التزلف نزعة واحدة أسبابها متقاربة، وممارساتها قد تختلف شكلًا، لكن فحواها واحدة، فهي وفاء وطاعة ومحاولة تقليد لفكرة ولزمان ولرجال في زمن بعيد أو لسلطة معاصرة، فهذا يبحث عن عهد السلف في القرن الثاني أو الثالث الهجري، وذاك يبحث عن السلف في عصر النهضة الأوربي أو الثورة الأميركية أو الفرنسية أو ما بعدهما، يبحث عن مبادئها ويغرسها هنا أو هناك. وهكذا تجد متسلِّفة اليسار والليبرالية يبحثون عن عقل المعتزلة إن أرادوا ربط تسلفهم الغربي بتراثنا، لعله يكون سلفًا يؤصل بحجة من الماضي دروب تسلفهم للغرب.
ويكمن المخرج من أزمات الحاضر لدى السلفيتين في تقليد زمن أو ثقافة أو عصر محدد من الماضي، فهي ثقافة توهمك أنها تعمل للمستقبل، بينما هي تصنع الماضي مستقبلًا، ولها عذر شكلي أن المجد كان سابقًا أو أن القوة في بلاد أخرى، وأن النموذج كان في التاريخ الماضي.
إن التسلف في عقول أصحابه صورٌ خيالية، غير عملية ولا واقعية، وعبارة عن قطع من الماضي بحسب ما تجود به الذاكرة وما تمسك به من أخبار الماضي، لكنها صور لا يمكن أن تعود، وفوق ذلك وقبله وبعده هي خارج الزمان والمكان؛ لأن الإنسان ينسى – وهو والهٌ بزمن أو صورة- أن الزمان والمكان لا يعودان، ولا تتكرر المواقف ولا الظروف، ولو كان ذلك ممكنًا لما كانت هناك حاجة إلى أنبياء مختلفين، ولا حاجة إلى تجديد الدين، ولما كانت هناك حاجة إلى مسائل المرونة التشريعية، ثم إن التزلف بالتسلّف قسر وإكراه ثقافي وسلوكي ضد حريات الناس.



