لم تكن فكرة حقوق الانسان وليدة الصدفة ولم تشكل طفرة حدثت في تاريخ الفكر الإنساني وإنما هي نتيجة سيرورة تراكمية فكرية وفلسفية طويلة ارتبطت بتاريخ الانسان الاجتماعي، فمنذ نزوع الانسان للعيش ضمن جماعات مشتركة بدأت تظهر بوادر فكرة الحق وأضحت تتشكل فلسفة خاصة بحقوق الأفراد حيث انتقل الإنسان إلى العيش داخل المدينة كتجمع بشري يجمع التعددية والاختلاف وهو ما يشكل ملامح بداية الدولة، إن فكرة حقوق الانسان لدينا اليوم هي حصيلة تراكمات تاريخية وسجالات فكرية فلسفية ارتبطت بالوجود الإنساني وأبعاده العلائقية والسياسية والقيمية… وسعي الإنسان نحو المشترك الإنساني وفق مبادئ كونية تدافع عن الإنسان وتضمن له العدالة، المساواة، الحرية، الفضيلة… من أجل عيش كريم في هذا الوجود، لذلك يدخل التفكير في مسألة حقوق الإنسان ضمن مبحث الأكسيولوجيا في الفلسفة التي تدافع عن كونية مفهوم الإنسان بل وجعلت من المفاهيم المرتبطة بالإنسان ـ الحرية، العدالة، الكرامة… ـ مفاهيم كونية تجسد حقوق الإنسان كحقوق كونية يمتلكها الفرد دون أي اعتبارات حول الخصوصية، لذلك يبدأ السؤال الفلسفي في هذا الباب بالبحث عن ماهية هذه الحقوق الإنسانية ومدى كونيتها؟ أصولها ومرجعياتها، وعن قيمة الحق في ظل أزمة الأخلاق؟ مدى جدة وقوة المرجعيات المعتمدة في التأصيل للحق؟ ما هو النقد الذي طال كونية حقوق الإنسان في المجتمعات المعاصرة؟ حقوق الإنسان بين الكونية والخصوصية؟
يقودنا النقاش الفكري حول مسألة حقوق الإنسان اليوم إلى استحضار ما قاله الأستاذ محمد سبيلا في معرض حديثه عن هذه الإشكالية معتبرا أن فكرة حقوق الإنسان هي بنت التجربة التاريخية[1] التي ولدت هذه الأفكار، وأن مفهوم الحرية والحق هي التي أنتجت الحرية والحقوق الفعلية في التاريخ، لذلك يعتبر سبيلا أن فكرة حقوق الإنسان انبثقت من تفاعل تجربتين تاريخيتين هما تجربة الفكر وتجربة الواقع. لهذا فإن أي نقاش حول فكرة حقوق الإنسان يجب تأصيله نظريا والبحث في جدوره التاريخية والفلسفية من خلال عمل أركيولوجي وكرونولوجي في نظره يقود إلى استيعاب وفهم الخلفيات الفلسفية والفكرية لفكرة حقوق الإنسان.
تمتد فكرة حقوق الإنسان في تاريخ البشرية إلى الحضارات القديمة كما هو الحال في الحضارة الفرعونية التي جسدت الفرعون باعتباره إلها، وليست كذلك الحضارة البابلية حيث نجد تشريع “حمو رابي” نفس الأمر في حضارة شرق آسيا مع البوذية والكونفوشيوسية والفارسية من زرادشت غير أن الفترة اليونانية دشنت مرحلة جديدة في التاريخ الفكري لحقوق الإنسان ولم تقدم الإضافة الجوهرية لهذا المفهوم إلا أنها تعتبر لحظة مهمة في بناء الفكر الإنساني في عموميته، ذلك أن فهم حقوق الإنسان عند اليونان ينطلق من فهم طبيعة المدينة اليونانية وحياة الإنسان داخل المدينة، ذات البناء الطبقي، ورغم سيادة الفكر الديمقراطي داخل اليونان إلا أن المدينة ظلت بنى طبقية كما هو الحال في التقسيم الذي وضعه أفلاطون وجعل على رأس الهرم طبقة الفلاسفة ثم الجنود والعبيد، وهذا التقسيم في حد ذاته يقوض مفهوم المساواة والعدالة رغم دفاع أفلاطون عن فكرة العدالة باعتبارها تقود نحو الفضيلة حين يقوم كل فرد بأداء مهامه التي أوكلت له دون أن يتدخل في شؤون الغير، بيد أن ذلك يكرس التفاوت والتمييز بين أفراد المجتمع بحيث لا يحق لغير المواطنين الأصليين المشاركة في الحياة السياسية والمدنية من جهة، ومن جهة أخرى تمنح للعبيد الأعمال التي ترتبط بالحاجات الضرورية للمجتمع، والحقيقية أن الممارسات داخل المدينة اليونانية كانت تبيح بيع العبيد غير أن أرسطو في نهاية حياته أوصى بتسريح العبيد وهي إشارة منه إلى عدم رضى عن الموقف الفكري من حقوق الإنسان داخل المدينة الدولة، غير أن المفكر الروماني شيشرون الذي تأثر بشكل كبير بأفلاطون والرواقيين دعا لضرورة خضوع الدولة لقانون واحد هو القانون الطبيعي، واعتبر أن القوانين لا تحقق العدالة فحتى لو استحضرنا قوانين كل الطغاة؛ قوانين الثلاثين طاغية فهل ستتحقق العدالة، يعتبر شيشرون أن العدالة تحتاج إلى طبيعة صانعة لها، ولا توجد عدالة ما لم تؤسس على الطبيعة وهنا يدعو إلى ضرورة الفصل بين العدالة والقوانين ذلك أن القوانين ترتبط بالنفعية. لذلك ظل التصور القديم لمسألة حقوق الإنسان حبيس التصور الطبيعي الذي يربط الحقوق بالواجبات، فلم يكن الإنسان هو مصدر التفكير في تشريع القوانين ووضع الحقوق بل كانت الحقوق والقوانين تؤسس على مرجعية خارجة عن الإنسان، ويبرر ذلك بنظرتهم للكون والكسموس عموما، غير أن هذا التصور لم يتم تجاوزه في العصور الوسطى التي تميزت بسيادة الفكر الديني بقدر ما تم تكريس منطق الحق الطبيعي تحت ما يسمى بنظريات الحق الإلهي في كل الديانات المسيحية، واليهودية، والإسلام، فقد ظل الفكر الديني في هذه الفترة محكوما بجدلية العقل والنقل، لذلك التأصيل لمفهوم حقوق الإنسان يظل مرتبطا بالنص الديني، كمرجعية مؤسسة لحق الإنسان، عليه العمل بها كواجبات قطعية تنظم حياته وعلاقته الاجتماعية، فالحقوق ليست إلا واجبات متضمنة في النص الجيني عليه العمل بها وإطاعتها باعتباره مؤمنا مطبقا لها من أجل النجاة والخلاص من العقاب والفوز بالجنة، ذلك أن الطبيعة الإنسانية مرتبطة بارتكاب الخطيئة، الذنب، المعصية، لذلك كانت فكرة حقوق الإنسان في هذه المرحلة فكرة مرتبطة بالعبد الميتافيزيقي المجرد من الماهوية الإنسانية، بل إنها فكرة نقلية تأسست من خارج الذات الإنسانية، لذا ظل الإنسان بعيدا عن مسألة حقوق الإنسان فتم تكريس العبودية، العقاب، الاستغلال… فالجميع سواسية في نظر القديس أمبرواز، سواسية أمام العبودية، والجميع يخضع للحساب والعقاب، وهو نفس الدهليز الذي ذهب فيه القديس أغسطين حين ربط الفعل الإنساني بالعقاب والخطيئة الموروثة، بما أن الطبيعة الإنسانية كذلك فلا بد من وجود قانون أسمى للعقاب، لذلك رأى وجوب صبغ الدولة بالصبغة النصرانية لتحقيق العدالة الإلهية في الأرض. لم يختلف هذا الرأي عما نادى به توما الإكويني من ضرورة تطبيق القانون الوضعي المستمد من القانون الطبيعي، وعليه فالفرد مجبر على تطبيق تعاليم الكنيسة، وهو ما تحدث عليه دانتي بتطبيق التعاليم البابوية، حيث اعتبر أن كلا من البابا والحاكم سلطتهم مخولة من الله، فالحاكم في نظرهم هو خليفة الله على الأرض.
لقد كان للتطورات التي عرفها عصر النهضة أثر عميق في النقاش الفكري حول حقوق الإنسان، فقد انعكس تطور الفكر في هذه المرحلة – خاصة الفكر العلمي – في شكل نظريات علمية جديدة تخالف تصورات الكنيسة كما هو الشأن بالنسبة لكاليلي وكوبيرنك، وازته اكتشافات تقنية، كآلة الطباعة، واكتشافات جغرافية، مما عزز فقدان الثقة في الكنيسة، وزعزع بديهياتها المقدسة، وجعل الفكر الديني في مواجهة الفكر العلمي ـ العقل ـ وأدى إلى انهيار منظومة الحقيقة الدينية بعدما فقد الإنسان الثقة في الكنيسة، وظهرت حقائق جديدة أزاحت اللثام عن ممارسات الكنيسة واستغلالها المطلق وتكريس العبودية باسم الحق الإلهي ـ كبيع صكوك الغفران ـ مما قاد نحو ثورة على تعاليم الكنيسة وأفكارها، فانهارت منظومة الحقيقة وحلت الفلسفة استجابة لقضايا الإنسان ومشكلاته الوجودية، من خلال العمل الذي قدمه ديكارت، خاصة كتابه عن المنهج لأحكام قيادة العقل نحو بلوغ اليقين الذي دافع فيه عن العقل، وهو دفاع عن الذات الإنسانية التي انصهرت في تعاليم الكنيسة، لذلك أعادت فلسفة ديكارت الاعتبار للذات الإنسانية، وأضحت الذات محور التفكير، بل إن الحقيقة العقلية يمكن بلوغها ذاتيا عن طريق العقل باعتباره أعدل قسمة موزعة بين الناس بالتساوي، ويحتاج فقط لحسن القيادة، وهنا قدم ديكارت القواعد المنهجية لاشتغال العقل، وبهذا المعنى يكون ديكارت قد أعاد للذات ماهيتها الإنسانية، بل أعاد تشكيل هويتها الحقيقية كذات مفكرة جوهرها العقل، ولعل صيغة الكوجيتو: “أنا أفكر إذاً أنا موجود” تفصح عن ذلك، هنا وضع ديكارت الإنسان وجها لوجه مع أفكاره وعليه أن يتحمل المسؤولية، وهذا ما ساهم في بلورة فكرة الحق على ضوء المسؤولية، هذه الهوية الجديدة للإنسان الأوروبي ذات البعد العقلاني، جعلت ديكارت ينظر للعقل كنور فطري يميز الإنسان عن الحيوان، وهنا تأسس الحق على الطبيعة العقلية للإنسان، لذلك اتجهت النزعة الإنسانية إلى جعل الإنسان والقيم محور الكون، وقد تعزز هذا الطرح بالنقد الذي وجهه هيغل للتاريخ، حيث اعتبر أن الانعتاق من أشكال العبودية وتحطيم أصنامها يمر من خلال عملية نقد للتاريخ (نقد فلسفة الحق).
لقد منح الفكر الفلسفي هوية الإنسان منذ ديكارت باعتباره كائنا عاقلا، وأصبح مركز التفكير، وقد أثمر النقاش الفلسفي حول مسألة حقوق الإنسان من ديكارت إلى نتشه اتجاهين فكريين حول التأصيل لمفهوم حقوق الانسان الذي يمكن أن نميز فيه بين النظريات ذات المرجعية الطبيعية المؤسسة للحق، والنظريات ذات المرجعية الاتفاقية التعاقدية لجهة تأسيس الحق. استأثرت الإشكالية المؤسسة للحق باهتمام الفلسفة السياسية، وفي هذا الإطار يتفق أغلب المنظرين على أن الحق لا يمكن أن يجد أصوله إلا في الطبيعة… وهنا نجد توماس هوبس في كتابه التنين يستعرض الوضع السياسي الذي عاشته إنجلترا ويقدم تصوره حول مفهوم الدولة باعتبارها تنينا، وفي هذا الإطار يرى هوبس حالة الطبيعة تشير إلى تلك اللحظة التي كانت تسود فيها قوانين الطبيعة، أي قانون القوة، وهو الذي يشرع الحق الطبيعي، أي الحرية في التصرف بدون قيود؛ حرية مطلقة، وما دام الإنسان يتصرف بناء على هذا الحق الذي قاده إلى الاعتداء على بني جنسه فالطبيعة الإنسانية يغلب عليها الشر والعداء مما يحدث حالة من الفوضى لا تنتهي إلا بفناء الجنس البشري، لذا سيفكر المتحاربون في إنهاء حالة العدوان هذه، وذلك لا يمر إلا من خلال السلم والذي يعني إنهاء الحرب، لكنه يشترط التنازل عن الحرية بنفس القدر الذي يتنازل به الجميع، وهنا يكون الإنسان قد دشن مرحلة جديدة في حياته تحكمها قوانين، هذه القوانين انبثقت من السلم المؤسس على المرجعية الطبيعة للحق الطبيعي، لذا يعتبر تماس هوبس أن الحق الطبيعي هو أصل الحق الذي تناسلت منه باقي الحقوق في حالة الثقافة، وعلى الخلاف من ذلك برزت تصورات جديدة لفلسفة الحق في عصر الأنوار خاصة مع جون جاك روسو وجون لوك الذي حلل الوضع السياسي لإنجلترا عقب الأحداث التي أطاحت بالنظام الملكي المستبد والتأسيس لملكية برلمانية، والدولة في نظر لوك تتأسس على ضمان حقوق الأفراد الدين تواضعوا واتفقوا حول شخص الأمير ما دامت حالة الفوضى تهديدا للحق (الحياة، الحرية، الملكية، عبر عنها بالخيرات المدنية والسياسية). فالشعب هنا يتفق حول شخص الحاكم ويخول له كل السلطة لضمان حقوق الأفراد بسن قوانين تعاقب كل المخالفين، لقد سعى جون لوك من موقفه هذا للتأسيس لدولة مدنية الشعب فيها هو الذي يحكم نفسه بنفسه، حماية من تسلط الدولة الملكية الاستبدادية ذات التفويض الإلهي، هنا تكون جهة تأسيس الحق هم الأفراد ـ الشعب ـ هذا التصور دافع عنه جون جاك روسو واعتبر أن حالة الطبيعة لم تكن حالة حرب مطلقا وإنما كانت حالة سلم تام، الإنسان فيها يعيش نمط حياته الخاص بحرية وسعادة، لكن تطور العقل البشري ومع ظهور الزراعة تكرست أشكال التفاوت بين الناس مع ظهور الملكية الخاصة التي قادت للتنافس، ومع سيادة الأنانية أضحى ذلك يشكل خطرا على حرية الفرد، وما دامت حالة الطبيعة تحكمها الأهواء والغرائز فقد انعكس ذلك على سلوكه الذي أضحى يتسم الحيوانية… لذلك كانت الحاجة لتغيير هذا الوضع عن طريق العقد الاجتماعي، وهو عقد يتشكل من مجموع الإرادات الفردية الحرة يتنافى خضوعها للقوانين مع حريتها، وهذا ما ميز تصور جون جاك روسو ذا البعد الاجتماعي، فالعقد الاجتماعي نحو تأسيس حياة جديدة هو عقد حرية واستقلالية لا عقد خضوع وإكراه، هنا تكون السيادة للحاكم من الشعب أي من داخل العقد الاجتماعي الذي يمثل مجموع الإرادات الفردية، وهنا يشيد روسو بأهمية الحياة في العقد الاجتماعي وما جناه الإنسان من العقد الاجتماعي فقد نبلت أخلاقه وعواطفه بعدما كانت تحكمه الأهواء، وأصبح ذكيا بعدما كان بليدا محدود الفهم، مدفوعا بالواجب بعدما كان خاضعا للمحرك الجسماني، وقصارى القول يمكن أن نقول إن عليه أن يشكر بلا انقطاع تلك الساعة السعيدة التي حملته من تلك الحياة للأبد. تعززت فكرة حقوق الإنسان في هذه الفترة بما قدمه مونتيسكيو حول مسألة الدولة في علاقتها بالحرية والقوانين، واعتبر أنه لا حرية خارج قوانين الدولة لضمان حقوق الفرد، وهنا شدد على أن الدولة كجهاز ينبغي أن تتأسس على فصل السلط: السلطة التشريعية، القضائية، التنفيذية، وهي الكفيلة بتحقيق توازن الدولة.
إن هذا التصور لحقوق الإنسان والذي اعتقد كثر أنه قطع الممارسات التي كرستها نظريات الحق الإلهي وأعاد الاعتبار للذات الإنسانية وجعلها مصدر التفكير، بل وهذه المواقف حول حقوق الإنسان لقيت صدى إيجابيا كبيرا، وهي التصورات التي وقعت في أزمة مع بداية القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، فالنقاش الفكري حول حقوق الإنسان يعيش أزمة أخلاقية، فالأساس الذي اعتمدناه في تأصيل حقوق الإنسان تعرض لنقد لاذع، وهو في حاجة إلى التفكيك بعدما تعرض للتشكيك خاصة مع فلسفة نتشه، من المعروف أن نتشه حطم كل الأصنام الفلسفية بمطرقته، فكان من البديهي أن تتعرض فكرة حقوق الإنسان لدندنة مطرقة نتشه، وشكك نتشه في أن الإنسان غير عاقل، وهذا ما يتعارض مع الطرح الديكارتي الذي يعتبر الإنسان كائنا عاقلا والعقل أعدل قسمة موزعة بين الناس بالتساوي، فحقوق الإنسان تأسست على الطبيعة العقلانية للذات، لكن هذه الذات العقلانية أدخلها الشك النتشوي في أزمة، ذلك أن العقل في نظر نتشه أداة في يد الرغبة والشهوة، معتبرا عقلانية ديكارت أحكمت قبضتها على الفكر والإنسان بطريقة تشبه لاهوتية العصور الوسطى في مظهرها لكنها خادمة لها في الوقت ذاته، فالعقل محكوم من طرف الغرائز الإنسانية، وهو نفس الاعتراض الذي وجهه للتنوير الكانطي وغيرهم موضحا أن العقلانية تجسيد لحلم الإنسان البدائي في فهم العالم، فالعقل صنع لنفسه جحورا يصدر منها أحكاما على القيم، الخير والشر، الجميل والقبيح… مما أسقط ديكارت وكانط وهيغل… في الميتافيزيقا والتفكير الديني، فالسعادة والجمال والخير في نظرهم محدد بمقولات العقل لا بمقولات الحواس وهذا جوهر التشكيك والتعارض الذي أقامه نتشه، والذي جسده في كتابه: “جينالوجيا الأخلاق”، حين وضع أخلاق الفلسفات العقلية والمثالية على طاولة النقد، الشيء الذي قاده إلى اعلان موت الإله، ذلك أن الفلسفات العقلية اغتالت الجسد ونفت الغريزة حين وضعت عالما مفارقا للعالم الإنساني، بهذا يكون نتشه أعاد الاعتبار للجسد والغريزة مدافعا عن الانصات للجسد والوفاء له، ذلك أن الرغبة والغريزة هي جوهر الإنسان، أما العقل فهو أداة في يد الرغبة والشهوة، بهذا المعنى أطاح نتشه بعقلانية السابقين له، واعتبر الجسد مصدرا لإرادة القوة والتفكير والإبداع، لذلك فالتفكير في حقوق الإنسان التي وضعها العقل هي حقوق مبتورة من الغرائز من حاجات غريزية تحقق للإنسان رغبات الغريزة والجسد. في عصر النقد النتشوي لم تسلم فلسفات حقوق الإنسان من النقد خاصة الذي وجهه كارل ماكس في نقده للمادية التاريخية خاصة حين قلب الجدل الهيغيلي المثالي وجعله يمشي على قدميه بعدما كان يمشي على رأسه، واعتبر أن الإنسان كائن يرتبط بالتاريخ وليس بالميتافيزيقا، لذلك شكك في كل الفلسفات العقلانية التي اعتبرت العقل جوهر الذات الإنسانية، فالعقل يتشكل في التاريخ وشروط وجوه الاجتماعية، ذلك أنه ليس الوعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي وإنما الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد وعي الأفراد، وفي هذا تجاوز للمثاليات السابقة التي جعلت العقل جوهر الإنسان متناسية الشروط الواقعية ونمط الإنتاج الذي يوجد فيه الفرد، نظام يوزع المصالح بين الأفراد وفق نظام إنتاج اقتصادي متحكم في الذات الإنسانية وفي وعي الأفراد، لذلك فنظام الإنتاج بتشكيلاته التاريخية بدأ من المجتمع المشاعي، العبودي، الإقطاعي، البورجوازي يقوم وفق جدلية قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، لذلك فنظام الإنتاج الاقتصادي هو الذي يتحكم في الذات الإنسانية، وعليه فالعقل يتشكل وفق المادية التاريخية للمجتمع في علاقة الإنسان بالمادة، وعليه فالأفكار والأخلاق هما نتيجة حتمية للعلاقات الطبقية، لذا ففكرة حقوق الإنسان تتأسس على الوضع الطبقي للمجتمع، وهذا ما يفتح أفق اعتراضات جديدة على نظريات تأسيس الحق في الفلسفات السابقة، وهو أيضا ما يعيد طرح سؤال حول مدى كونية حقوق الانسان في ظل وجود خصوصية تؤسس للاختلاف الثقافي، الاجتماعي، الجنسي، النوعي، النفسي…
ما يزال السؤال حول جدوى فلسفة حقوق الإنسان اليوم والتنظير لها بمنأى عن جعل فلسفة الحق واقعا معاشا، ولعل الأحداث العالمية التي يعرفها العالم اليوم تعيد طرح هذا السؤال بشكل جوهري على الأنظمة السياسية التي تطبل لشعارات حقوق الإنسان ومساعي المنظمات التابعة لها وأبواقها الإعلامية التي تلمع صورتها الحضارية، وتغنيها بالإنسان كمحور الاهتمام السياسي والتشريعات القانونية، لكن سرعان ما ينكسر هذا البيت الحقوقي الزجاجي لهذه الأنظمة السياسية حين يتعلق الأمر بأشكال التعصب والتطرف السياسي والغزو الاٌقتصادي والديني والعرقي لشعوب اتجاه نظرائها، كما هو الحال في التزام الصمت اتجاه الحرب على غزة وحروب الإبادة التي يتعرض لها شعب بورما…
[1]. محمد سبيلا، مجلة حكمة، الأصول الفلسفية لفكرة حقوق الإنسان



