في السنوات المضطربة التي تلت اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحولت بريطانيا من قوة إمبراطورية بسطت هيمنتها على أكثر من ربع سكان العالم إلى دولة تقبع قي جزيرة منفصلة عن أوروبا. ومع اكتساب حركات الاستقلال زخمًا بعد الحرب، بدأ الرعايا الإمبراطوريون السابقون يشقون طريقهم إلى شواطئها. هل تم قبول هؤلاء الرجال والنساء من مختلف الأعراق والثقافات والأديان باعتبارهم بريطانيين، أم تم النظر إليهم على أنهم غرباء غير قابلين للاندماج في المجتمع؟ يحاول الكتاب الصادر العام الماضي 2023 عن منشورات جامعة هارفارد تحت عنوان ” Imperial Island: A History of Empire in Modern Britain ” «الجزيرة الإمبراطورية: تاريخ الإمبراطورية في بريطانيا الحديثة» الإجابة على هذا السؤال؛ حيث تروي المؤرخة شارلوت ليديا رايلي قصة تحول المملكة المتحدة من إمبراطورية إلى أمة منقسمة، وإلى دولة معزولة فوق جزيرة ترحب حينًا وتستبعد في أحيان أخرى رعاياها الإمبراطوريين السابقين اللذين قاموا بتغيير تركيبتها السكانية والاجتماعية بشكل عميق.[[1]]
تُظهر رايلي أن المواقف تجاه الإمبراطورية في بريطانيا كانت دائمًا معقدة ومثارا للتنازع والخلاف، وتشرح كيف استمرت الإمبريالية في أعقاب نهاية الاستعمار في التأثير على شكل الحياة في بريطانيا. وتعيد المؤلفة رواية السردية الوطنية للفترة بين عامي 1939 إلى 1945 وحتى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016 وما بعدها، وتتوقف في هذا السياق خصوصًا لدى إرث الاستعمار والعنصرية.
مهارات رايلي كمؤرخة اجتماعية تظهر على أفضل وجه في استخدامها للشهادات الشخصية والتاريخ الشفهي والوثائق ومصادر الثقافة الشعبية، التي تضفي لمسة من الحياة على التجارب اليومية للمهاجرين الجدد. يروي الكتاب أيضًا تاريخ حملات المجتمع المدني ضد العنصرية، ويوثق الدور السياسي الذي لعبه اليسار المناهض للحرب في بريطانيا الحديثة.
تقدم رايلي الصورة الأوسع بالنسبة لأي قارئ مهتم بالإرث الاستعماري البريطاني في العصر الحديث، وذلك بالاعتماد على مجموعة كبيرة من الأبحاث التي استكشفت أفكار ومشاعر المواطنين البريطانيين العاديين حيال العديد من القضايا، وذلك من أجل رواية قصة نهاية الإمبراطورية وولادة التعددية الثقافية في البلاد على إثر موجات الهجرة، وموقف أولئك الأشخاص الذين لازالوا قابعين بعقلهم في الماضي من كل ذلك. وهو تاريخ من العنف والإقصاء ولكنه أيضًا شهادة مهمة تعد بمثابة القصة التي تشرح بريطانيا اليوم على أفضل وجه.
نشير ختامًا إلى أن المؤلفة شارلوت ليديا رايلي هي أستاذة مشاركة في التاريخ البريطاني في القرن العشرين في جامعة ساوثهامبتون. ولها العديد من المقالات المنشورة في العديد من الصحف والدوريات الغربية البارزة مثل: واشنطن بوست، والغارديان، ونيو ستيتسمان، ونيو هيومانيست. وهي تشارك في استضافة بودكاست حول الحركة النسائية والثقافة الشعبية والسياسة والتاريخ.



