في كتابه الصادر باللغة الانجليزية عام 2022 تحت عنوان: “Religious Reform in the Late Ottoman Empire: Institutional Change and the Professionalisation of the Ulema ” «الإصلاح الديني في أواخر الإمبراطورية العثمانية: التغيير المؤسسي وتحول العلماء إلى فئة مهنية محترفة» (أي بي توريس للنشر) يتحدى المؤلف إرهان بكتاش التصور التاريخي السائد بأن نفوذ العلماء المسلمين السنة الرسميين خلال القرن الأخير للإمبراطورية العثمانية قد تضاءل، حيث يفند بكتاش تلك السردية بالاستعانة بأرشيفات الدولة العثمانية والأرشيفات المؤسسية؛ ويوضح كيف خضع هؤلاء العلماء لعملية تقنين مهني كجزء من إصلاحات عصر التنظيمات الأوسع نطاقًا؛ وبالتالي استمروا في لعب دور مهم في المجتمع العثماني.[[1]]
في البداية، يسلط الكتاب الضوء على التحولات في مكتب «شيخ الإسلام» رجل الدين السني الأول في الإمبراطورية العثمانية، ثم يستخدم الأرشيفات لتقديم صورة مفصلة لحياة العلماء الشخصية، ويرسم خرائط لتعليمهم وحياتهم المهنية والاجتماعية. ويُظهر الكتاب كيف لعب أولئك العلماء دورًا محوريًا في جهود الإمبراطورية لمركزة عملية صنع القرار في الدولة من خلال العمل كوسطاء بين الحكومة والمجموعات الاجتماعية، وخاصة على أطراف الإمبراطورية. إلا أنه بالرغم من كل تلك الأدوار البارزة التي لعبها هؤلاء العلماء في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، فإن تأثير العلماء غالباً ما يتم التقليل من شأنه أو تجاهله تماماً في الأدبيات التاريخية، وكأن الضوء الذي سلطه المؤرخين على الفاعلين التاريخيين المؤثرين في تلك الفترة لم يمس أولئك العلماء إلا بصورة خافتة، مما جعلهم في الظل بشكل كبير وقلل من أهميتهم.
ولكن في السنوات الأخيرة، بدأ عدد متزايد من الدراسات التاريخية في إعادة النظر في تلك الفرضية، وسعى إلى استكشاف دور العلماء بشكل أكثر شمولاً، وإلى رسم صورة أكثر دقة لموقفهم كطبقة اجتماعية دينية متميزة. وينضم كتاب إرهان بكتاش، “الإصلاح الديني في أواخر الإمبراطورية العثمانية”، إلى ذلك الاتجاه العلمي الجديد، حيث يقدم تحليلاً معمقًا لدور العلماء، ويمثل إضافة مهمة لهذا التحول الفكري المستمر حول تلك الطبقة والفئة المهمة من المجتمع العثماني.[[2]]
وبعيداً عن التعامل مع أولئك العلماء باعتبارهم كيانات جامدة ثابتة لا تتغير بمرور الزمن، ينظر بكتاش إلى علماء الدين في موقعهم الطبيعي في سياق الإمبراطورية العثمانية التي تطورت بشكل سريع في مراحلها المتأخرة زمنيًا وذلك كأحد المشاركين الديناميكيين في هذا التحول المجتمعي الكبير. ويقدم الكتاب بذلك رؤية نقدية للتأريخ التقليدي، الذي يعتقد أنه يقدم صورة محددة لعلماء الدولة العثمانية، وخاصة فيما يتصل بواجباتهم ومناصبهم المحددة خلال القرن التاسع عشر الذي شهد تحولات اجتماعية واسعة. وعوضًا عن ترديد السرد الشائع الذي يصور العلماء باعتبارهم أعداء تقليديين لإصلاحات عصر التنظيمات، يعيد بكتاش تقييم هذه الرؤية، ويؤكد على القدرات الاجتماعية والإدارية الموسعة للعلماء، ويوضح سيرورة تطورهم إلى مسؤولين ماهرين ومدربين مهنياً داخل جهاز الحكومة المركزية العثمانية في القرن التاسع عشر؛ مقدمًا بذلك صورة راقية غير تقليدية عن العلماء تلقي ضوءاً جديداً على مسؤولياتهم ومناصبهم المتعددة الأوجه خلال هذه الحقبة الحاسمة في التاريخ العثماني؛ وراسمًا بذلك أيضًا صورة ثرية نابضة بالحياة عن علماء الدين العثمانيين كموظفين متحركين ومنخرطين سياسيًا لم يستجيبوا للتغيرات المؤسسية والاجتماعية التي حدثت من حولهم فحسب، بل كانوا أيضًا قوى مهمة في تشكيل عالمهم.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف إرهان بكتاش هو أستاذ مساعد في التاريخ بجامعة أوسكودار بإسطنبول، وقد عمل بكتاش أيضًا كباحث مساعد في منتدى السياسة الاجتماعية بجامعة بوغازيتشي. وتشمل مجالات اهتمامه تاريخ الشرق الأوسط، وتاريخ أواخر الإمبراطورية العثمانية، والتاريخ التركي الحديث، والتاريخ الفكري العثماني.
[[1]]https://www.bloomsbury.com/uk/religious-reform-in-the-late-ottoman-empire-9780755645510/
[[2]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/35/3/419/7616007



