناي في هذا السياق الظروف التي سادت في ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين والتي أدت إلى ظهور أدولف هتلر، وحذر من أن “خيبة الأمل الناجمة عن الاقتصاد توفر أرضاً خصبة لتكاثر الديماغوجية والوعود الرخيصة والرغبات في القيادة الاستبدادية بيد من حديد”.
وقد بدأت وكالات الأمم المتحدة لاحقًا في توثيق آثار الكساد بعد الشيوعية خلال تسعينيات القرن العشرين الضارة على صحة ورفاهية السكان المتضررين، وأصبحت قلقة بشأن العواقب السياسية طويلة الأجل لمثل هذه الاضطرابات المجتمعية الضخمة، حيث وجد تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1999 أن 9.7 مليون رجل بالغ فقدوا حياتهم بسبب إدمان الكحول وتعاطي المخدرات والانتحار منذ عام 1990.
ولكن عوضاً عن تغيير هذا المسار الخاطئ، غيرت المؤسسات المالية الدولية من سرديتها، عندما أدرك الليبراليون الجدد أن الركود الاقتصادي لن يكون قصيرًا أو سطحيًا كما توقعوا في البداية، وزعموا إنه لا يوجد سبيل آخر، وأن طريقتهم كانت هي الأسرع والأكثر كفاءة، في حالة نموذجية من التلاعب.
ويبدو أن مخاوف يانوس كورناي في عام 1993 بشأن “الفايمارية” كانت استشرافية بشكل ملحوظ في عام 2024. فقد برز زعماء وقادة سياسيين غير ليبراليين مثل فلاديمير بوتن في روسيا، وفيكتور أوربان في المجر، وغيرهما ردًا على مشاعر الإحباط المستمرة إزاء الوعود المحطمة بالديمقراطية والأسواق الحرة. وفي الانتخابات المحلية الأخيرة، حقق حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف مكاسب غير مسبوقة في شرق ألمانيا، حيث جاء في المرتبة الأولى في تورينجيا بنحو 33٪ من الأصوات. وحصل على 30.6% من الأصوات في ساكسونيا، خلف الديمقراطيين المسيحيين مباشرة، وجاء في المركز الثاني في براندنبورغ، بنسبة 29.9%، أي أقل بنحو 1.2% فقط من الديمقراطيين الاجتماعيين.
في ختام مقالها تقول الكاتبة إن انتصار الغرب في الحرب الباردة أدى إلى انتقال معيب للغاية إلى الأسواق الرأسمالية. وأن العالم يدفع الآن ثمن غطرسة الغرب السياسية. وتؤكد أن الألم والتضليل اللاحق الذي مارسه زعماء الغرب على شعوب الكتلة الشرقية لا يبرر غزو بوتين العسكري لأوكرانيا. ولا يبرر سياسات أوربان غير الليبرالية في المجر؛ ولا يبرر الترحيل الجماعي للمهاجرين المطلوبين من قبل حزب البديل من أجل ألمانيا. ولكن مع ذلك، فإنك عندما تخلق أراضٍ قاحلة معروفة بإنتاج الوحوش (مثل هتلر والحزب النازي)، فلا ينبغي لك أن تتظاهر بالدهشة عندما تظهر تلك الوحوش.
[[1]]https://mondediplo.com/2024/11/14germany-great-depression




https://id.pinterest.com/karmila_konohatoto78
https://gravatar.com/togelslotkonohatoto78
https://bit.ly/m/togelslotkonohatoto78
https://bit.ly/m/kodok_konohatoto78
https://x.com/yollayufrens
https://medium.com/@yollayufrens/about
https://www.twitch.tv/karmilakonohatoto78
https://heylink.me/karmila_konohatoto78
https://www.theknot.com/us/rina-konohatoto78-and-konohatoto78-amanda-dec-2024
https://www.provenexpert.com/en-us/konohatoto78-situs-judi-slot-togel-gacor-hari-ini-juga
https://bio.site/togelslotkonohatoto78
https://bio.site/kodok_konohatoto78
https://linkin.bio/togelslotkonohatoto78
https://bio.link/togelkonohatoto78
https://linkpop.com/togelslotkonohatoto78
https://linkpop.com/rinakonohatoto78
https://tap.bio/@togelslotkonohatoto78/cards/834948
https://kodok-konohatoto78.mmm.page/
https://push.fm/fl/kodok-konohatoto78
https://hoo.be/togelslotkonohatoto78
https://linksta.cc/@togelslotkonohatoto78
https://linksta.cc/@kodok_konohatoto78
https://c8ke.com/kodok_konohatoto78
https://linkstack.lgbt/@togelslotkonohatoto78
https://linkstack.lgbt/@kodok_konohatoto78
http://kytelink.com/kodok-konohatoto78
https://jingle.bio/karmila-konohatoto78
https://mylinkinb.io/togelslotkonohatoto78
https://mylinkinb.io/rinakonohatoto78
https://no.mbre.es/@togelslotkonohatoto78
https://linkstapel.de/@kodok_konohatoto78
https://addr.bio/togelslotkonohatoto78
https://link4u.cc/@togelsl0tkonohatoto78
https://link4u.cc/@kodok_konohatoto78
https://artistlink.xyz/@kodok_konohatoto78
https://dclinks.fr/@togelslotkonohatoto78
https://app.getmypage.com/id/kodok_konohatoto78
https://lnk.boo/togelslotkonohatoto78
https://wallafan.com/konohatoto78-togel-slot