في كتابها المنشور باللغة الانجليزية تحت عنوان “Empire of Salons: Conquest and Community in Early Modern Ottoman Lands” “إمبراطورية الصالونات: الفتوحات والمجتمع في الأراضي العثمانية في بواكير حداثتها” (مطبعة جامعة برينستون، 2022) تشير المؤلفة هيلين فايفر أنه على عكس الربط الذي عقده المؤرخون بين التماسك الإمبراطوري العثماني في القرن السادس عشر بالبيروقراطية أو ببلاط السلطان عادًة، ثمة عامل حاسم تم تجاهله، ألا وهو الصالونات الثقافية. وتوضح فايفر أن تلك المختبرات الرئيسية للثقافة والمجتمع والسياسة ساهمت بقدر أي مؤسسة رسمية في الاستقرار السياسي للإمبراطورية، وساعدت الرجال على بناء العلاقات وتبادل الأفكار عبر الأراضي العثمانية النائية، ولعبت دورًا مركزيًا في اندماج سوريا ومصر في الإمبراطورية. [[1]]
تقدم فايفر سرديتها في هذا الكتاب من خلال استعراض سيرة حياة وشبكة علاقات الباحث البارز في دمشق في القرن السادس عشر، بدر الدين الغزي (المتوفي عام 1577 م)، وتكشف أن النخب العربية كانت أكثر تأثيرًا داخل الإمبراطورية مما كان معترفًا به سابقًا؛ وأن معرفتهم وخبرتهم العلمية تنافست مع أبرز رجال الدولة في إسطنبول، بل وتفوقت عليهم في بعض الأحيان؛ وتبين المؤلفة أنه في نهاية المطاف، تم تشكيل الثقافة العثمانية في تلك الحقبة من قبل العرب والأتراك على حد سواء.
من خلال استكشاف الصالونات الأدبية في أوائل الشرق الأوسط الحديث، تروي فايفر تاريخًا جديدًا للنتائج الاجتماعية والسياسية والفكرية المترتبة على توسع إقليم الدولة خلال ستة قرون من الحكم العثماني. وتوضح كيف كانت صالونات النبلاء بين النخبة المدنية في المقاطعات العربية العثمانية في القرن السادس عشر بمثابة مواقع مهمة لتأكيد المكانة وبناء الحياة المهنية، فضلاً عن تداول التيارات الفكرية والأفكار. وتتناول فايفر أيضًا العلاقة بين العلماء المسلمين الناطقين باللغة التركية في الأناضول والعلماء المسلمين الناطقين بالعربية في سوريا الكبرى.
مدعومة ببليوغرافيا من المصادر المنشورة وغير المنشورة يجلب تحليل فايفر لشخصيات ومهن أبطال هذه السردية التاريخية من سماسرة السلطة، ورجال الدين، أولئك الأفراد الراحلين منذ قرون إلى الحياة من جديد؛ ويقدم كتابها منظورًا معمقًا على دور الصالونات التي كانت معروفة جيدًا للمؤرخين والمتخصصين ولكن لم يسبق أن يُخصص لها عمل كامل يحددها ويشرحها وفقًا لهذا المعيار؛ وهذا ما يجعل قراءة هذا الكتاب مفيدة لكل مهتم بتاريخ الشرق الأوسط في بواكير حقبته الحديثة.
نشير ختامًا إلى أن المؤلفة هيلين فايفر هي محاضرة جامعية في التاريخ العثماني المبكر في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة.
[[1]]https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691195230/empire-of-salons



